منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

عند طبيب المجانين (قصة قصيرة)

محمد عناني

0

عندما قال للطبيب؛ لم أعد أبتهج لرؤية الربيع كما كنت. قرر الطبيب وضعه تحت المراقبة الصحية. لكن ( المريض) رفض بأدب؛ لا.. لا لن أنتحر.. ثمة وميض متبقٍّ من الحياة..
كتب له وصفة أدوية مضادة للاِكتئاب. ورخصة مرضٍ لثلاثة أشهر.
شكره وانصرف.
أثناء عودته في الحافلة، كان يرى الربيع مدثراً بالكآبة. ولما كان يرفع بصره لزوجته، كان يرى الغرابةَ تلفها هي أيضا.. كل شيء بدا من حوله كئيبا ومسكونا بغرابة قاسية.
رهيبٌ ذلك الشعور بالخواء والفراغ.. وآذارُ في ذروة مجده.. لكن ما كان كان..
لم تبح له زهرة باسمها.. بل رأى أن كل زهرة تحن إلى أختها.. ورأى المسافرين أشباحا وظلالَ موتى.
كان وحيدا.. وسط الجميع المبتهجين بالربيع واختلاط الألوان الزاهية.
غرق في صمته الذي كان وحده يفهم لغته.. ولو في نوع من الإبهام.
تصفح وصفة الأدوية، وانكسرت على شفتيه اِبتسامة مريرة؛ كيف تقدر هذه المسكنات والمنومات أن تداوي جراحَ النفس! ولماذا لايصغي هؤلاء الأطباء إلى حديث أنفس مرضاهم! ولماذا يقول الناس عن المجنون أنه غير طبيعي، إن كانت الحضارة هي سبب جنونه! وهل يوجد في الطبيعةِ شيءٌ غيرُ طبيعي!
وكانت زوجته تتملى جمال الربيع والزهور.. وتود لو يشاركها..
تناول الدواء ونام نوما عميقا. خلت حياته من التفكير ولم يتذكر أحلامه التي كان يحرص على تفسيرها وهو يحلم مرة أخرى..
أفاق في الغد بعد الظهيرة. لم يطق ذلك الاِسترخاء الكسول. تناول مقويا واستحم. خرج من المنزل في نوع من الغبطة، لا بسبب الأدوية.. ولكن بسبب روح الشعر التي تسكنه. وهذا ما جعله يتعلق بالحياة حتى في الكآبة والتعب والسأم من كينونته ومن الإنسانية.. وتاق توقا كبيرا كي يتحرر من وحدته.. ومن الأدوية.. ومن تفسير أحلامه.. وقال في سكون نفسه؛ لقد عشت ورأيت، لذا لن أفسرَ حلما بعد اليوم.. فكل أحلامي هي حلم واحد.. لذا سأدع الليالي تدفن الليالي.
التقى بالصدفة مع شابين وكهل يمرحون.. جلس وراح يستمتع بحديثهم.. ونكاتهم..
وقفت سيارة، قالوا له هيا معنا. لم يكن يحمل بطاقته الوطنية.. وكان يرتدي ملابس منزلية وينتعل ( صندلا).. لكنه ركب معهم وغمرته فرحة هستيرية.. والسيارة تشق الطرقات.. والألحان تصدح.. الصخب.. القهقهات.. اِحتفال هائل ببهجة الحياة.. كانوا يطلبون منه أن يسمعهم شعرا.. فظل يردد عبارة واحدة؛ يولد السادةُ سادةً والعبيدُ عبيداً..
وجاء الليل والضباب والندى والقمر..
عند الفجر كان يصعد معهم جبلاً والثلج يتساقط في أرض الولي الصالح مولاي بوعزة..
قال له الطبيب؛ لقد تحسنت حالتك. وافقك الدواء إذن؟
لا يا سيدي الطبيب..
ماذا إذن !
زرت مولاي بوعزة.. وأفرجت الوزارة عن منحة ترقية اعتقلتها ستةَ أعوام..
إذن شفيت؟
لنقل يا سيدي خفت حدة الاِكتئاب، أما كدَرُ الروح، فيتجاور مع بهجتها.. هذا قدري.. وداعا سيدي الطبيب،لقد أدركت السر؛ أنا لست ترابيا صرفا..

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.