منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

حب تحت ظل شجرة (قصة قصيرة)

محمد فاضيلي

0

تحت شجرة أوكالبتيس متفرعة الأغصان، وافرة الظلال،مطلة على سانية كبيرة،تمدد على ظهره، وأخذ يتأمل المكان،المترامي الأطراف…
سرح به الخيال بعيدا،هناك حيث تجلس زميلته، الغادة الفاتنة في ربيعها السابع عشر،ذات القوام المعتدل والشعر الحريري الأشقر المتدلي على الكتف، والعينين الخضراوين الذين يشعان حيوية وبريقا،رآها ترمقه بنظراتها الجذابة،وبسمتها العذبة،التي تغري بأجمل الأحاسيس، ثم استفاق من أحلامه، وردد :أين أنا من حياة!إنها نجمة متلألئةفي السماء،يستحيل الظفر بها ، الكل يتلهف للإقتراب منها وإرضائها .
لكن هل يستطيع كتم حبه لها إلى الأبد،أو يدعها تنفلت منه، وتقع في غرام أحد،ليصارحها ،وليكن ما يكون…
عاد إلى بيته حزينا كئيبا،متعبا من كثرة المشي والتفكير، ثم استلقى على السرير.صوت عبد الحليم يردد: يا ولدي لاتحزن. في المنام رأى حبيبته في أجمل صورة،تسوق جملا، وتسير في الشارع الرئيسي. أسرع الخطى ليلحق بها، لكنها اختفت بين الأزقة، ولم يعثر لها على أثر.انتبه فزعا وهو يتصبب من العرق، وطيف خيالها لا يفارقه، ثم توجه نحو الثانوية، لعله يظفر ببسمة تعيد له الروح.
حاول أن يصارحها بما يكن في صدره، لكنه لم يستطع، ثم كتب لها رسالة، وانتظر الجواب على أحر من الجمر، لكنها قابلته بعدم الاكتراث، وبوجه لا يدل على الرضى، فتردد ، ثم بادرها قائلا: أليس لديك ما تقولين؟ ردت بسرعة: مثل ماذا؟ قال : ألم تقرئي الرسالة؟ ردت مستنكرة:أي رسالة!؟قال : التي أعطيتك بالأمس. قالت:نسيت. ثم أضافت: ماذا كتبت فيها؟ احمر وجهه، وعلت أنفاسه، وبسرعة غاضبة قال: أحقا لم تقرئيها !؟ ولم هذه الجفوة، وهذا الاستنكار!؟رأت الحزم في عينيه،فأجابته معاتبة: إني أعتبرك زميلا وأخا،ولم أظن أن يصدر منك مثل ذلك الكلام.وبسرعة جنونية قاطعها قائلا: وهل في هذا الكلام ما يعاب؟ وبنبرة منكسرة، وقبل أن تنطق بكلمة، أضاف: إني معجب بك أيما إعجاب، وأحبك من أعماقي، وأتمنى أن تبادليني نفس الشعور،وتمتد علاقتنا إلى الأبد.
بدا عليها بعض الارتياح، وحاولت أن تخفي بسمة لاحت على شفتيها ، فزادتها جمالا، وزادته تعلقا،ثم غادرت مسرعة.ثم ابتلعهما الفصل. بقي طيلة الفصل مشدوها،غارقا في التفكير، وفي الليل لم يغمض له جفن.بقي مشدودا للهواجس والأفكار ، لم يدر كيف نسجت كلماته دون إعداد.
مضت أيام رتيبة،كان يرى عليه أثر السهر،وقلة الأكل ،يظل طيلة وقته صامتا كئيبا، منعزلا، وفي أحد صباحات الربيع الجميلة، اقتربت منه وبادرته قائلة:أريد أن نخرج معا إلى الطبيعة،فلم يتمالك نفسه، وأجابها على الفور: مساء آخذك إلى مكان سيعجبك، وتحبينه أكثر.
الطريق إلى العرصة طويلة،لكن حرارة اللقاء خففت من طولها ، وإذا هما جنبا إلى جنب، تحت ظل الشجرة التي ستشهد ميلاد قصة حب لم يكتب لها الخلود! التفت إليها وهو يتملى وجهها المشرق وعينيها البراقتين،كأنه ينظرهما لأول مرة،ثم قال: أتعلمين يا حياتي الجميلة أن لهذا المكانسحرا ومكانة في قلبي لايضاهيهما سوى حبك الخالد، ثم صرخ في جنون: إني أحبك، أحبك،لتشهد السانية بذلك،وأشجار الدفلى،والمروج الخضراء، والوادي الذي يخترقها.وأنت أيتها الشجرة الباسلة: لتشهدي أني أحب حياتي حتى الجنون! ثم أخرج قلما، ونقش على جذعها بأحرف بارزة:هنا ولد أعظم حب في الوجود، حب سعيد لحياة ،فاختطفت منه القلم، وأضافت: وحب حياة لسعيد، وأضاف : ليحيى حبنا إلى الأبد.
توالت اللقاءات والخرجات وازددت الأشواق، وتحت الشجرة المطلة على السانية، نما وأينع حبهما وأزهر وعبق بأريجه الكون، وفي أحد الأماسي الجميلة، ضمته إلى صدرها وأجهشت بالبكاء ، بعدما مالت الشمس إلى المغيب، ثم أخذت تنظر إليه نظرة الحزين المكلوم، فتساءل عن سر هذا البكاء، وقد قضيا أجمل الأوقات،فقالت بلهجة تمتزج فيها العبرة بالانكسار: إنها لحظة الوداع!
ككل بداية أسبوع،استيقظ في الصباح الباكر، وتوجه نحو الثانوية،ينتظر لحظة الإشراق، إشراق حياتهالمليئ بالأشواق. تسمر طويلا أمام الباب ، فلم تحضر.أصيب زملاؤه بالدهشة لأنه لأول مرة يدخل الفصل وحده، ودون أن يشعر، غادر الفصل، لعله يظفر باللقاء،لكن دون جدوى. أسرع إلى بيتها، فسمع صراخا ونحيبا، فلم يتمالك نفسه، وسقط مغشيا عليه، وحين استقاق، وجد أصدقاءه يحيطونه ويرمقونه بنظرات كلها إشفاق وحنان. قال بصوت حزين: لقد ماتت حياة ، ماتت حياتي، ماتت أجمل وردة أهدانيها القدر، كيف أستطيع العيش بدونها!؟ثم استغرق في البكاء.

انتهى العام الدراسي، فكان يخرج إلى العرصة كل مساء، يقضي ساعات طويلة في تأمل الخطوط التي نقشت على الجذع، وتذكر الذكريات الجميلة، التي قضاها مع حبيبته، لكن المكان لم يعد له سحر ولا بريق،ثم يرسل دمعات متوالية ، ثم يعود إلى البيت، فيرتمي في الفراش، ويغرق في الأحلام، وفي إحدى الليالي، رأى نفسه في المكان المحبب إليه، يتأمل سحر الطبيعة، ويسبح في الخيال، وإذا بشبح يلوح في الأفق، من الجهة الجنوبية للمدينة. ركز أنظاره إليه.كان الشبح يقترب شيئا فشيئا، وسرعان ما توضحت معالمه، إنه شبح حياة، وهي تعدو مسرعة، والبسمة على شفتيها، فهب من مجلسه مسرعا، وأطلق ساقيه إلى الريح، كي يستمتع بلذة اللقاء! وحين التقيا، ضمها إلى صدره ضما حارا، امتد زمنا،ثم دفعها برفق، ليتملى وجهها المشرق،لكنها لم تعد حياة، بل صارت إمام المسجد، بجلبابه الأبيض الناصع ولحيته الطويلة،التي يمتزج فيها البياض بالسواد،ووجهه الذي يشع لمعانا وإجلالا. وفي شبه عتاب أبوي،أخبره الإمام قائلا:السعادة الحقيقية ليست هنا، إنها هناك، وأشار إلى الصومعة التي تناطح برأسها السماء. ثم تراجع إلى الوراء، واختفى بين الدروب،فأخذ ينادي بأعلى صوته:ياحاج إبراهيم، خذني إليه.وحين استيقظ من نومه، كان المؤذن ينادي: الصلاة خير من النوم…

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.