منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

“ميكيافيلية العض” في الدراما التاريخية التركية

مصطفى شقرون

0

 

كنا بدأنا سلسلة حول المسلسلات التي تحكي تاريخ المسلمين واعتمدنا كمثال مسلسل قيامة أرطغرل وحلقة من مسلسل السلطان عبد الحميد.. وكان الهدف من السلسلة – ولا يزال- المساهمة في التفكير لإعداد نظرة منهاجية لما يكون عليه الإنتاج السينمائي -الآن وفي غد التمكين للإسلام- حتى يصير رافدا مهما للدّعوة إلى الله..

ومع ما اكتسبه مسلسل قيامة أرطغرل من شهرة وما تميز به من جمالية في الإخراج والتصوير والكتابة لا يمكن لأحد التنقيص منها.. إلا أنّنا آخذنا على الإنتاج بعض المسائل، لاعلى سبيل النقد السلبي الهدّام، ولكن من باب الإسهام في تصحيح بعض الأمور التي يصعب على أي كاتب مفرد -أو حتى لجنة كتابة مصغرة- الإحاطة بها.. خصوصا إن كان للكاتب خلفية -سياسية وربما طرقية- قد تؤثر على موضوعية السرد التاريخي..

ونهنئ من هذا المنبر المخرج “متين كوناي” على الفنية والاحترافية.. وكذا السيد “محمد بوزداغ”  على روحانية كتابته وذكائها وطول نفسه وخاصة على سعة خياله.. أمام فترة تاريخها شبه منعدم.. والنزر القليل من هذا التاريخ رواية آحاد كتبت بعد أزيد من قرن إلى مائة وخمسين سنة من الأحداث..

بضع صفحات فقط -لا يجاوز عددها أصابع اليد الواحدة- تحتوي على بضع أسماء وبضع وقائع متضاربة..

المزيد من المشاركات
1 من 22

ولتقريب المشهد، فحتى شخصية والد أرطغرل واسمه لا حسم فيهما.. هل اسمه سليمان شاه أو غوندوز آلب..

أن تخرج 190 حلقة من خمس صفحات -تقرأ في 20 دقيقة-  (أي أكثر من 22.500 دقيقة إلى حدود الحلقة 42 من قيامة عثمان) كل حلقة منها تتجاوز مدتها ساعتين.. فهذا هو الخيال الذي لا يبقي مكانا للحقيقة التاريخية..

يستحيل بهذه المقاييس أن يكون المسلسل تاريخيا..

بحساب بسيط فإن نسبة الحقيقة في المسلسل لا تتعدى العشر بالمائة.. [ 20 د / 22500 د = %0.1 ]

لكن هذا لن يمنعنا من لفت نظر المؤلف إلى بعض المسائل حتى لا يصبح المشروع خيالا علميا صرفا.. لا هو تاريخ حقيقي ولا هو تمثيل لما يجب أن يكون عليه حكم الإسلام الحق..

عَنْ أَبِي سَعِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “لَا يَحْقِرْ أَحَدُكُمْ نَفْسَهُ” قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ يَحْقِرُ أَحَدُنَا نَفْسَهُ؟

قَالَ يَرَى أَمْرًا لِلَّهِ عَلَيْهِ فِيهِ مَقَالٌ ثُمَّ لَا يَقُولُ فِيهِ فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَقُولَ فِي كَذَا وَكَذَا؟ فَيَقُولُ: خَشْيَةُ النَّاسِ، فَيَقُولُ: فَإِيَّايَ كُنْتَ أَحَقَّ أَنْ تَخْشَى”.

وقد أرسلت إلى السيد “محمد بوزداغ” هذه المقالة..

ومما آخدنا عليه المسلسلات التركية “التاريخية” في حلقات سابقة:

– نزعة ‘التّتريك’.. ومنها تمجيد سلالة “الأوغوز” وقبيلة “الكايي” والعنصر التركي غالبا.. مع لمسة إسلامية ثانوية.. في مثل عبارات أن حكم “الأتراك” سيصل إلى كل بقاع العالم.. ثم يضاف إليها التكبير !

– “السقف” العثماني : أي أن الملك الوراثي على الطريقة العثمانية في نظر كاتب المسلسل هو قمة ما يرنو إليه المسلمون.. مع أنه ملك عاض بمعيار حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم حول الخلافة الثانية على منهاج النبوة.. وإن سماه الحاكمون وعلماؤهم “خلافة”..

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكًا عاضًا فيكون ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها، ثم تكون ملكًا جبرية فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، ثم سكت.” (خامس حديث في صحيحة الألباني)

فالشورى في اختيار الحاكم هي الأصل في الإسلام وفي أية دولة إسلامية..

– “البيعة” الرّمزية –لأحد أبناء السيّد- بتقبيل مذلّ لليد.. مع أن بيعة رسول الله -وهو عند الله من هو.. صلى الله عليه وسلم- كانت بالمصافحة فقط.. عقد متوازن.. بين طرفين.. متوازنين في الحقوق والواجبات..

ثم إن ما يزيد في الإذلال، أن بروتوكول تقبيل لليد المذل يطال حتى المعارضين.. وهذا الإلزام بالبيعة للمعارض لم يحدث حتى زمن الخلافة الراشدة.. فمن عارض حكم الصديق مثلا -رضي الله على ثاني اثنين- لم تطلب منه مبايعة طيلة مدة معارضته..

– التفريق بين “طبقة” المحاربين و”طبقة” العلماء القاعدين.. بل وتفضيل ضمني للطبقة الأولى.. وهو ما لم يكن متفرقا زمن الصحابة الذين كانوا ينفرون للجهاد -كلهم إلا من لم يجد مالا- مهما كان تخصصهم ومهما كانت حرفتهم..

وقد كان في جيشهم القراء والحفاظ والعلماء والمفسرون..

– تغييب العربية حتى من تلاوة الآيات القرآنية والتنقيص من العرب (وإن كان بعضهم مستحقا لذلك سيما زمن الدّولة العباسية الرّمزية.. وهذا ينطبق على القوميات الأخرى.. ومنها التركية الممالئة للعدو الروماني والمغولي)..

– إلصاق أحداث على شخصيات تركية لإضفاء نوع من القدسية عليها.. كفبركة رؤيا مزعومة مفتراة على رسول الله من طرف شخصية خيالية ينسب إلى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم مدح السلطان عبد الحميد.. ولا حول ولا قوة إلا بالله.. فالمسلم لا يحب أن يحمد بما لم يفعل.. فما بالك إن كان الأمر افتراء على رسول الله صلى الله عليه وسلم..

وإن الكذب في المنام كذب على الله؛ لحديث “الرؤيا جزء من النبوة”، وما كان من أجزاء النبوة فهو من قِبَل الله تعالى.

فعن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إن من أعظم الفِرَى أن يدعي الرجل إلى غير أبيه، أو يُري عينيه في المنام ما لم تَرَيا، أو يقل عليَّ ما لم أقل” (أخرجه البخاري).

– ولقد رأينا الأمر نفسه في قصص سيدنا عمر بن الخطاب وتفقده رعيته في الليل وإيصال المال والطعام بنفسه إلى فقير وأم لتطعم أبناءها.. قصص نقلت لشخصية عثمان.. وقد يكون الرجل صالحا.. لكن هذه القصص لا تدوين لها في علمنا..

– تصوير الروحانية الإسلامية بمنظار صوفي.. فترى الجذب والحال وتحريك الرؤوس يمينا ويسارا.. ونطق “هو.. هو.. هو..” مع الزفير المصاحب لإخراج الهاء والواو.. وتمايل الجسم.. وهذه صورة قد يقرنها غير المسلم  بالإسلام.. وهي شكل غريب لا يشبه شكل ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم  وصحابته ولا حالهم.. (انظر حلقة الاحتفال وتنصيب عثمان رئيسا لقبيلته – الحلقة 40)

– إطراء السيد.. ومنه غناء مدح شخص السيد وبطولاته أمامه (الحلقة 42).. بل وبطلب منه.. وإعجابه بالغناء.. موسيقى وكلمات..

– خدمة المسلسل لأغراض حزبية وبالضبط لدولة تركيا الحالية.. فتجد مثلا التركيز على تكرار المفردة “العدالة” (َAdalet).. وعلى المؤامرات الخارجية..  وإسقاطا لأحداث تاريخية وخيالية على وقائع الدّولة الحديثة..

بل ولم يسلم من الإسقاط تمثيل افتعال “وباء” في “سوغوت”.. زمن الكوفيد ١٩..

وقد يقول قائل إن من حق الدولة التركية إستعمال الإعلام لإظهار تفوق ما.. كما يفعل الأمريكان وغيرهم.. لكن هناك فرقا.. فالمرجع في الحالة الأولى الإسلام.. وصورة الإسلام..

وهذا تنبيه لنا نحن كيلا نحدو حدوهم حين ننشد خدمة الإسلام.. لا خدمة الدولة القطرية على حساب مبادئ الإسلام.. وصورة الإسلام..

وقد يقول آخر إن ذكر هذه المسائل المؤاخذ عليها في السيناريو هو من قبيل الموضوعية. ونجيب أنه لا مجال للكلام عن الموضوعية في غياب الأصل التاريخي الذي يتوخى نقله بموضوعية الى السينما.. وبما أن الأحداث في مجملها خيال يفتحر به.. فنحن نرى أن هذه رسائل يريد المؤلف إيصالها.. لا انتقادها لأنه لا يرى فيها بأسا بل ربما اعتبرها عناصر قوة (صفع الجنود للمعاقبة.. تقبيل يد الأسياد والكبار.. توريث الحكم.. الافتخار بالسيادة وإكبار نسلها.. افتعال حركات الحال في الذكر الجماعي.. الافتخار بنسل القبيلة وبتميز الجنس التركي)..

وقد استبشرنا خيرا عندما بدأت حلقات “قيامة عثمان” بقراءة البطل لمطلع سورة “الفتح” بالعربية.. لا بالتركية..

وتوقفنا عن الكتابة.. لكن النزعة القومية الضيّقة لم تختف تماما.. ولم يختف تبرير التوريث في انتقال الحكم..

ومؤاخذتنا ليس لكون القومية المعنية “تركية”.. (فنحن ندع هذه الاعتبارات -استجابة لأمر رسولنا صلى الله عليه وسلم- بأن ندعها لأنها منتنة)..  وإنما لكون الإسلام دينا عالميا لا يحق لأحد اختزاله في قطر أو شعب أو عرق..

ولقد تتبعنا بعض حلقات المسلسل بغرض الاستفادة منه والتهيئ لمجموعة أفلام دعويّة مستقبلا.. ولاحظنا بعض الأمور ننقلها ليستفيد منها من يفكر في استعمال السينما للدّعوة.. إذا ما حال الموت -أو أمر ما- بيننا وبين مشروع أفلامنا..

ومن الأمور الكبرى.. التي دفعتنا لكتابة هذه الحلقة هي :

– تحوير الأحداث التاريخية لإثبات شورية حكم ليس شوريا في نشأته ولا في طريقة انتقاله : وهي مسألة أراها محوريّة في الفيلم –بل هي محورية في إثبات عدم شوريّة انتقال الحكم في الدّولة العثمانية-

– وإن اختلاق “سيناريو الانتخاب” مع وجود تعيين من الوالد (أرطغرل) لم يرد فيه نصّ تاريخي.. وليست المسألة جانبية حتى نطلق فيها العنان للخيال.. بل الحكم مسألة مركزية في الإسلام..

أكان إخفاء التعيين تمهيدا لتبرير عدم شورية بداية الدولة العثمانية.. ؟..

ما يدفعنا لقول هذا.. أنه تدارك من الكاتب.. لأن الأب كان يريد نطق اسم الوريث الذي يود تعيينه (من دون حاجة لانتخاب) لولا أن حال الموت دون ذلك..

– ثم لنفترض أن المسألة انتخاب.. فإن الانتخاب -كما ظهر جليا في المسلسل- كان محصورا في أفراد “العائلة الملكية”.. عائلة “الأسياد” وهذا مخالف لآية “وأمرهم شورى بينهم”..

ملك هو.. لا خلافة..!

– ثم إن الانتخاب شكلي حتى في القصة.. لأن الموصي كان قد أوصى باستعمال الوصية في حالة ما أدى الانتخاب إلى اختيار أحد آخر..

ملك عاض..!

-ثم تأتي مسألة الرؤيا التي تذكر عثمان بوصية ابيه بالزواج من امرأة أخرى لضمان استمرار “النسل” الأوغوزي..عبر ضمان طفل سيد “وريث”..

وهذه ميكيافيلية بكل المقاييس :

. فالرؤيا لا اعتبار لها في اتخاذ قرار كهذا..

. ثم إن المرء لا يكره على الزواج الذي من شرطه حرية الاختيار.. سيما وأن طاعة الأب في وصية كهذه لا اعتبار لها.. تلك الطاعة العمياء التي تغلب على أحداث الفيلم في الجانب العسكري كذلك..

. ثم إن استغلال الغيب -وهو مقدس في الإسلام- واختلاقه للعب على وتر العاطفة والتصديق بالرؤيا.. لهو الميكيافيلية بعينها.. إذ إن الرؤيا قد تضفي -بالنسبة لعامة المتفرجين المبهورين-  صبغة “دوغمائية” على الحدث و”شرعية دينية” لا مجال لمناقشتها..

سيما والفيلم يفترض أنه تاريخي يحكي واقعة حقيقية لا قصة خيال قد يجوز زيادة أحلام فيها.. وسيما وأن الرؤيا المزعومة تؤسس لأمر حاسم في الدين وهو الحكم..

والأهم من كل هذا أن الوصية تأكيد على التوريث عبر النسل.. وهو ما لم يأت به الإسلام.. أبدا…

والسّلام


١. المرجع استجواب مع محمد بوزداغ : 10-5-2016 https://www.cuneytpolat.com/mehmet-bozdag-her-sey-bir-ruya-ile-basladi/

نص الكلام :

“Bir kere, bizim çektiğimiz dönemle alakalı 4 -5 sayfayı geçmeyecek şekilde çok az bilgi var. İsimler bile her kaynakta farklı.

Zaten Osmanlı Devleti’nin kuruluşuyla ilgili yazılan ilk eserler, Osmanlı kurulduktan yaklaşık 100-150 yıl sonra yazılmış. Tarihsel verilerin bir kesinliği yok”.

ترجمته :

“بادئ ذي بدء ، هناك القليل جدًا من المعلومات حول الفترة التي صورناها ، والتي لا تتجاوز 4-5 صفحات. حتى الأسماء مختلفة في كل مصدر.

ألفت أول الكتب عن تأسيس الدولة العثمانية بعد حوالي 100-150 سنة من تأسيسها. المعلومات التاريخية ليست يقينية”.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.