منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

رب اغفر لي.. ربي افتح لي أبواب رحمتك (قصة قصيرة)

عطية معين

1

.. سكون عجيب يلف المكان، وبرد قارس يجثم على كل ركن. الصمت هنا يبعث على الاحساس بالرهبة والوجل.

وفجاة سمع صوت اشبه بالبكاء، لكن صداه قوي.. وانبعث ايضا انين من هناك. ثم تعالت الاصوات بنحيب صامت موجع ينبعث بحنين وشجن.

اصبت بالهلع بادء الامر، ثم هدأت من روعي وطمانت نفسي، واخذت نفسي، واقتربت بسكون نحوها، دنوت منها وحدقت فيها، مررت بيدي فوقها، لا مستها لاجدها ندية كوردة اصابها مطر خفيف، خاطبتها كما اخاطب الناس، ربت عليها كما اربت على كتف طفل صغير، ثم تجرأت ونطقت والعبارات تخنقني، ثم سمحت لنفسي ان تنطق بالكلام.

-ما بالك يا سارية.

اجابتني:.. حزينة.

فاستطردت بدهشة:

– اتحسين، بل و تتكلمين !!

فقالت: وان من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم.

– لم تخبريني عن سبب حزنك.

اجابت:

– افتقدت احبابا كنت سندهم، وشيوخا كنت ظهرهم، وقراءا يستديرون نحوي حتى يتم لهم الخشوع وسلامة الحفظ.. افتقدت حزبا راتبا يتلى في الغدو و الاصال.. ابكي وجوها لها وحشة في قلبي، فقد كنت اراها خمس مرات في اليوم… واجهشت في البكاء.

وتبعتها باقي السواري في الانين والنحيب حتى حسبت ان قلبي سينفطر، وسينخلع من مكانه.

هالني المنظر، فلم اكن ادري ان الله اودع الاحساس في كل مخلوقاته من انس وجن، نبات وجماد… لكن حجبتنا طينيتنا عن الرؤية و الشفافية فغلظ القلب و ادليت اسدال الغشاوة….

وفي دهشتي وانفعالي صدر صوت من اقصى المسجد منبعث من سارية هناك:

– لن تشعر بما نشعر، ولن تقدر ما نحن فيه، انتم بعيدون مبعدون، ونحن حاضرون دائمون.

فصحت وقد انفكت عقدة لساني:

– بلى.. لقد حزنا وأسفنا.. وراعنا صوت المؤذن وهو يقول: “صلوا في رحالكم “. لقد كان المصاب جلل، لكنها مشيئة الله، فما شاء الله وما قدر فعل..

قاطعتني بقوة:

– لا.. لن يشعر بمصابنا الا احد السبعة الذين سيظلهم الله بظله، يوم لاظل إلا ظله.. رجل قلبه معلق بالمساجد.. لن يشعر بنا الا من كابد النوم وهجره وسار في العتمة تضرب خطاه ليل الشتاء البارد، وحر الظهيرة في الهواجر. من سابق الملائكة في خطاها و محا وصمة النفاق من جبينه ليكون مصطفى ومقربا.. تزاحم كتف كتف اخوته من المومنين، سادا للفرج، محاذيا بين المناكب، سابغا وضوءه ومنتظرا الصلاة بعد الصلاة.

طاطات راسي خجلا، فانا لست كذلك، لا تطأ قدماي المسجد الا من الجمعة الى الجمعة، واحرص على صلاة التراويح في رمضان، ثم اولي غير مبال.. همتي فاترة وعزيمتي متقاعسة.. لم اجد ما انافح به عن نفسي، فتمتمت:

– كل المساجد عطلت.. حتى بيت الله الحرام والمسجد النبوي.. إنه الوباء قد عم الارجاء وكان لا بد من اتخاذ تدابير وقائية…

فقاطعتني:

هناك.. كل ذرة.. كل سارية و اسطوانة، كل لبنة قد عمها الشجن، حتى الحماءم وهي تطوف، حتى القطط وهي تحوم.. ثم اردفت،: لعل الأرض تتطهر، فيستبدلكم الله بقوم خير منكم..

لم اطق كلماتها التي انطلقت مدوية صادحة، اصابتني في مقتل، فصرخت:

– لا.. لا.. بل هي فرصة نجاة للتوبة والانابة والعودة.. لقد اشتقنا لراءحة المساجد، للطمانينة التي تسري في اركانه، للسكينة التي تعتلي في ارجاءه..

لقد اشتقنا للجمع والجماعات، للصلاة حاضرة، فلا تقسي علي يا سارية، يكفينا ما نكابده من حنين.

فعسى ان يأتي رمضان، فتزاحم اكتافنا اكتاف الملائكة، وتسرج انوار المساجد، ويتعالى التهليل في المآذن، ويعبق المكان برائحة المسك والعود وماء الورد بدل الكلور والكحول.

سنعود ونحن ممتنين للرحمان، شاكرين، حامدين، خاشعين، مقدرين للنعم التي كنا منغمسين فيها. سيرحل ليل الوباء ويطل علينا فجر جديد نميز فيه بين الخيط الابيض و الأسود.

ستحنو عليك يد المومنين و ستسكنين و تهدءين كما سكن الجذع عندما حنت عليه يد المصطفى صلى الله عليه وسلم وهدات من روعه.

اخفقت راسي ارضا، ودعوت:

“اللهم إني أسألك من فضلك “، ووليت نحو الباب خارجا.

تعالى في الآفاق صوت ” الله اكبر، الله أكبر “، لاستيقظ من نوم عميق، رأيت فيه حلما لا ككل الاحلام.. بل كان عظة وصحوة من غفلة.. فهلا اعتبرت.

 

تعليق 1
  1. فردوس يقول

    ماشاء الله غاية في الروعة اللهم ارفع عنا هذا البلاء .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.