منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

قصة حب من نوع آخر ( لقاء بعد خمسين عاما من الفراق)

محمد عناني

0

يقولون بأن جميع شخصيات الرواية، تخفي الوجه الحقيقي للروائي.
وهناك من يقول؛ لا وجود لراوٍ أو سارد، هناك الكاتب..
أصدقهما معا( باشلار. وساراماغو.) لكن من مسافة. هل تعرف ياصديقي، أن العالم والزمن لا يوجدان إلا بالنسبة لك؟ وأنهما يختفيان عندما ترحل عن الحياة !
نعم هما كذلك.. وما تبقى هو من أمر الله.. فحتى خيالنا يعجز أن يتخيل ما لا يخضع للتخيل..
أما بالنسبة للسارد.. فهو الكاتب في البداية.. لكن ثمة شخص ينفصل عنه.. ويستمتع بلذة الحكي.. بل هناك أشخاص كثيرون يفعلون ذلك.. فالإنسان لا يستقر على حال..
دعوني أقص عليكم؛
التقيا.
لم يضربا موعدا للقائهما. التقيا هكذا.. كما تلتقي كثير من أشياء العالم وتفترق.
بدأ اللقاء بنظرة محملةٍ بكل الميولات الروحية العميقة. ومن ميزات النظرة، أنها تسمو بك عن اِشتهاء الجسد، دون تغييبه كليا.
شعرت ( منار) بقوة نظرته، جذبتها، عصفت بكيانها.. وقالت لها ما تعجز عنه لغة الكلام. أما هو فقد فتنته عيناها.. وجهها الطفولي.. براءة تفصح عن جمال يراه لأول مرة. وقع ( سرحان) تحت سحر الروح أم الجسد؟
العين جزء من الجسد. وتروي الحكايات عن بداية الحب من أول نظرة. وهنا يسمو الإنسان عن الحيوان في الغريزة، لا ينجذب بالشم بل بالنظر. وروعة الحب تبوح بها النظرات في نوع من الخجل الجميل. لهذا يُؤَرَّخ تاريخ الحب بالنظرة. فهي أول أشكال التعبير العاطفي.
أعدت الثانوية رحلة إلى مراكش ونواحيها. وكان نيسان ( أبريل). وكانت الأرض آية في الاِبتهاج. وكان التلاميذ يعدون أدوات الطرب والغناء. الفصل فصل الحب.
لكن ( منار) الجميلة لم يكن لديها ما تؤدي به ثمن الرحلة. كان سرحان ثريا بعض الشيء، بينما كانت كل ثروة منار في جمالها. لكنها حزنت لعدم قدرتها على المشاركة في الرحلة. ورفضت عروض أساتذة أراد كل منهم شراء بطاقة لها. وزاد حزنها لما علمت أن مقعدا واحدا بقي شاغرا.
كانت تتأمل زروعا تتموج برياح نيسان الناعمة. وبدا لها أن الطبيعة مبتهجةً في كل مكان. وقررت أن تدون ذكراها الحزينة في كراستها الخاصة. كانت تمتلك موهبة قوية في الكتابة. وكانت موهبتها هي أسلوب حياتها.
قيل أنها بكت وجرى الدمع على خديها المتوردتين. لقد أحبت سرحان.. وودت لو تصاحبه في الرحلة. وربما كان هذا هدفها الوحيد. فحيث يكون، تكون هي فرحة منشرحة..
كانت ساهمة عندما بلغها صوت ضعيف؛ ( منار). التفتت. كان هو. تلعثم. اضطربت شفتاه وقال؛ اسمحي لي منار.. أرجوك تقبلي مني، ومد لها بطاقة الرحلة.
لكن منار، رفضت بأدب جم.. وقد جاء في مذكراتها، أنها تجهل كليا السبب الذي جعلها ترفض. وأنها أحبته.. وتعجز عن وصف مشاعرها نحوه.. ربما صدقت، فمكتوب على لغتنا أن تبوء في تخومها القصوى بالعجز. وحتى أسلوب التعجب لا يقول شيئا. أحدس أنا سارد هذه القصة أن منار، في مثل هذه الحالات كانت تلجأ إلى الموسيقى. لكن الراقص يتوقف عندما يتوقف الكمان.
سمعتهم منار وهم عائدون من الرحلة يغنون ويمرحون، فبكت.
في نهاية العام الدراسي، اتفقا على اللقاء. وكان كلاهما يخفي حزنه ودمعه على لوعة الفراق لشهرين أو أكثر.
كانت لمسات عفوية خجولة قد حصلت بينهما.
الحب في ذلك الزمن لم يكن متعجلا كما هو الحال الآن.
عاد سرحان يسأل.. في بداية الموسم الدراسي الموالي. لا أثر لمنار. انتقل أهلها إلى مدينة أخرى سعيا وراء الرزق. أية مدينة؟ لم يعرف سرحان.
التقيا.
وكانت خمسونَ عاما قد مرت. في محطة قطار التقيا. كان الصمت يخيم على المحطة. ونظرات المسافرين لبعضهم تعمق شعورا بالغرابة القاسية. ففي المدن لا يتكلم الناس بعضهم إلى بعض بتلقائيةِ أهلِ القرى.. لأنهم اِبتعدوا عن الطبيعة وابتعدوا حتى عن أنفسهم..
داهم رجل مسن نوع من كدر الروح. إنه سرحان الذي قضى عمره في نظم الشعر و الألحان.. ولم يتزوج.
في ركن آخر شعرت إمرأة بذات الشعور. أرملة كَبرَ أبناؤها وذهب كل منهم إلى مكان آخر. كانت منار.
التقت نظراتهما. وتكسر جدار الصمت. كانت هي ذات النظرات.. لم تتغير.. بالرغم من تغير باقي أعضاء الجسد.
اِقتربا من بعضهما. تصافحا دون كلمات.
سمع صفير القطار.. وأعلن مكبر الصوت، أن هذا القطار لا وجهة محددة له..
توقف القطار. صعدا في صمت. كانا وحدهما يجلسان إلى جانب بعضهما.
وتحرك القطار..

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.