منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

ترانيم الحب؛ تأملات في سورة الضحى

ترانيم الحب؛ تأملات في سورة الضحى/ الأستاذة زهرة سليمان أوشن من ليبيا

0

ترانيم الحب

تأملات في سورة الضحى

الأستاذة زهرة سليمان أوشن من ليبيا

للحبيب مع حبيبه , حديث عذب وعتاب جميل , رقة في الكلمات وانتقاء للعبارات .

أما وأن الكلمات ينزلها رب الأرض والسماوات لحبيبه وصفيه وأعظم رسله , فحدث لا حرج عن رقة وعذوبة الاتصال , عن جلال وجمال الأحرف النورانية وهي تتنزل على حبيب الرحمن بردا وسلاما , سكينة وأمانا .

فإذا بتلك الترنيمات وهاتيك المناجاة , تشع رضا وفرحا , بشرى وسرورا , تنعكس على محياه الشريف فيشرق جبينه الوضاء ويتهلل وجهه الصبوح فيغدو أروع من البدر في كبد السماء .

تلك خفقات قلب حاولت ترجمتها إلى أحرف لافتتاح الحديث حول سورة في قمة الروعة , معنى ومبنى , حرفا وإشراقا .

سورة تطرق على المشاعر وتثلج القلب ونحن نحيا في أجوائها الآخاذة فإذا بنا نقترب ونقترب ونقترب , من رب رحيم ورسول كريم .

تعطرنا شذى ورياحين وهي تتحدث إلى حبيب رب العالمين , فإذا بها ترسل إيحاءاتها التي لا تخفى على كل ذي لب عن سمو مكانته ورفعة مقامه عند مولاه .
إنها سورة الضحى وما أدراكم ما سورة لضحى .

بدأت بالقسم : ( والضحى والليل إذا سجى )

أقسم الله بالضحى , وقت انتشار النور والدفء , حيث يعم الصفاء والضياء .

وأقسم بالليل إذا سجى , الليل وقد أرخى سدوله وتغشى الأرض ظلامه فألبسها السواد .

والقسم يدل على عظمة خلقه سبحانه , ويرسل ظلاله ليذكر رسول الرحمة أن الله عز وجل يعلم ويرى تفاصيل حياته وتقلب أحواله ليلا ونهارا , وهو أدرى بخفاياه وخلجاته في كل حين .

ولعله يشير أيضا إلى الموجات النفسية التي مر بها الحبيب صلى الله عليه وسلم لما انقطع عنه الوحي فترة من الزمن , وربما مر على قلبه الشريف خواطر مختلفة .

ولعله أعتراه بعض الحزن والخوف من أن يكون ربه جفاه . فيأتي جواب القسم : ( ما ودعك ربك وما قلى ) .

(ما ودعك ربك وما قلى ) , عبارة مطمئنة ,مسكنة , فيها بلسم وشفاء , رقة وحنان , دفء وحب , رقة وعذوبة ,,,, وحدث ولا حرج .

ما ودعك ربك , نداء الربوبية وكاف الخطاب تضعك في أجواء القرب والمعية , وقد أضافه للوداع , لأن فعل الوداع يستعمل للحبيب, ولم يستعمله مع الفعل قلى , لأنه يرتبط بالكره والبغض فترك هنا الخطاب المباشر لنبيه الحبيب , تقديرا لمشاعره وترفقا بأحواله , (ماودعك ربك وما قلى ) , عبارة كأنها الماء الزلال والسحر لحلال.
وتستمر الآيات ترسل بشرى مميزة , بل بشائر وبشائر في هاتيك الجملة الفرح : ( ولسوف يعطيك ربك فترضى ) , وعدا مؤكدا, بالهبات والعطايا , بالمنح والهدايا , بأنه سيعطيك ويعطيك ويعطيك حتى يبلغ بك الرضا منتهاه .

فاللهم إنا أمته وهو رسولنا الكريم , فقبسا يا رب من تلك الأعطيات .
ويلتفت الرب الودود إلى حبيبه في حديث ذي عذوبة وحنان , وصفاء وبيان , ليذكره بما أنعم عليه : فيقول له : ( ألم يجدك يتيما فأوى . ووجدك ضالا فهدى .ووجدك عائلا فأغنى ) ,, والحال أن الحبيب صلى الله عليه وسلم تردد كل خلية فيه : بلى يا رباه يا صاحب الفضل العظيم , وحري بكل من قرأ هذه الآيات أن يردد بلى يارباه أنت أهل الكرم والعطاء .

ويستمر الحديث عذبا رقراقا , فيه لمسات حانية ودفق جميل .

لتأتي تلك الأوامر وكأنها نسمات عليلة , يهمس فيها الرب الجليل للمصطفى صلى الله عليه وسلم , وأنت يا حبيبي أهل للنعم والشكر , وقد مررت بأحوال صعبة وجدت فيها ربا رحيما , برا كريما , فما عليك إلا أن تكون اهلا للرحمة والعطاء , وهو كذلك بأبي وأمي , وهو الرحمة المهداة القائل فيه ربه : ( ما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ) , لكنه التذكير الذي لا يستنكف عنه أهل الفضل, وهو دعوة لنا ونحن أتباعه أن نكون من أهل الإحسان .

ولنستمع معا إلى هذه الآيات وهي تنهانا أن نسلك سبل القسوة مع المستضعفين : (فأما اليتيم فلا تقهر وأما السائل فلا تنهر ) .
والرسالة , فلنكن للمعوزين والمحتاجين , لليتامى والمقهورين , للمغبونين والمظلومين , لنكن لهم يدا رحيمة وقلبا عطوفا ودوحة ظليلة .

وتختتم السورة بدعوة لمن قال وقد أجتهد في العبادة حتى أنهكه التعب : (أفلا أكون عبداشكورا ) , تختتم بدعوة له ولنا : ( وأما بنعمة ربك فحدث ) , فحرى بنا أن نكثر من ذكر نعمة ربنا علينا ونحدث بها في كل حين قولا وعملا , سلوكا وخلقا .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.