منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

تاريخ وأعلام المذهب المالكي في العصر الوسيط (نماذج من الأدارسة والمرابطين والموحدين والمرينيين)

الدكتور عبد اللطيف بن رحو

0
الفهرس إخفاء

تاريخ وأعلام

المذهب المالكي في العصر الوسيط

(نماذج من الأدارسة والمرابطين والموحدين والمرينيين)

بقلم:الدكتور عبد اللطيف بن رحو

 

  ملخص البحث

عرف المذهب المالكي انتشارا واسعا في كل أقطار العالم الإسلامي، وذلك لتميزه، ونظرا للشغف الذي لقيه من قبل جمع كبير من العلماء. ومما لا شك فيه أن المذهب المالكي وصل صداه إلى بلاد الأندلس والمغرب الأقصى قديما إبان حكم الأمويين للأندلس، والأدارسة للمغرب الأقصى.

وقد تطور المذهب على يد تلاميذ الإمام مالك، وبعد ذلك بدأ الانتشار في الكثير من المناطق بدليلِ قول المنصور “أنت والله أعلم النّاس وأعقلهم، لئنْ بقيت لأكتبن قولك كما تكتب المصاحف، ولأبعثن به إلى الآفاق فأحملهم عليه.”

فكان علماء المغرب في تلك الفترة أولى الناس بأخذ مذهب مالك على أصوله وقواعده، بل كانت تشد إليه الرحال حيث موطن ومهد المذهب لأخذ الفتاوى والعلم من الإمام مالك رضي الله عنه.

فأحببت أولا في هذه الدراسة بيان جوانب من تاريخ بعض الدول المتعاقبة عل حكم المغرب من أدارسة ومرابطين وموحدين ومرينيين. ثانيا تعريف أهم العلماء الذين برزوا خلال تلك الحقب، الذين أخذوا بالمذهب المالكي دراسة وتأليفا.

ورغم كل الصعوبات التي واجهت المذهب المالكي في كل عصر من العصور المذكورة إلا أنه لقي ترحيبا واسعا سواء من السلطة أم العلماء أم الرعية باستثناء العصر الموحدي لذي عرف فيه المذهب المالكي اضطرابا كبيرا.

الكلمات المفتاحية: المذهب المالكي -العلماء -بلاد المغرب -السلطة المتعاقبة على حكم المغرب.

 مقدمة

يعتبر المذهب المالكي من المذاهب التي عرفت بالوسطية والاعتدال، مما جعله يكتسي محبة وانتشارا واسعا بين الأمصار والبلدان، ويستحوذ بذلك على الساحة الفقهية خصوصا في المغرب الأقصى والأندلس، فساعد ذلك على إثراء العلاقة بين الفقهاء والمذهب المالكي.

كما عرف المذهب المالكي بمميزات خاصة تعلق بها المغاربة في كل العصور، وظلوا أوفياء له رغم اختلاف الدول المتعاقبة على حكم المغرب الأقصى والأندلس. وقد ذكر في المصنفات التاريخية أن المغاربة قبل دخول المذهب المالكي كانوا يدينون بمذاهب متنوعة كالمذهب الأوزاعي والمذهب الحنفي والمذهب الزيدي الشيعي…

لكن بعد استقرار الحكم الإدريسي بالمغرب الأقصى، أرسى الأمير إدريس الأول المذهب المالكي مذهب رسميا للمملكة، وشجع الفقهاء على الانكباب لدراسته وإصدار الفتاوى من خلاله، وبالفعل ظهر العديد من الفقهاء الذين برزوا في التدريس والتأليف.

إلى أن سقطت دولة الأدارسة وظهرت الدولة الجديدة ألا وهي دولة المرابطين التي اغتنى فيها المذهب المالكي خلال حقبتهم التاريخية، لأنهم وجدوا أرضيته معبدة سهلة وذلك من خلال التراث الذي ورثوه عن الأدارسة، فجالوا بجوادهم في رحاب المذهب وتميز في هذه الحقبة العديد من الفقهاء الذين برعوا في الدراسة والتأليف.

غير أن المذهب المالكي اصطدم في العهد الموحدي بالرفض وعدم القبول بعد أن تم فرض المذهب الظاهري بالقوة من طرف بعض سلاطين الدولة الموحدية، الذين حاربوه وأيقظوا نار الفتنة بإحراق الكثير من المصنفات التي صنفت على مذهب مالك، ونجد في مقدمتها كتاب المدونة التي أحرقت على أنظار الناس وتوعد المخزن كل من يتعاطى دراستها بالعقاب الشديد، لأن الكثير منهم كان يحفظها عن ظهر قلب. ومع هذا الخضم ظهر الكثير من الفقهاء خصوصا في العهد الأول للدولة الموحدية رغم الحصار والتحذير من المخزن.

وقد قمت بالترجمة لبعض أعلام هذه الفترة الذين انصب اجتهادهم حول المذهب المالكي، وكانوا مناصرين له رغم العتاب واللوم.

فالسحابة القاتمة انفرجت إبان سقوط الدولة الموحدية، ولما استقر الحكم المريني أعاد للمغاربة المذهب المالكي، ووطدت الدولة دعائمه مما أدى إلى انتشاره في ربوع المملكة، وبرز في هذا العهد فقهاء اهتموا به وأحدثوا المصنفات المتنوعة والدراسات والاختصارات.

ويمكن القول إن المذهب المالكي عرف تغيرات واضحة عبر تاريخ المغرب خصوصا حين تقلب على حكم المغرب العديد من الدول والسلاطين، وأيضا تنوع العلماء الذين شكلوا الوعاء والقاعدة الأساسية للمذهب.

فمن خلال هذه الدراسة التي ستعنى بترجمة بعض الفقهاء على اختلاف حقبهم التاريخية، وما تيسر لنا من جمع المعارف عن كل شخصية التي عايشت حقبة تاريخية معينة، سيتسنى للقارئ معرفة البيئة التي عاش فيه الفقيه المالكي، والدور الذي قام به في إغناء التراث الفقهي المالكي سواء بتدريسه أم التأليف في مجاله.

المبحث الأول: علماء المالكية في عهد الأدارسة

كان من الطبيعي أن ينتشر المذهب المالكي في الحجاز بداية أمره، لأنه من الحجاز نبع، وفيه تفرع، ومنه انطلق يحمله تلامذة الإمام مالك رحمه الله الوافدين عليه من مختلف أطراف العالم شرقا وغربا. فالمدينة المنورة كانت قاعدة الانطلاق لهذا المذهب، ثم انتشر بعد ذلك في جهات مختلفة من الحجاز ثم إلى مصر ثم إلى اليمن ثم إلى العراق وتونس والمغرب والأندلس.[1]

أما الحديث عن دخول المذهب المالكي إلى المغرب الأقصى، فيشير الدكتور عمر الجيدي إلى أن المذاهب التي كانت سائدة في المغرب الأقصى هما: المذهب الأوزاعي والحنفي وكانا أسبق المذاهب دخولا إلى افريقية والأندلس، وظل المذهبان معمولا بهما في بلاد المغرب مدة من الزمان، إلى أن بدأ طلاب هذه البلدان يرحلون نحو المشرق، بقصد أخذ العلم وطلب الرواية عن فقهائه وعلمائه، وبما أن رحلتهم في بدايتها كانت- كما يؤكد ابن خلدون- مقصورة على الحجاز، وإمامها يومئذ هو الإمام مالك، كان من الطبيعي أن يتأثروا بهذا المذهب وصاحبه، وهذا ما حصل فعلا.[2]

وظل الأمر على هذا الحال إلى أن قامت دولة الأدارسة، فاتجهوا إلى المذهب المالكي وذلك بأمر من المولى إدريس الذي دعا الناس للأخذ به، واتباع منهجه، بعد أن جعله مذهبا رسميا للدولة، وأصدر أمره لولاته وقضاته بذلك.[3]

واستمر انتشار المذهب على عهدهم، وزاد الاهتمام بالموطأ والعناية به طول عهد الأدارسة، ومن المؤكد أنه استقطب اهتمام المغاربة واعتنوا به منذ الفتح الإدريسي.[4]

 المطلب الأول: الفقيه أبو هارون العمري البصري

من أبرز فقهاء العصر الإدريسي كما ذكر ذلك القاضي عياض في كتابه، وممن له علم ودراية بالمذهب

المالكي الفقيه عمران بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن عمر بن عبد الله بن علي بن سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب. وهو من البصرة، (بصرة المغرب)، قال بعضهم: عن سلمة بن فضل بن سلمة: طرأ علينا من بجانة وهو من أهل بصرة المغرب، فسمع أبي منه كتاب ابن المواز ثم رجع إلى بلده.

وقيل عنه: أنه هو أول من أدخل كتاب محمد ابن المواز الأندلس وسمع من فضل هو أيضا، وسمع منه فضل كتاب ابن المواز.[5]

وكان أبو هارون فقيها، عاش ببجانة يطلب عند الفضل بن سلمة، وأخذ عنه فضل كتاب محمد إجازة عن ابن ميسرة، واختصر فضل بعض الكتاب وكانت وفاته رحمه الله بالبصرة (المغرب) سنة313ه. [6]

المطلب الثاني: الفقيه أبو ميمونة دراس بن إسماعيل الجراوي الفاسي

المشهور بالمحدث كان فقيها حافظا للرأي له رحلة للمشرق فسمع من علي بن أبي مطر بالإسكندرية كتاب ابن المواز وأخذ بالقيروان عن أبي بكر بن اللباد وقرأ عليه أبو الحسن القابسي وابن أبي زيد وغيرهما وتكرر دخوله للأندلس مجاهدا وسمع منه فيها غير واحد وهو الذي أدخل مذهب مالك إلى فاس بل المغرب الأقصى وكانوا قبله على مذهب الحنفية. قال أبو بكر المالكي: كان من الحفاظ المعدودين والأئمة المبرزين من أهل الفضل والدين وفي المدارك لما طرا القيروان اطلع الناس من حفظه على أمر عظيم حتى كان يقال ليس في وقته أحفظ منه.[7]

وهو أول من أدخل مدونة سحنون مدينة فاس وبها اشتهر مذهب مالك. توفي سنة (357ه

/967م).[8]

قال القاضي عياض: “وأراه رحل إلى بلدنا فقد حدث عنه أقوام من كبارهم. كأبي عبد الله محمد بن علي بن الشيخ، وأخيه حسن بن علي، وعمر بن ميمونة بن بكر القيسي، وحمود بن غالب الهمداني وغيرهم.”[9]

المطلب الثالث: الفقيه القاضي عامر سعيد القيسي

كان رجلا صالحا ورعا فقيها سمع من مالك وسفيان الثوري، وروي عنهما كثيرا، قدم من المشرق إلى الأندلس مجاهدا ثم وفد على إدريس الثاني، في جملة الوافدين عليه من الأندلس.[10]

فهو من العرب الوافدين على المغرب حين استقام الأمر للأمير إدريس بن إدريس قادما من الأندلس، يذكر المؤرخ الناصري صاحب الاستقصا مؤكدا ما روي عنه في التراجم أنه سمع من الإمام مالك وسفيان الثوري وروى عنهما كثيرا فالمصادر التاريخية أو كتب التراجم لم تعط الكثير عن هذه الشخصية سوى بعض البوارق والسطور التي لا تشفي الصدور.[11]

سكن العدوة مع أهل الأندلس وعينه الأمير إدريس الثاني قاضيا لورعه وعلمه، وكان أول تنظيم عرف للمخزن في تاريخ المغرب الأقصى.[12]

 المطلب الرابع: الفقيه جبر الله بن القاسم الأندلسي

الفقيه الصالح الورع نزيل عدوة الأندلس لم تذكر التراجم تاريخ ولادته ولا حتى وفاته ولم يتوسعوا في ذكر اخباره ترجم له القاضي عياض وأحمد بن القاضي المكناسي ترجمة مقتضبة ولم يذكر شيئا عن وقت رحلته إلى المشرق، ولا تاريخ عودته إلى فاس ومن المعلوم لنا أن شيخه أصبغ بن الفرج المصري قد توفي في مصر سنة:225ه فتكون رحلة جبر الله إلى المشرق قبل هذا التاريخ بمدة لا ندري كم هي؟[13]

وجاء في جدوة الاقتباس أنه هو من أدخل علم مالك إلى فاس، ويعد من مشاهير فقهائها ومتقدميهم

لقي أصبغ بن الفرج وسمع منه، وسمع منه عيسى بن سعادة الفاسي. حكي عنه أن رجلا رأى في المنام كأن قائلا يقول له: إن شئت أن ترى نظير معاذ بن جبل فصل في الجانب الغربي من جامع الأندلس فالرجل الذي يدخل وعليه برنس، وصفته كذا وكذا هو ذاك، ففعل الرجل ذلك، فإذا بجبر الله بن القاسم على الصفة المذكورة، وهو من لحق دراس بن إسماعيل، ويروى أن دراس لما قدم بكتاب محمد بن المواز قال له جبر الله: ما الذي جئت به؟ فأخبره بالكتاب المذكور، فقال له: أذكر منه فجعل دراس يذكر المسائل وجعل جبر الله يجيبه بما حفظ، وما لم يحفظ قاسه على أصول مذهب مالك، فما خالف كتاب ابن المواز إلا في مسألة الثور الذي يشترى في أوان الدراس.[14]

ويتضح من خلال هذه القصة أن جبر الله كان له قدم راسخ في المذهب، وتمكن من أصوله وفروعه، يشبه في ذلك شيخه أصبغ الذي قال عنه أبو بكر بن اللباد القيرواني: «ما انفتح لي طريق الفقه إلا من أصول أصبغ. وكان لأصبغ تأليف في الأصول عشرة أجزاء بالإضافة إلى غيره من المؤلفات»[15]

ورغم ندرة أخبار الفقيه جبر الله التي جعلت المترجمين لحياته يضعون ترجمة موجزة مقتضبة، كما اضطرب في تعيين طبقته، وقد يرجع ذلك لقلة عناية العلماء في تلك الفترة بالتأليف في تراجم أعلامهم، ولعل أبرز حوافز صاحب المدارك وجدوة الاقتباس هو هذا الإهمال الذي ظهر أثره جليا في كتابيهما، حيث

يسهبان في تراجم علماء الأندلس والقيروان، ويوجزان ويقتضبان في تراجم بلده لعوز في الأصول التي يعتمد عليهما.[16]

فبالرغم من علو سند الفقيه جبر الله في رواية المذهب، ورسوخ قدمه في فروع هذا المذهب وأصوله، فإن شهرته كانت محدودة، وربما لازم بلده طويلا فوقع له ما يقع لكثير من العلماء عندما يلازمون بلدا واحدا من ذهاب علمهم، لجهل أهل ذلك البلد بقيمة ذلك العلم، أو لتقصير تلامذتهم في بث علم شيوخهم وتبليغه من بعدهم من الأجيال.[17]

المطلب الخامس: الفقيه عيسى بن سعادة أبو موسى الفاسي

من فقهاء مدينة فاس ومشاهير المغرب، أخذ بمدينة فاس عن جبر الله بن القاسم، وطلب بالقيروان ومصر والأندلس، وكان صاحب علي القابسي، سمع من أبي الحسن بن الإمام والدباغ، والأبياني، وصحب الأصيلي أيضا، وحمزة بن محمد وغيرهم، وأخذ بالأندلس عن ابن الخراز.[18]

قال المالكي: ورحل سنة 353ه، فسمع من حمزة وغيره وحفظ الحديث وفاق فيه غيره، وكان في الحفظ عجبا، أبله في أمر دنياه.

تفي بمصر سنة 355ه وتنازع الفقهاء والمحدثون، كلهم يدعيه ويقول إنه أحق بالصلاة عليه. ورأيت في تعاليق أبي عمران أن أبا محمد بن أبي زيد حمل عنه عن ابن الجزار، عن ابن لبابة مسألة كراهة استنشاق الصائم للبخور الذي ذكره في مختصره.[19]

نستخلص مما سبق ذكره نتائج أهمها: أن المغرب الأقصى عرف المذهب المالكي منذ أوائل العهد الإدريسي، وعليه فإن المزاعم التي يدعيها بعض الباحثين من كون المغرب الأقصى لم يعرف المذهب إلا متأخرا في أواسط القرن الرابع الهجري باطلة لا أساس لها. كما أن الحواضر الشمالية الخاضعة لنفوذ الأدارسة، والتي أسعفتني المصادر بنتف من أخبارها، كانت مالكية، وأن إماتا بني صالح وبني سليمان لم تعرف غير المذهب المالكي، وفي أغمات بالسوس الأقصى وسجلماسة ثبت وجود المذهب المالكي

قديما مع كونه كان مزاحما من مذاهب أخرى، وأن الأدارسة احتضنوا المذهب المالكي وأفسحوا له، باحتضانهم للوافدين من القرويين والأندلسيين، الذين كان لهم دور حاسم في نشره وتوطيده في فاس وربوع المغرب الأقصى. وأن صنيع القاضي عياض رحمه الله في “ترتيب المدارك” بإفراد المغرب بفرع مستقل مع الفقيه دراس بن إسماعيل، القصد منه جعل محطة ينطلق منها التاريخ للدرس الفقهي المالكي حيث يتبين أن كلام عياض نفسه يفيد وجود المذهب المالكي بالمغرب قبل دراس.[20]

المبحث الثاني: علماء المالكية في عهد المرابطين

كانت الدولة المرابطية ومنذ تأسيسها ذات طابع ديني سياسي اتخذت من حركة التغيير الفكري أساسا لانطلاقها في حركة ثورية إصلاحية على الواقع الذي ضمن بيئة حاضنة لأفكارهما، ولهذا الأمر كان التيار الديني في دعوة المرابطين كانوا يقبلون على التعليم الديني في محاولة لخلق أرضية قوية ينطلق منها الدعاة لنشر المذهب المالكي وتدعيمه.

لقد قام الفقهاء المالكية في العهد المرابطي بحركة إصلاحية كبرى لأن المذهب امتزج بين القبائل واتسع نطاقه، لينتج عنه توحيد المغرب الأقصى والأندلس والصحراء الكبرى على مذهب واحد، وبالتالي تكون الحركة المرابطية استخدمت المذهب لمواجهة الحركات الدينية التي انتشرت في بلاد المغرب.

فالفقهاء المالكية تمتعوا بصلاحيات واسعة شملت كل مجالات الحياة اليومية، حتى أن رأيهم كان يِؤخذ في كل صغيرة وكبيرة من شؤون الدولة وتفاصيلها، وما حادث إحراق كتاب الفيلسوف أبي حامد الغزالي(ت505ه) إحياء علوم الدين في عهد علي بن يوسف بن تاشفين سنة:503ه/1109م إلا دليل ومثال على قوة ونفوذ الفقهاء ورجال الدين بشكل عام في مؤسسة الحكم، فهذا تم بدعم الفقهاء وتحريضهم، وجعلوا حيازة هذا الكتاب جريمة وخروجا عن الدين والمجتمع، وهذا موضوع آخر.[21]

ويتضح الأمر عند صاحب النبوغ المغربي الذي يشير هو الآخر إلى قضية تقريب الدولة للفقهاء، واختصاصها لهم حينما قربت أهل العلم واختصتهم بالرعاية من دون الزعماء وأهل العصبيات القبلية كما كان الشأن في الدول التي قبلها بل والتي بعدها.[22]

ويمكن القول فإن علم الفقه المالكي الذي سجلنا توطده في العصر الإدريسي قد واصل تقدمه في العصر المرابطي، وعقدت المجالس الحافلة في كل من سبتة وفاس ومراكش للمناظرة عليه، وامتزجت دراسة الفقه بعلم الأصول.[23]

ونفس الصورة يضعنا فيها الدكتور إبراهيم حركات، حينما ذكر أن المرابطين شجعوا فقهاء المذهب المالكي واعتنوا بهم اعتناء خاصا، وقربوهم إلى مراكز القرار والسلطة. يقول في هذا الباب: “انصرف المرابطون في معظم أيام دولتهم إلى تشجيع الفقهاء حملة لواء المذهب المالكي. وكانت طبيعتهم الصحراوية وعقيدتهم الدينية تبعدهم عن التشبث برجال الأدب والفلسفة، لذلك كان عصر المرابطين عصر فقهاء أكثر منه عصر أدباء وفلاسفة.”[24]

وعلى كل حال فالعهد المرابطي عرف نشأة طبقة من المختصين في فروع المذهب المالكي، نالت مكانة عليا في الدولة.[25]

ويشير الدكتور عمر الجيدي إلى قضية تموقع المذهب المالكي في العهد المرابطي في سائر بلاد المغرب الأقصى بعد أن قضى على باقي الطوائف والنحل التي كانت منتشرة، يقول: “حتى إذا أقبلت الدولة المرابطية، رأينا المغاربة يتحولون كلية إلى هذا المذهب يدينون به، ويحكمونه في سائر مرافق الدولة، ويعم المغرب من أقصاه إلى أقصاه، بعد أن قضى على تلك الطوائف والنحل التي بقيت منعزلة هنا وهناك.[26]

ظهر في العصر المرابطي جمهرة كبيرة من الفقهاء، بلغ بعضهم في ميدانه أرفع مكانة. وكان في مقدمة هؤلاء اثنان لمع أحدهما في شرق الأندلس ولمع الثاني في غرب الاندلس، وكان لهما أثر في ازدهار علوم السنة والفقه.[27]

المطلب الأول: الفقيه محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن العربي المعارفي

من أهل إشبيلية يكنى أبا بكر، العالم الحافظ المستبحر، ختام علماء الأندلس، رحل إلى المشرق مع أبيه ولقي أبا بكر بن الوليد الطرطوشي وتفقه عنده، وسمع من بغداد من الصيرفي وأبو بكر طرخان، وفي الحجاز من مكة سمع من أبي علي الحسين بن علي الطبري وغيره.

تميز بالتفنن بالعلوم والاستبصار فيها، والجمع لها، متقدما في المعارف كلها، يعد من أعظم فقهاء العصر المرابطي ولد سنة 468ه بإشبيلية واستقضي بها، فنفع الله به أهله لصرامته وشدته ونفوذ أحكامه. وكانت له في الظالمين سورة مرهوبة. ثم صرف عن القضاء وأقبل على نشر العلم وبثه.[28]

كتب عدة مؤلفات منها: “كتاب ترتيب الرحلة” وكتاب “العواصم والقواصم” وكتاب ” أنوار الفجر” وكتاب ” القبس في شرح موطأ مالك” وبلغت مؤلفاته نحو الأربعين كتابا والذي يعنينا في هذا المقام اهتمامه بالمذهب المالكي.

ولما اضطربت أمور الدولة المرابطية بالأندلس وغلب الموحدون على إشبيلية عبر القاضي ابن العربي البحر إلى المغرب، على رأس وفد كبير من علماء إشبيلية، ولقي الخليفة عبد المومن بمراكش في أوائل سنة 592ه، وذلك عقب افتتاحها، وقدم إليه بيعة أهل إشبيلية، ولما غادر الوفد مراكش عائدا إلى الأندلس، توفي القاضي ابن العربي خلال الطريق ودفن بفاس سنة 543ه/1147م.[29]

المطلب الثاني: الفقيه أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد (الجد)

عالم وفقيه وقاض بقرطبة، وصاحب الصلاة بالمسجد الجامع يكنى أبا الوليد، كان فقيها عالما حافظا للفقه مقدما فيه على جميع أهل عصره، عارفا بالفتوى على مذهب مالك وأصحابه، بصيرا بأقوالهم واتفاقهم، واختلافهم، نافذا في علم الفرائض والأصول، من أهل الرياسة في العلم والبراعة، والفهم والدين، والفضل والوقار والحلم.

تقلد القضاء بقرطبة، وسار فيه أحسن سيرة، وأقوم طريقة، ثم استعفى عنه فأعفى. وكان الناس يلجؤون إليه، ويعولون في مهامهم عليه وكان حسن الخلق، سهل اللقاء، كثير النفع لخاصته، وأصحابه، جميل العشرة لهم. قال ابن بشكوال: كان يصوم كل يوم جمعة دائما في الحضر والسفر.[30]

وكان ابن رشد بجلال بيته، ورفيع خلاله، ورياسته العلمية، من الرؤساء ذوي المكانة والنفوذ، لدى البلاط المرابطي، فلقد أقنع أمير المسلمين علي بن يوسف بتغريب النصارى المعاهدين.[31]

برع بالأخص في الفقه المالكي، وألف فيه عدة مصنفات جليلة منها: كتاب “البيان والتحصيل لما في المستخرجة من التوجيه والتعليل” وكتاب “المقدمات الممهدات لأوائل كتاب المدونة” واختصار كتاب “المبسوطة” واختصار “مشتمل الآثار لأبي جعفر الطحاوي.”[32]

توفي عفى الله عنه ليلة الأحد، ودفن عشي يوم الأحد 11 ذي القعدة 520ه، ودفن بمقبرة العباس، وصلى عليه ابنه أبو القاسم، وشهده جمع عظيم من الناس، وكان الثناء عليه حسنا جميلا.[33]

 المطلب الثالث: الفقيه عبد المنعم بن مروان بن عبد الملك بن سمجون اللوتي

من أهل طنجة، يكنى أبا محمد، نشأ بغرناطة وتفقه فيها على أبي محمد عبد الواحد بن عيسى الهمداني، وسمع الحديث من أبي علي الغساني وكان فقيها جليلا جزلا مهيبا ولي قضاء إشبيلية بعد صرف أبي مروان الباجي عن ولايته الثانية لذلك، ثم نقل إلى قضاء غرناطة في مدة إمارة علي بن يوسف بن تاشفين ونقل منه إلى قضاء ألمرية بعد أبي الحسن بن أضحى سنة 517ه فاشتد على أهل الشر وعدل في الأحكام وزهد في الكسب، وأعيد إلى قضاء إشبيلية بعد أبي القاسم بن ورد إلى قضاء غرناطة، واستعفى من ذلك وألح فلم يعفه السلطان فاستناب على الأحكام محمد بن سعيد، وصار إلى ألمرية فتوفي بها سنة 524ه ودفن عن وصاته برباط عموش على فرسخ من ألمرية بساحل البحر.[34]

كما ذكره الدكتور إبراهيم حركات في كتابه وقال عنه: “عبد المنعم بن مروان كان قاضيا بغرناطة وكان عادلا لا تأخذه في الله لومة لائم.”[35]

فلم يثبت عنه في كتب التراجم أنه ترك مؤلفات في الفقه المالكي، إلا اهتمامه بالمذهب المالكي وتنزيل أحكامه في مهنته التي تولاها في القضاء.

المطلب الرابع: الفقيه إبراهيم بن جعفر بن أحمد اللواتي

يعرف بابن الفاسي من أهل سبتة، يكنى أبا إسحاق، كان من أهل العلم والفضل والزهد والتقشف، قرأ على أبي محمد بن سهل المقرئ، وسمع مروان بن مسجون وصحب القاضي أبا الأصبغ بن سهل، وكتب له مدة قضائه بالأندلس، وبالعدوة. كان مقدما في علم الشروط والأحكام، مشاركا في علم الأصول والأدب.[36]

وجاء في ترجمته عند صاحب النبوغ المغربي، أنه كان بصيرا بالشروط والوثائق، بل لم يكن في عصره من هو أقوم عليها منه، عارفا بالأحكام متفننا في معارف شتى. شاوره القضاة بالمغرب والأندلس،

ودرس الفقه زمنا. وأخذ عنه من الأكابر القاضي عياض وأمثاله. وكان عاقلا مهيبا كثير الوقار لا

يتكلم أحد في مجلسه إلا بمسألة علم أو كلام فيه نفع. وألف مختصر ابن أبي زمنين في مذهب مالك فنحا فيه أحسن منحا، كانت وفاته يوم 8 جمادى الأول عام 513ه.[37]

المطلب الخامس: القاضي عياض بن موسى بن عياض اليحصبي

من أهل سبتة يكنى أبا الفضل، قدم الأندلس طالبا للعلم فأخذ بقرطبة عن القاضي أبي عبد الله محمد بن علي بن حمدين، وأبي الحسين سراج بن عبد الملك بن سراج وعن أبي محمد بن عتاب وغيرهم. وأخذ بالمشرق عن القاضي الصدفي وعني بلقاء الشيوخ والأخذ عنهم، استقضي ببلده مدة طويلة، حمدت سيرته فيها، ثم نقل عنها إلى قضاء غرناطة، فلم يطل أمده بها واستقدم إلى قرطبة.[38]

تتلمذ على يد كبار الفقهاء في عصره خصوصا فقه المذهب المالكي ومنهم على سبيل المثال لا الحصر ابن رشد (الجد) وأبو بكر بن العربي والمازري. بعد عودته من الأندلس أجلسه أهل سبتة للمناظرة عليه في المدونة وهو ابن ثلاثين سنة أو ينيف عليها. قال ابن الخطيب: “وبنى الزيادة الغربية في الجامع الأعظم وبنى في جبل المينا الراتبة الشهيرة.”

لما ظهر أمر الموحدين بادر إلى الدخول في طاعتهم، ثم انحرف عنهم لما اضطربت أحوالهم بثورة ابن هود.[39]

وقد خص صاحب الإستقصا المؤرخ السلاوي هذه القضية بفصل عنونه ب: انتفاضة أهل سبتة على الموحدين وخبر القاضي عياض رحمه الله. فحسب ما ذكره الناصري أن القاضي عياض كان يرى أنه لا حق للموحدين في السلطة والإمامة.[40]

فهذه المعارضة جعلت الموحدين ينقلونه إلى مراكش منفيا، حتى وافته المنية بها رحمة الله عليه سنة 544ه

وللقاضي عياض تصانيف بديعة خصوصا فيما يتعلق بالمذهب المالكي، أذكر منها كتاب التنبيهات المستنبطة على كتب المدونة، جمع فيه غرائب من ضبط الألفاظ وتحديد المسائل. وكتاب ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك.[41]

المبحث الثالث: علماء المالكية في العهد الموحدي

هذه المرحلة التاريخية تتسم بالازدواجية نتيجة تضارب المصادر التاريخية حول مسألة المذهب المالكي الذي كان سائدا في المغرب الأقصى والأندلس. فالمذهب المالكي واصل تفرعه وانتشاره منذ العهد الإدريسي وازداد تألقا في الحقبة المرابطية والعهد الأول من الحكم الموحدي.

وهذا ما أشار إليه الدكتور عبد الله كنون يقول: “فهذا علم الفقه على مذهب مالك قد واصل تفرعه وانتشاره كما كان قبل أو أكثر. ونتيجة للتفاعل مع الدعوة الجديدة فقد مال أهله إلى الترجيح والتأويل ونبذوا التعصب لأئمتهم ومشايخهم، وجعلوا البحث والنظر رائدهم في معرفة الحقائق وتقرير الأحكام، فرجعوا بذلك إلى أصوله ومصادره الأولى من الكتاب والسنة وما إليهما، حيث وجدوا من الدولة العتيدة ميلا إليها وتعضيدا لأهلها. لكن من غير أن تحملهم على ذلك حملا وتلزمهم به قسرا، حتى اشتط يعقوب المنصور ثالث خلفاء الموحدين وتصلب في تنفيذ خطة ابن تومرت ومحاربة علم الفروع قصد الإجهاز عليه، فأحرقت كتب المذهب وعوضها بالصحاح العشرة والمنتخب الذي اختاره منها.[42]

ومن هنا فقد استجاب الموحدون وتعاطفوا مع المذهب الظاهري الذي كان يحرص وبشدة على الاعتماد على القرآن والحديث الثابت في تفسير الأحكام، وذلك الذي يتطابق مع عقيدتهم التي كانت ترى ضرورة الالتزام بهذين المصدرين والكف عن الأخذ بالرأي والتقليد، بمعنى آخر إبطال العمل بعلم الفروع.[43]

فبهذه المنظومة حاول الموحدون القضاء على مذهب مالك، بإحراق كتبه عكس ما فعله المرابطون

قبلهم إذ أحرقوا كتاب الإحياء وشجعوا كتب الفروع فقط، وهي نفس الكتب التي صادرها الموحدون وأحرقوها وكان ضمنها الواضحة لابن حبيب، ومدونة سحنون والتهذيب للبراذعي.

وقيل إن المنصور قد وضع بنفسه أحاديث منتخبة تتصل بالمذهب الظاهري كما سبقت الإشارة إلى ذلك.[44]

وهذا ما يؤكده صاحب كتاب المعجب عبد الواحد المراكشي حينما يشير إلى هذه الواقعة فيقول: “وفي أيامه انقطع علم الفروع، وخافه الفقهاء، وأمر بإحراق كتب المذهب بعد أن جرد ما فيها من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم والقرآن، ففعل ذلك، فأحرق منها جملة في سائر البلاد، كمدونة سحنون وكتاب ابن يونس، ونوادر أبي زيد ومختصره، وكتاب التهذيب للبراذعي، وواضحة ابن حبيب، وما جانس هذه الكتب ونحا نحوها. لقد شهدت منها وأنا يومئذ بمدينة فاس، يؤتى منها بالأحمال فتوضع ويطلق فيها النار. وتقدم للناس في ترك الاشتغال بعلم الرأي والخوض في شيء منه، وتوعد على ذلك بالعقوبة الشديدة.[45]

ومن جانب آخر يرى بعض الدارسين أن هذه المستندات غير مؤهلة للحكم على الموحدين بأنهم كانوا على المذهب الظاهري. فالالتقاء مع الظاهرية في نبذ التقليد و الرجوع إلى النصوص ليس بكاف للحكم بانتحال الظاهرية، لأن هذا المذهب يتقوم بأسس أخرى غير هذا الأساس، أهمها اعتماد الظاهر من النص، وهو أساس لا يكون ظاهريا من لم يعتقده، ولم نجد عند الموحدين ما يشير إلى أنهم أخذوا به، وإبداء الاحترام لابن حزم ليس بكاف للحكم بأنهم على مذهبه، فكثيرا ما يقع الإعجاب بإمام من أئمة المخالفين، و معاداة كتب الفروع المالكية و تحريقها و إن كان عملا شنيعا، فإنه لا يدل على معاداة المذهب المالكي ولكنه يدل فقط على مناهضة المنهج الفروعي الذي جرت عليه تلك الكتب، واتخذه أصحابها مسلكا في التقرير الفقهي.[46]

فموقف الموحدين من مذهب مالك على الأسس التي وضعها لم يكن موقفا معاديا، بل على العكس من ذلك كان متبنيا لهذا المذهب، وهو ما يبدو جليا في أخذ المهدي بأصل خاص من أصول مالك، وهو عمل أهل المدينة. كما أنهم اعتمدوا موطأ مالك أصلا من أصولهم وأبدوا العناية المستمرة به، والدرس الدائب له.[47]

وبقدر ما كان هذا الاختلاف بين الدارسين لتاريخ المذهب المالكي في المغرب عهد الموحدين بقدر ما نجد فقهاء عصرهم من المغاربة مناصرين لمذهب مالك، وللتدليل على هذا نثبت فيما يأتي جملة مهمة من العلماء الذين كانوا يعتنقون المذهب المالكي خلال حكم الموحدين.

المطلب الأول: الفقيه علي بن سعيد أبو الحسن الرجراجي

الشيخ الامام الحافظ الفقيه الفروعي الحاج الفاضل، كان ماهرا في العربية والأصلين، لقي بالمشرق جماعة من أهل العلم منهم الفرموسي الجزولي لقيه على ظهر البحر وتكلم معه في مسائل العربية، وأخذ عنه كثير من أهل المشرق.

له تأليف سماه منهاج التحصيل في شرح المدونة، لخص فيه شرحه المذكور ما وقع للأئمة من التأويلات واعتمد كلام القاضي ابن رشد (الجد) والقاضي عياض وتخريجات أبي الحسن اللخمي، توفي رحمه الله سنة 633ه.[48]

المطلب الثاني: الفقيه يسكر أبو محمد بن موسى بن الجرائي

جاء ذكره في كتاب شجرة النور الزكية باقتضاب شديد، وذكر باسم يشكر بن موسى الجراوي أبو محمد نزيل فاس، كان عالما حضر مجلس أبي الربيع التلمساني وصحب أبا الحسن بن حرزهم.[49]

ذكر أيضا باسم يختلف عما سبق ذكره بيسكر بن موسى الجورائي كان إماما عالما في الفقه المالكي آية فيه.[50]

قال ابن الخطيب القسنطيني: كان شيخا فقيها صالحا شهيرا، أخذ عن أبي خزر يخلف الأوربي وأخذ عنه أبو محمد صالح الهسكوري الذي ينسب إليه شرح الرسالة، وقيل إنه كان من أولياء الله الصالحين وقعت له كرامات، حيث إنه دخل يوما جامع فاس وليس فيه قنديل فأضاء منه الجامع حتى صلى وخرج وعاينه الناس، قال التادلي صاحب أبي الحسن بن حرزهم: وكان ورعا فاضلا مجتهدا صائما، إذا دخل رمضان طوى فراشه واجتهد توفي رحمه الله سنة 598ه.[51]

له تأليف على كتاب المدونة ذكره صاحب النبوغ وسماه حاشية على المدونة.[52]

المطلب الثالث: الفقيه علي بن عبد الله المتيري

الفقيه الصالح الحافظ المدرس الورع، يكنى أبا الحسن، كان من حوز سبتة ونزل بها ودرس بها، كان من حفاظ فروع المذهب المالكي، يحكى أنه عرض المدونة يوما واحدا عن ظهر قلب، ثم صار يجعل الكتاب تحت ركبتيه ويلقي من حفظه، شرح الرسالة شرحا نقل فيها أقوال الأئمة الذين تدور عليهم الفتوى في المذهب، ولم يتعرض لألفاظها، ومن ورعه أنه أعاد الصلاة ثلاثين سنة من عمره توفي في ذي الحجة عام 669ه ودفن بسبتة.[53]

المطلب الرابع: الفقيه أبو إبراهيم الأعرج

هو إسحاق بن يحيى بن مطر الورياغلي الملقب بإبراهيم الأعرج، من شيوخ الشيخ الحسن الزرويلي وغيره. له طرر على المدونة، وكان آية في المذهب المالكي زمن الموحدين، يقال الدعاء مستجاب عند قبره، توفي بفاس سنة 683ه.[54]

لم تسعف كتب التراجم بمزيد من تاريخ حياة الفقيه أبي إبراهيم الأعرج ما يشفي الصدور إلا بهذه الأسطر القليلة التي لا تسمن ولا تغني من جوع.

المطلب الخامس: الفقيه سليمان بن عبد الواحد بن عيسى الهمداني

من أهل غرناطة يكنى أبا الربيع. كان فقيها حافظا للرأي وألف كتابا في الفقه وولي القضاء. حدث عنه أبو القاسم الملاحي وقال: ” ناولني كتابه في الفقه وأجاز لي، ” وحدث عنه شيخنا أبو عبد الله الأندرشي استجازه له أبوه توفي سنة 599ه.[55]

المطلب السادس: الفقيه جعفر بن عبد الله بن محمد الخزاعي

يكنى أبا محمد من أهل قسطنطانية، أخذ القراءات عن ابن هذيل وسمع منه ومن ابن نعمة ببلنسية، وحل حاجا وأدى الفريضة، ودخل الإسكندرية مرافقا لمن سمع من السلفي، ولم يسمع منه شيئا، قال ابن الأبار: فيما علمت، وقفل إلى بلده مائلا إلى الزهد والإعراض عن الدنيا. كان شيخ المتصوفة في وقته.[56]

وذكر الدكتور محمد المنوني الفقيه جعفر في إشارة لفقهاء المالكية بالأندلس فقال: “وجعفر بن عبد الله بن محمد الخزاعي حفظ نصف المدونة وأقراها.”[57]

توفي رحمه الله سنة 624ه.

المبحث الرابع: علماء المالكية في العهد المريني

لم تكن المحنة -كما جاء في بعض المصادر التاريخية- التي عانتها المالكية وفقهاؤها بعيدة عن قلوب العامة ولم تكن تلك الأسباب القسرية التي لجأ إليها الموحدون إزاء المذهب المالكي للقضاء عليه إذ إن النار الموحدية التي أضرمت سرعان ما انطفأت على عهد المرينيين الذين استجابوا للمذهب المالكي، وناصروا فقهاءه وشجعوا طالبي الفقه على الدرس والتحصيل، حتى بات عهدهم من المراحل التي تميزت بنشاط واضح في ميدان الدراسات الفقهية.[58]

فبعد استقرار الحكم المريني وتوحيد البلاد تحت حكمهم والقضاء على الظلم والفساد الذي رمى بأطرافه في البلاد بعد ضعف الحكم الموحدي، اتجه سلاطين بني مرين إلى الاهتمام بالعلم والمعرفة، وكان أول شيء قاموا به هو استعادة المذهب المالكي وإعادته إلى مكانته الأصلية لاعتبارات كثيرة نذكر منها حب المغاربة للمذهب المالكي والمكانة التي حظي بها بين كل الأطياف.

يشير الحجوي الثعالبي في هذا المقام لقضية تجديد الفروع:” ولما جاءت الدولة المرينية نقضت ذلك كله وجددت كل الفروع فأملى الفقيه أبو الحسن علي بن عشرين المدونة من حفظه ووجدوا نسخة قوبلت عليها النسخة التي أملاها فلم تختلف إلا بواو أو فاء، كما أن عبد الله بن محمد بن عيسى التادلي الفاسي كتب المدونة من حفظه بعد أن أمر الموحدون بحرقها.”[59]

ويبين الدكتور محمد المنوني أن المذاهب الغالبة على المغرب في الفترة المرينية هي: المذهب الأشعري في المعتقدات والمذهب المالكي في الفقهيات والصوفية السنية حسب طريقتي أبي مدين ثم أبي الحسن الشاذلي.[60]

لم يكن بنو مرين، كما هو معلوم، أصحاب فكرة جديدة من حيث الفقه أو في العقيدة أو أصحاب دعوة إصلاح يقومون بها، كبني عبد المومن سابقا لتركيز سلطتهم ولتعليل موقفهم واستلائهم على

الحكم، وإنما انتصروا في هذه الناحية على إرجاع الأمور إلى نصابها استجابة لمطالب الشعب العميقة، ولكسب النفوذ المعنوي والروحي في هذا الميدان الذي كان يعتبر من العوامل الحساسة لتدعيم أسس الدولة فبنو مرين لم يقصروا ولم يتقاعسوا، بل بذلوا ما في استطاعتهم فخدموا الإسلام خدمة شهدت بها مواقفهم ومآثرهم.[61]

فجادة القول إن الحركة العلمية للمذهب المالكي استأنفت في ظل الدولة المرينية، التي ما فتئت ترعاها وتشجعها بمديد الإعانة إلى رجالها وتنشيطهم حتى ينصرفوا إلى خدمتها، بل إن رجال الدولة أنفسهم كانوا يقدمون لها أجل الخدمات مما لا يقوم به إلا أجل العلماء. إذ كان الواحد منهم يكب في نشأته على الدراسة والتحصيل، ولا يمنعه ما هو مأخوذ به من قيود الملك وأدوات الرياسة، أن يدأب على النظر في فنون العلم والمعرفة، حتى يصير من رجالها المعدودين. فقد كان السلطان عثمان بن يعقوب من أهل العلم، وكان أخوه أبو مالك ممن لهم اليد الطولى في الأدب، وكان السلطان أبو الحسن المريني من كبار العلماء، وكذلك أخوه أبو علي المريني محبا للعلم، وكذلك يقال في السلطان أبي العباس المريني.

فلا غرر أن تنشيط الحركة العلمية في هذا العصر، وتحظى برعاية ملوك من هذا القبيل.[62]

فالقيمة العلمية والمكانة اللتين تمتع بهما الفقيه في العصر المريني كانت ظاهرة بارزة، فسمة الفقيه كانت تحظى بموضع الإجلال والتقدير، فالكاتب واللغوي والنحوي كان ينعت بالفقيه تقديرا لمكانته، وهي في ذلك تشبه مكانة القاضي في المشرق الإسلامي.[63]

وكان ولع الفقهاء بالمذهب المالكي ظاهرا واضحا في عدد العلماء المتزايد الذين كانوا يعكفون على دراسة مؤلفات المذهب الأساسية، وبلغ من هيمنته في العصر المريني أن أحد علمائه، بل لعله أكبر علماء مذهب مالك في وقته، وهو عبد الرحمان بن عفان الجزولي، كان يحضر مجلسه العلمي أكثر من ألف فقيه مالكي معظمهم يستظهر المدونة.

وهذا إلى جانب العديد من علماء المذهب الآخرين الذين قاموا بتدريس المذهب المالكي في المدارس المرينية والمساجد، حيث كان هذا المذهب محورا لنظام التعليم في العصر المريني.[64]

المطلب الأول: الفقيه أبو الحسن الصغير

هو علي بن محمد بن عبد الحق الزرويلي يكنى أبا الحسن ويعرف بالصغير، بضم الصاد وفتح الغين والياء المشددة. كان قيما على التهذيب للبراذعي، حفظا وتفقها، يشارك في شيء من أصول الفقه، يطرز بذلك مجالسه، مغربا به بين أفراده من المدرسين في ذلك الوقت، لخلوهم من تلك الطريقة بالجملة. كان يدرس بجامع الأصدع من داخل مدينة فاس، ويحضر عليه نحو مائة نفس، ويقعد على كرسي عال ليسمع البعيد والقريب، وكان أحد الأقطاب الذين تدور عليه الفتوى أيام حياته، ترد عليه السؤالات من جميع بلاد المغرب فيحسن التوقيع على ذلك، على طريقة من الإختصار وترك فضول القول.

من مشايخه: أخذ عن الفقيه راشد بن أبي راشد الوليدي، واتفع به وعليه كان اعتماده. وأخذ عن صهره أبي الحسن بن سليم بن سليم، وأبي عمران الجورماني.[65]

ولي القضاء بفاس قدمه ابن الربيع، سلطان المغرب، وأقام أوده وعضده، فانطلقت يده على أهل الجاه، فأقام الحق على الكبير والصغير. وجرى في العدل على صراط مستقيم، ونقم عليه اتخاذ شمام يستنشق على الناس روائح الخمر، ويحق أن ينتقد ذلك.[66]

قيدت عنه بفاس على التهذيب وعلى رسالة أبي زيد، قيدها عليه تلاميذه توفي رحمه الله يوم الثلاثاء سادس رمضان سنة 719ه، ودفن خارج باب الجيسة بجبل العرض.[67]

المطلب الثاني: الفقيه محمد بن سليمان السطي

الفقيه حافظ المغرب العلامة الفرضي الجليل، قال ابن خلدون: وسطة بطن من أوربة بنواحي فاس أخذ العلم عن إمام المالكية بالمغرب الطائر الذكر أبي الحسن الصغير وتفقه عليه، وكان أحفظ الناس للمذهب وأفقههم فيه، وأخذ الفرائض عن الشيخ أبي الحسن الطنجي، ختم عليه الحوفية ثمان ختمات، وكانت له في فهمه وإقرائه وحل عقده اليد الطولى، واختاره أبو الحسن المريني مع جماعة من العلماء الصلحاء لصحبته وكان أبو الحسن لدينه وسرارته وبعد شأوه في الفضل بتشوق لتنويه مجلسه بهم فقدم السطي معه تونس وشهدنا وفور فضائله. كان في الفقه نبيها لا يجارى حفظا وفهما، وكان أخي محمد يقرأ عليه تبصرة اللخمي ويصححها عليه من إملائه وحفظه في مجالس عديدة.

وقال البعض عنه: كان السطي إماما جليلا حافظا مقدما في الفقه، من أكبر تلامذة أبي أحسن الصغير في الفقه مع المشاركة في الأصلين والعربية مع دين تام.

وممن أخذ عنه من الأئمة المقري والعبدوسي الكبير والخطيب ابن مرزوق والقباب. وقيل عنه: كان خزانة المذهب مع مشاركة تامة في علوم وديانة شهيرة وصلاح متين، كان مدرس حضرة أبي السلطان أبي الحسن ومفتيه وخطيبه، مقبلا على ما يعنيه لا تراه إلا مكبا على النظر والقراءة والتقييد حتى في مجلس السلطان.

ومن تأليفه تعليق صغير على المدونة وشرح جليل على الحوفية، وتعليق على ابن شاس فيما خالف فيه المذهب.

ذكر تلميذه ابن عرفة عنه قال الأبي: “كان السطي ممن يقتدى به.” وذكر شيخنا ابن عرفة أنه رآه إذا عطس السلطان لا يشمته بشيء لا برحمة ولا دعاء. قال ابن عرفة: فكنت أقول سرا: يرحمك الله لأخرج من عهدة الرد في مثل هذا المحل ومن الضر للسطي.[68]

توفي رحمه الله غرقا في أسطول السلطان أبي الحسن المريني يوم الأربعاء الثامن من ذي القعدة الحرام

سنة 749ه الموافق ل 28 يناير 1349م.[69]

المطلب الثالث: الفقيه عبد الرحمان بن عفان الجزولي

الفقيه الإمام الحافظ، الحجة الهمام، شيخ الرسالة والمدونة أبو زيد سيدي عبد الرحمان بن عفان الجزولي، كان علامة في مذهب مالك، صالحا ورعا، أخذ عن أبي الفضل راشد، وأبي عمران الجورائي، وأبي زيد الرجراجي وأبي محمد عبد الصادق الصبار.

وكان للناس احتفال في مجلسه وانكباب على الأخذ عنه. وممن أخذ عنه الشيخ يوسف بن عمر الأنفاسي، والحافظ موسى العبدوسي، وأبو الحسن الصغير، وخالد بن عيسى بن أحمد البلوي…وخلق كثير.

كانت شهرته بالصلاح والانقطاع إلى الله تعالى كشهرته بالعلم أو أكثر، مؤيدا بالرسالة، وقيد الطلبة عنه بمجلس إقرائه عليها ثلاثة تقاييد: أحدهما: الكبير المشهور بالمسبع أي: في سبعة أسفار. والآخر: الصغير وهو المشهور بالمثلث أي: في ثلاثة. والآخر أصغر منه في إثنين، وكلها مفيدة انتفع الناس بها بعده.[70]

وطعن في السن وعمر أكثر من مائة وعشرين سنة وما قطع التدريس حتى توفي، وسبب موته أنه خرج للقاء السلطان أبي الحسن المريني مرجعه من غزوة طريف، فروى ابن مرزوق أنه لما نزل عن فرسه لأبي الحسن نزل له السلطان عن فرسه إجلالا وإعظاما، وكان قد سقط عن دابته إذ ذاك فتضعضعت أركانه فمات من ذلك سنة 741ه.[71]

المطلب الرابع: الفقيه أحمد بن القاسم بن عبد الرحمان الجدامي الفاسي

يعرف بالقباب العلامة الحافظ الصالح الزاهد، أحد محققي المتأخرين من الحفاظ المشهورين بالدين والصلاح والتقدم في العلوم، تولى الفتيا بفاس، وله فتاوي مشهورة مجموعة، وهو أول من نقل الونشريسي عنه في المعيار.[72]

كان عالما عاملا عاقلا كاملا، فاضلا حاجا مبرورا، تحفة وقته ذا دين وفضل، من العلماء العاملين، حسن التوبة، بين الفضيلة، لقي فضلاء أهل العلم والدين وانتفع بهم على طريقة السلف. دؤوبا على العلم والقراءة، مع التقشف وترك الدنيا، وطيب الكسب والتواضع للخلق، وخفض الجناح للضعفاء.

وقيل: كان فقيها جليلا، حافظا نبيلا، محصلا مدركا، سديد الفهم، سريعه، ثاقب الذهن حسن المشاركة صدرا في العدول، عارفا بعقد الشروط.[73]

وجاء في الإحاطة أنه رجل صدر العدول طالب فقيه، نبيه، مدرك جيد النظر، سديد الفهم حضر الدرس بين يدي السلطان، وولي القضاء بجبل الفتح، متصفا فيه بجزالة وانتهاض.[74]

يقول ابن الخطيب:” تعرفت به بمدينة فاس، فأعجبني سمته، ووصل مدينة سلا في غرض اختبار واستطلاع الأحوال السلطانية، واستدعيته فاعتذر ببعض ما يقبل.”[75]

إشتغل بتدريس مختصر البرادعي بالمدرسة من المدينة البيضاء، وبقراءة كتاب الموطأ بالجامع الأعظم من مدينة فاس، فظهر علمه وحفظه ومعرفته. وكان يطالع على كتاب الموطأ خمسين ديوانا. ثم زهد وانقبض، وصحب الصالحين. وعرض عليه قضاء الجماعة، إلا أنه رحل لأداء فريضة الحج، فحج وقفل على حالة مرضية عديمة النظير في وقته، فذا في طريقته مقصودا للفتوى معدودا في أهل البر والتقوى، ملتزما لقراءة العلم.[76]

دخل غرناطة في عام 702ه وجهه السلكان أبو سالم المريني، توفي بفاس سنة 779ه وقيل إنه توفي في خامس ذي الحجة من عام 778ه.[77]

المطلب الخامس: الفقيه مصباح بن عبد الله الياصولتي

اكتفى صاحب جذوة الاقتباس بذكر اسمه وتاريخ وفاته فقال: هو مصباح بن عبد الله الياصولتي أبو ضياء الفقيه المالكي بمدينة فاس، وإليه تنسب المدرسة المصباحية.[78]

هو حافظ وقته وعصره، وفريد أوانه، الشيخ الفقيه العلامة المدرس النبيه، النوازلي المفتي، البركة الصالح، أبو ضياء سيدي مصباح، الذي تضاف إليه المدرسة المصباحية بفاس لكونه أول من درس بها حين بناها السلطان أبو الحسن المريني.[79]

يعد من أكابر أصحاب أبي الحسن الصغير، كان فقيها صالحا نوازليا، كانت أمه لا ترضعه إلا على وضوء، تفقه على يد فقهاء المالكية في العصر المريني.[80]

له عدة فتاوى نقل بعضها في المعيار المعرب، توفي رحمه الله بفاس سنة 750ه.[81]

المطلب السادس: الفقيه إبراهيم بن عبد الرحمان التسولي

هو سيدي إبراهيم بن عبد الرحمان بن أبي بكر بن أبي يحيى التسولي التازي الفاسي، الشيخ الحافظ الفقيه، الشهير الذكر في المغرب، يكنى أبا سالم ويعرف بابن أبي يحيى.

من صدور المغرب، له مشاركة في العلم، وتبحر في الفقه، ووجاهة عند الملوك، واستعمل في السفارة، وكان حسن العهد، مليح المجالسة، أنيق المحاضرة، كريم الطبع، صحيح المذهب.[82]

عرفه أيضا صاحب كتاب شجرة النور الزكية فقال:” هو الإمام الفقيه العلامة العمدة الفاضل الفهامة” وذكر بأنه لازم الكثير من الفقهاء والعلماء في وقته.[83]

من أهم مشايخه: لازم شيخه أبي الحسن الصغير، وهو كان قارئ كتب الفقه عليه، وجل انتفاعه في التفقه به، وروى عن أبي زكريا بن أبي ياسين، قرأ عليه الموطأ، إلا كتاب المكاتب وكتاب المدبر، فإنه سمعه بقراءة غيره، وعن أبي عبد الله بن رشيد، قرأ عليه الموطأ وشفاء عياض، وعن أبي الحسن بن عبد الجليل السداري، قرأ عليه الأحكام الصغرى لعبد الحق، وأبي الحسن بن سليمان قرأ عليه الرسالة لأبي زيد القيرواني، وعن غيرهم كثير.[84]

كان الرجل قيما على التهذيب، ورسالة بن أبي زيد، حسن الإقراء لهما، وله عليهما تقييدان نبيلان، قيدهما أيام قراءته إياهما على أبي الحسن الصغير… كان فصيح اللسان، سهل الألفاظ، موفيا حقوقها، وذلك لمشاركته الحضر فيما في أيديهم من الأدوات، وكان مجلسه وقفا على التهذيب والرسالة. وكان مع ذلك شيخا فاضلا، حسن اللقاء على خلق بائنة من أخلاق أهل مصره، امتحن بصحبة السلطان، فصار يستعمله في الرسائل، فمر حظ كبير من عمره ضائعا، لا في راحة دنيا، ولا في نصيب آخرة.[85]

ومن أهم تصانيفه أنه قيد على المدونة بحضرة شيخه أبي الحسن الصغير كتابا مفيدا وضم أجوبته على المسائل في سفر، وشرح كتاب الرسالة لأبي زيد شرحا عظيم الفائدة.[86]

فلج في آخره فالتزم منزله بمدينة فاس يزوره السلطان فمن دونه، توفي سنة 748ه. وقيل سنة 747ه.[87]

في ختام تراجم هؤلاء الفقهاء الذين أناروا الفقه المالكي وبصموا على أعتابه الزكية بمؤلفات ظلت ولا زالت معلقة بأثواب العلم والمعرفة ينهل منها من لبس أثوابها وأثلج صدره بقراءتها حينها يعلم قدر من كتبها وثعب لأجلها لتصير بين يده سهلة منبسطة فالله عز وجل جعل لها الثواب الأعظم برجوعه إلى صاحب المؤلف لأن عمله لا ينقطع عن الدنيا.

مما لا يجعلنا نبخل أولا بالترحم عليهم، وثانيا بالتعرض لترجمتهم وإخراجها للوجود وذكر مناقبهم الحسنة والتبرك بسيرهم باعتبارها قدوة فهم عاشوا حياة الزهد والانقطاع للعلم.

خاتمــــة

إن الحركة العلمية عرفت نشاطا وتقدما مستمرا مع انتشار المذهب المالكي في العصر الوسيط في كل أنحاء المغرب الأقصى. وقد شكل الاهتمام به نقلة نوعية في مجال التأليف والتفريع والتخريج.

مما ساعد على ظهور علماء أفداد أدلو بدلوهم، وركنوا إلى العمل بالمذهب المالكي، بل بسطوا يد العون إلى رجال الدولة والرعية لتنشيط حركية المذهب وخدمته في كل المجلات سواء الدينية أم الدنيوية.

ثم إن جهود العلماء في عهد الأدارسة والمرابطين والموحدين والمرينيين بالحركة العلمية والثقافية والأدب والنوازل، أتاحت للعقلية المغربية الكثير من النضوج العلمي، بل بلغت الحياة العلمية ازدهارا بارزا في هذه الحقب التاريخية بفضل الرعاية حظي بها المذهب المالكي من طرف السلاطين، وإغداق الأموال على العاملين به سواء كانوا طلابا أم أساتذة.

وساهم العلماء على اختلاف مستوياتهم وآرائهم وأفكارهم بتدريس المذهب المالكي، وشرح مفاهيمه وأحكامه وأدبياته.

وبذلك شكلت هذه الحقب التاريخية قاعدة فكرية في بلاد المغرب الأقصى التي انتشرت في كل أنحاء المغرب على نحو لم يسبق له مثيل وكان له امتداد إلى يومنا هذا.


فهرس المصادر والمراجع

[أ]

  • الإحاطة في أخبار غرناطة للسان الدين بن الخطيب تحقيق يوسف علي طويل دار الكتب العلمية بيروت ط:1 سنة:2002
  • الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى للناصري تحقيق جعفر الناصري ومحمد الناصري دار الكتاب الدار البيضاء (بدون رقم طبعة) سنة:1997
  • الأنوار الساطعة في معرفة الفتاوى الشرعية الناجعة والمسائل الصوفية النيرة لعبد السلام العمراني الخالدي دار كتاب ناشرون بيروت (بدون رقم طبعة ولا تاريخ).

[ت]

  • ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك للقاضي عياض طبعة وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية الرباط ط:2 سنة:1983
  • تاريخ المغرب الإسلامي والأندلس في العصر المريني لمحمد عيسى الحريري دار القلم للنشر والتوزيع الكويت ط:2 سنة:1987
  • تطور المذهب المالكي في الغرب الإسلامي لمحمد بن الحسن شرحبيلي طبعة وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية المغرب مطبعة فضالة المحمدية (بدون رقم طبعة) سنة:2000
  • التكملة لكتاب الصلة لابن الأبار تحقيق عبد السلام الهراش دار الفكر بيروت (بدون رقم طبعة) سنة:1995
  • التيارات الفكرية في العهد المريني (فصلة من مجلة الثقافة العربية العدد 5) لمحمد المنوني مطبعة محمد الخامس الثقافية والجامعية فاس سنة:1972.

[ج]

  • جذوة الاقتباس لأحمد بن القاضي المكناسي دار المنصور للطباعة والوراقة الرباط (بدون رقم طبعة) سنة:1973
  • جامع القرويين لعبد الهادي التازي دار الكتاب اللبناني بيروت ط:1 سنة:1973.

[ح]

  • الحضارة العربية الإسلامية في المغرب (العصر المريني) لمزاحم علاوي الشاهري مركز الكتاب الأكاديمي (بدون رقم طبعة ولا تاريخ).

[د]

  • دولة الإسلام في الأندلس لمحمد عبد الله عنان العصر الثالث القسم الأول عصر المرابطين مكتبة الخانجي القاهرة ط:2 سنة:1990
  • الديباج المذهب في معرفة علماء أعيان المذهب لابن فرحون تحقيق محمد الأحمدي أبو النور دار التراث للطبع والنشر القاهرة (بدون رقم طبعة ولا تاريخ)

[س]

  • سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس للكتاني تحقيق عبد الله كتاني وحمزة الكتاني ومحمد حمزة الكتاني دار الثقافة للنشر والتوزيع الدار البيضاء (بدون رقم طبعة ولا تاريخ).

[ش]

  • شجرة النور الزكية في طبقات المالكية لمحمد بن محمد بن عمر بن قاسم مخلوف تحقيق عبد المجيد خيالي دار الكتب العلمية بيروت ط:1 سنة:2003.

[ص]

  • الصلة لابن بشكوال تحقيق إبراهيم الأبياري دار المتاب المصري ودار الكتاب اللبناني بيروت ط:1 سنة:1989.

 

[ع]

  • العلوم والآداب والفنون على عهد الموحدين لمحمد المنوني دار المغرب للتأليف والترجمة والنشر الرباط ط:2 سنة:1977.

[ف]

  • الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي للحجوي طبعة إدارة المعارف الرباط (بدون رقم طبعة) سنة:1340ه.

[ك]

  • كفاية المحتاج لمعرفة من ليس في الديباج لأحمد بابا التنبكي تحقيق محمد مطيع طبع من طرف وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية الرباط المغرب (بدون رقم طبعة) سنة:2000.

[م]

  • مباحث في المذهب المالكي بالمغرب للدكتور عمر الجيدي مطبعة المعارف الجديدة الرباط ط:1 سنة:1993
  • مجلة الأستاذ مقال بعنوان: المرابطون وأثرهم الحضاري والفكري في بلاد الأندلس للدكتور خليل جليل بخيت مهاوش والدكتور خالد عباس نصيف جاسم العدد:220 المجلد الأول سنة:2017م
  • مجلة دعوة الحق مقال بعنوان: أضواء على المذهب المالكي بالمغرب الأقصى في عهد الأدارسة للدكتور سليمان الصمدي عدد يوليوز 2017
  • مدرسة الإمام البخاري في المغرب ليوسف الكتاني دار لسان العرب بيروت (بدون رقم طبعة ولا تاريخ)
  • مظاهر الثقافة المغربية لمحمد بنشقرون دار الثقافة الدار البيضاء (بدون رقم طبعة) سنة:1985
  • المعجب في تلخيص أخبار المغرب لعبد الواحد المراكشي تحقيق صلاح الدين الهواري المكتبة العصرية بيروت ط:1 سنة:2006
  • المعسول لمحمد مختار السوسي مطبعة النجاح الدار البيضاء (بدون رقم طبعة) سنة: 1961
  • المغرب عبر التاريخ لإبراهيم حركات دار الرشاد الحديثة الدار البيضاء (بدون رقم طبعة) سنة:2000
  • المهدي ابن تومرت لعبد المجيد النجار دار الغرب الإسلامي مصر ط:1 سنة:1983.

[ن]

  • النبوغ المغربي في الأدب العربي لعبد الله كنون دار الكتاب ط: 2 سنة: 1960
  • نفح الطيب لابن محمد المقري التلمساني تحقيق إحسان عباس دار صادر بيروت (بدون رقم طبعة) سنة: 1968
  • نيل الابتهاج بتطريز الديباج لأحمد بابا التنبكي تحقيق عبد الله الهرامة دار الكتاب طرابلس ط:2 سنة:2000

[1] الأنوار الساطعة في معرفة الفتاوى الشرعية الناجعة والمسائل الصوفية النيرة لعبد السلام العمراني الخالدي دار كتاب ناشرون بيروت (بدون رقم طبعة ولا تاريخ) ص:22

[2]مباحث في المذهب المالكي بالمغرب للدكتور عمر الجيدي مطبعة المعارف الجديدة الرباط ط:1 سنة:1993 ص:19

[3] نفسه ص:19

[4]مدرسة الإمام البخاري في المغرب ليوسف الكتاني دار لسان العرب بيروت (بدون رقم طبعة ولا تاريخ) ج/1 ص:24-25

[5] ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك للقاضي عياض طبعة وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية الرباط ط:2 سنة:1983 ج/5 ص:148

[6] نفسه ج/5 ص:148-149

[7] الفكر السامي للحجوي الثعالبي طبعة إدارة المعارف الرباط سنة:1340ه ج/3 ص:115

[8] شجرة النور الزكية في طبقات المالكية لمحمد بن محمد بن عمر بن قاسم مخلوف تحقيق عبد المجيد خيالي دار الكتب العلمية بيروت ط:1 سنة:2003 ج/1 ص:154

[9] ترتيب المدارك ج/6 ص:81

[10] تطور المذهب المالكي في الغرب الإسلامي لمحمد بن الحسن شرحبيلي طبعة وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية المغرب مطبعة فضالة المحمدية (بدون رقم طبعة) سنة:2000 ص:57

[11] الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى للناصري تحقيق جعفر الناصري ومحمد الناصري دار الكتاب الدار البيضاء (بدون رقم طبعة) سنة:1997 ج/1 ص:219

[12] نفسه ج/1 ص:219

[13] تطور المذهب المالكي ص:59-60

[14] جذوة الاقتباس لأحمد بن القاضي المكناسي دار المنصور للطباعة والوراقة الرباط (بدون رقم طبعة) سنة:1973 ج/1 ص:174-175

[15] تطور المذهب المالكي ص:61

[16] تطور المذهب المالكي ص:60

[17] نفسه ص:61-62

[18] جذوة الاقتباس ص:499-500

[19] ترتيب المدارك ج/6 ص:277-278

[20] مجلة دعوة الحق مقال بعنوان: أضواء على المذهب المالكي بالمغرب الأقصى في عهد الأدارسة للدكتور سليمان الصمدي عدد يوليوز 2017 ص:141

[21] مجلة الأستاذ مقال بعنوان: المرابطون وأثرهم الحضاري والفكري في بلاد الأندلس للدكتور خليل جليل بخيت مهاوش والدكتور خالد عباس نصيف جاسم العدد:220 المجلد الأول سنة:2017م ص:304-305

[22] النبوغ المغربي في الأدب العربي لعبد الله كنون دار الكتاب ط: 2 سنة: 1960 ج/1 ص:71

[23] نفسه ج/1 ص: 71-72

[24] المغرب عبر التاريخ لإبراهيم حركات دار الرشاد الحديثة الدار البيضاء (بدون رقم طبعة) سنة:2000 ج/1 ص:226

[25] جامع القرويين لعبد الهادي التازي دار الكتاب اللبناني بيروت ط:1 سنة:1973 ج/1 ص:119

[26] مباحث في المذهب المالكي بالمغرب ص:21

[27] دولة الإسلام في الأندلس لمحمد عبد الله عنان العصر الثالث القسم الأول عصر المرابطين مكتبة الخانجي القاهرة ط:2 سنة:1990 ص:455

[28] الصلة لابن بشكوال تحقيق إبراهيم الأبياري دار المتاب المصري ودار الكتاب اللبناني بيروت ط:1 سنة:1989 ج/3 مج/13 ص:856-857

[29] دولة الإسلام في الأندلس ص:456-457

[30] الصلة ج/3 مج/13 ص:839-840

[31] دولة الإسلام في الأندلس ص:458

[32] نفسه ص:457

[33] الصلة ج/3 ص:840

[34] التكملة لكتاب الصلة لابن الأبار تحقيق عبد السلام الهراش دار الفكر بيروت (بدون رقم طبعة) سنة:1995 ج/3 ص:130

[35] المغرب عبر التاريخ ج/1 ص:227

[36] الصلة ج/1 ص:168

[37] النبوغ المغربي ج/1 ص:86-87

[38] الصلة ج/2 ص:660-661

[39] النبوغ المغربي ج/1 ص:88

[40] الاستقصا ج/2 ص:115

[41] النبوغ المغربي ج/1 ص:89

[42] المرجع نفسه ج/1 ص:119

[43] الحضارة العربية الإسلامية في المغرب (العصر المريني) لمزاحم علاوي الشاهري مركز الكتاب الأكاديمي (بدون رقم طبعة ولا تاريخ) ص:104-105

[44] المغرب عبر التاريخ ج/1 ص:351-352

[45] المعجب في تلخيص أخبار المغرب لعبد الواحد المراكشي تحقيق صلاح الدين الهواري المكتبة العصرية بيروت ط:1 سنة:2006 ص:202-203

[46] المهدي ابن تومرت لعبد المجيد النجار دار الغرب الإسلامي مصر ط:1 سنة:1983 ص:494

[47] المهدي ابن تومرت ص:495

[48] نيل الابتهاج بتطريز الديباج لأحمد بابا التنبكي تحقيق عبد الله الهرامة دار الكتاب طرابلس ط:2 سنة:2000 ص:316

[49] شجرة النور الزكية ج/1 ص:237

[50] جدوة الإقتباس ج/1 ص:562

[51] نيل الإبتهاج ص:640

[52] النبوغ المغربي ج/1 ص:159

[53] نيل الإبتهاج ص:323

[54] كفاية المحتاج لمعرفة من ليس في الديباج لأحمد بابا التنبكي تحقيق محمد مطيع طبع من طرف وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية الرباط المغرب (بدون رقم طبعة) سنة:2000 ج/1 ص:176

[55] التكملة ج/4 ص:97

[56] نفح الطيب لابن محمد المقري التلمساني تحقيق إحسان عباس دار صادر بيروت (بدون رقم طبعة) سنة: 1968 ج/2 ص:506

[57] العلوم والآداب والفنون على عهد الموحدين لمحمد المنوني دار المغرب للتأليف والترجمة والنشر الرباط ط:2 سنة:1977 ص:56

[58] الحضارة العربية الإسلامية في المغرب ص:104-105-106

[59] الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي للحجوي طبعة إدارة المعارف الرباط (بدون رقم طبعة) سنة:1340ه ج/4 ص:11

[60] التيارات الفكرية في العهد المريني (فصلة من مجلة الثقافة العربية العدد 5) لمحمد المنوني مطبعة محمد الخامس الثقافية والجامعية فاس سنة:1972 ص:1

[61] مظاهر الثقافة المغربية لمحمد بنشقرون دار الثقافة الدار البيضاء (بدون رقم طبعة) سنة:1985 ص:51

[62] النبوغ المغربي ص:188-189

[63] الحضارة العربية الإسلامية ص:106

[64] تاريخ المغرب الإسلامي والأندلس في العصر المريني لمحمد عيسى الحريري دار القلم للنشر والتوزيع الكويت ط:2 سنة:1987 ص:340

[65] الإحاطة في أخبار غرناطة للسان الدين بن الخطيب تحقيق يوسف علي طويل دار الكتب العلمية بيروت ط:1 سنة:2002 ج/4 ص:158

[66] الديباج المذهب في معرفة علماء أعيان المذهب لابن فرحون تحقيق محمد الأحمدي أبو النور دار التراث للطبع والنشر القاهرة (بدون رقم طبعة ولا تاريخ) ج/2 ص:120

[67] الديباج المذهب ج/2 ص:120 جذوة الإقتباس ص:472

[68] نيل الإبتهاج ص:408-409

[69] جذوة الإقتباس ج/1 ص:229

[70] سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس للكتاني تحقيق عبد الله كتاني وحمزة الكتاني ومحمد حمزة الكتاني دار الثقافة للنشر والتوزيع الدار البيضاء (بدون رقم طبعة ولا تاريخ) ج/2 ص:138-139

[71] جذوة الإقتباس ج/2 ص:401

(أنظر أيضا) المعسول لمحمد مختار السوسي مطبعة النجاح الدار البيضاء (بدون رقم طبعة) سنة: 1961 ج/17 ص:62-63

[72] نيل الابتهاج ص:102

[73] سلوة الأنفاس ج/3 ص:304

[74] الإحاطة ج/1 ص:71

[75] الإحاطة ج/1 ص:71

[76] سلوة الأنفاس ج/3 ص:304

[77] جذوة الإقتباس ج/1 ص:124

[78] المصدر نفسه ج/1 ص:336

[79] سلوة الأنفاس ج/2 ص:64

[80] نيل الإبتهاج ص:608-609

[81] سلوة الأنفاس ج/2 ص:65

[82] نفسه ج/3 ص:317

[83] شجرة النور الزكية ج/1 ص:317

[84] الإحاطة ج/1 ص:197

[85] نفسه ج/1 ص:196

[86] لإحاطة ج/1 ص:197

[87] جذوة الإقتباس ج/1 ص:86

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.