منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

مظاهر الابتلاء

مظاهر الابتلاء/ أنيسة بنعيم سحتان

0

مظاهر الابتلاء

أنيسة بنعيم سحتان

 

أنواع سنة الابتلاء

أ: الابتلاء في المال والنفس والدين:

المال عصب الحياة، ووسيلة الإنسان إلى مرضاة الله، وهو إحدى الضروريات الخمس المتفرعة عن مقاصد الشريعة الكبرى، والمال من نعم الله تعالى على خلقه في الحياة الدنيا وهو طريق المسلم إلى الاستمتاع بمنفعة الدنيا وزينتها قال تعالى: “اِ۬لْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ اُ۬لْحَيَوٰةِ اِ۬لدُّنْي۪اۖ وَالْبَٰقِيَٰتُ اُ۬لصَّٰلِحَٰتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباٗ وَخَيْرٌ اَمَلاٗۖ” [ الكهف: 45 ].

قوله سبحانه: “لَتُبْلَوُنَّ فِےٓ أَمْوَٰلِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ اَ۬لذِينَ أُوتُواْ اُ۬لْكِتَٰبَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ اَ۬لذِينَ أَشْرَكُوٓاْ أَذيٗ كَثِيراٗۖ وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ اِ۬لُامُورِۖ” [ آل عمران: 186 ] يعني بقوله تعالى ذكره: “لَتُبْلَوُنَّ فِےٓ أَمْوَٰلِكُمْ” لتختبرن بالمصائب في أموالكم. “وَأَنفُسِكُمْ”  ، يعني: وبهلاك الأقرباء والعشائر من أهل نصرتكم  وملتكم. “وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ اَ۬لذِينَ أُوتُواْ اُ۬لْكِتَٰبَ مِن قَبْلِكُمْ “يعني: من اليهود.“وَمِنَ اَ۬لذِينَ أَشْرَكُوٓاْ”يعني: النصارى. “أَذيٗ كَثِيراٗۖ”  والأذى من اليهود ومن النصارى “وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ “ يقول: وإن تصبروا لأمر الله الذي أمركم به فيهم وفي غيرهم من طاعته. “وَتَتَّقُواْ” يقول: وتتقوا الله فيما أمركم ونهاكم، فتعملوا في ذلك بطاعته. “فَإِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ اِ۬لُامُورِۖ”  يقول: فإن ذلك الصبر والتقوى مما عزم الله عليه وأمركم به)[1]( .

وقوله تعالى: “وَأَمَّآ إِذَا مَا اَ۪بْتَل۪يٰهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُۥ  فَيَقُولُ رَبِّيَ أَهَٰنَنِ”  [ الفجر:18] أي: ضيق عليه وجعله بمقدار بلغته  “فَقَدَرَ” شامي، ويزيد  “فَيَقُولُ رَبِّيَ أَهَٰنَنِ”  أي: الواجب لمن ربه بالمرصاد أن يسعى للعاقبة ولا تهمه العاجلة. وهو قد عكس. فإنه إذا امتحنه ربه بالنعمة والسعة ليشكر  قال: ربي أكرمني. أي: فضلني بما أعطاني. فيرى الإكرام في كثرة الحظ من الدنيا. وإذا امتحنه بالفقر فقدر عليه رزقه ليصبر قال: ربي أهانني فيرى الهوان في قلة الحظ من الدنيا؛ لأنه لا تهمه إلا العاجلة وما تلذه وتنعمه فيها)[2](.

قوله عز وجل : “اِنَّمَآ أَمْوَٰلُكُمْ وَأَوْلَٰدُكُمْ فِتْنَةٞۖ وَاللَّهُ عِندَهُۥٓ أَجْرٌ عَظِيمٞۖ ” [ التغابن 15]

قال أبو السعود: أي بلاء ومحنة يوقعانكم في الإثم من حيث لا تحتسبون “وَاللَّهُ عِندَهُۥٓ أَجْرٌ عَظِيمٞۖ “  أي: لمن آثر محبة الله تعالى وطاعته، على محبة الأموال والأولاد والسعي في تدبير مصالحهم)[3]( .

وقال الزمخشري: جعل الله الأموال والأولاد فتنة، لأنهما سبب الوقوع في الفتنة وهي: الإثم أو العذاب أو محنة من الله، ليبلوكم كيف تحافظون فيهما على حدوده، وأن الله عنده أجر عظيم؛ فعليكم أن تنوطوا بطلبه وبما تؤدى إليه هممكم، وتزهدوا في الدنيا، ولا تحرصوا على جمع المال، وحب الولد حتى تورطوا أنفسكم من أجلهما)[4](.

إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يخش يوما على أمته الفقر، كما خشي عليها الغنى، فعن عمرو بن عوف، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لما جاءه أبو عبيدة بمال البحرين: « فَوَاللَّهِ مَا الفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَلَكِنْ أَخْشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُبْسَطَ عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا، كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا، وَتُلْهِيَكُمْ كَمَا أَلْهَتْهُمْ»)[5](

ب: الابتلاء في الأبناء

إن الأبناء  نعمة من نعم الله على خلقه وهبة ربانية، فهم زهرة الحياة الدنيا وزينتها، وقد جبلت النفوس على حبهم، فلا يصبر على فقدهم كثير من الناس، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: مر النبي صلى الله عليه وسلم بامرأة تبكي عند قبر، فقال: «اتَّقِي اللَّهَ وَاصْبِرِي» قَالَتْ: إِلَيْكَ عَنِّي، فَإِنَّكَ لَمْ تُصَبْ بِمُصِيبَتِي، وَلَمْ تَعْرِفْهُ، فَقِيلَ لَهَا: إِنَّهُ النَّبِيُّ  صلى الله عليه وسلم، فَأَتَتْ بَابَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ، فَلَمْ تَجِدْ عِنْدَهُ بَوَّابِينَ، فَقَالَتْ: لَمْ أَعْرِفْكَ، فَقَالَ: «إِنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولَى»)[6]( .

قال المؤلف- رحمه الله تعالى – فيما نقله عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بامرأة وهي عند قبر صبي لها قد مات، وكانت تحبه حبا شديدا، فلم تملك نفسها أن تخرج إلى قبره لتبكي عنده. فلما رآها النبي صلى الله عليه وسلم أمرها بتقوى الله والصبر. وقال لها: (اتقي الله واصبري، فقالت له: إليك عني فإنك لم تصب بمصيبتي) إليك عني أي: ابعد عني فإنك لم تصب بمثل مصيبتي.  وهذا يدل على أن المصيبة قد بلغت منها مبلغا عظيما، فانصرف النبي صلى الله عليه وسلم عنها.

ثم قيل لها: إن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم فندمت وجاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلى بابه، وليس على الباب بوابون أي: ليس عنده أحد يمنع الناس من الدخول عليه. فأخبرته وقالت: إنني لم أعرفك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : (إنما الصبر عند الصدمة الأولى). الصبر الذي يثاب عليه الإنسان هو أن يصبر عند الصدمة الأولى أول ما تصيبه المصيبة، هذا هو الصبر.

أما الصبر فيما بعد ذلك، فإن هذا قد يكون تسليا كما تتسلى البهائم. فالصبر حقيقة أن افنسان إذا صدم أول ما يصدم يصبر ويحتسب، ويحسن أن يقول: (إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرا منها))[7](.

ج: الابتلاء في العرض

إن من أشد  ما يؤذي العبد المؤمن ما يلحقه من أذى في عرضه، والعرض من الكليات الخمس التي جاء الشرع بحفظها، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ، كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ، دَمُهُ، وَمَالُهُ، وَعِرْضُهُ»)[8]( فلذلك نجد أن المنح الربانية من أعظم ما يجازي الله عز وجل به العبد على ما تحمله من أذى.

د: الابتلاء في الجسد

وقد يبتلى المؤمن بفقد جزء من جسمه، كذهاب بصره أو سمعه، فيصبر على ذلك، ولا يشعر الإنسان بقيمة النعيم والمتاع والصحة والقوة والعافية إلا إذا عاش العذاب والألم، والمرض، والضعف، فاختلاف الأحوال وتداول الأيام أدعى لأن يشكر العباد نعمة ربهم ويعرفوا قيمتها.

وقد وردت أحاديث كثيرة تبين عظم الجزاء والمثوبة لمن أصابه البلاء ثم تلقى ذلك بالصبر والرضا، ومن ذلك ما جاء في حديث أنس ابن مالك t قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله تعالى قال: «إِذَا ابْتَلَيْتُ عَبْدِي بِحَبِيبَتَيْهِ فَصَبَرَ، عَوَّضْتُهُ مِنْهُمَا الجَنَّة»)[9]( . يريد عينيه. وعنه رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إِنَّ عِظَمَ الجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ البَلَاءِ، وَإِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلَاهُمْ، فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا، وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السَّخَطُ»)  .([10]

هـ: الابتلاء في الولد

ذكر الله تعالى هذا الابتلاء في قوله عز وجل : وَاعْلَمُوٓاْ أَنَّمَآ أَمْوَٰلُكُمْ وَأَوْلَٰدُكُمْ فِتْنَةٞ وَأَنَّ اَ۬للَّهَ عِندَهُۥٓ أَجْرٌ عَظِيمٞۖ [ الأنفال: 28 ] بمعنى: “وَاعْلَمُوٓاْ أَنَّمَآ أَمْوَٰلُكُمْ وَأَوْلَٰدُكُمْ فِتْنَةٞ أي: سبب الوقوع في الفتنة، وهي: الإثم، والعذاب، أو: محنة من الله ليبلوكم كيف تحافظون فيهم على حدوده  “وَأَنَّ اَ۬للَّهَ عِندَهُۥٓ أَجْرٌ عَظِيمٞۖ”   أي: فعليكم أن تحرصوا على طلب ذلك، وتزهدوا في الدنيا، ولا تحرصوا على جمع المال وحب الولد([11]).

كما حذر الله تعالى المؤمنين من فتنة الأزواج والأولاد والأموال، ونبههم إلى أن من الأموال والأولاد والأزواج من يكون لهم عدوا، قال تعالى:  “يَٰٓأَيُّهَا اَ۬لذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّ مِنَ اَزْوَٰجِكُمْ وَأَوْلَٰدِكُمْ عَدُوّاٗ لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْۖ وَإِن تَعْفُواْ وَتَصْفَحُواْ وَتَغْفِرُواْ فَإِنَّ اَ۬للَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٌۖ * اِنَّمَآ أَمْوَٰلُكُمْ وَأَوْلَٰدُكُمْ فِتْنَةٞۖ وَاللَّهُ عِندَهُۥٓ أَجْرٌ عَظِيمٞۖ “[ التغابن: 14- 15 ].

ويمكن استخلاص هذه الأنواع والمظاهر بما يلي:

  • إن الصبر على الشدائد والمحن والابتلاءات مهما تعاظمت وامتدت لا تدوم على أصحابها، ولا تخلد على مصابها، بل إنها أقوى ما تكون اشتدادا، أقرب ما تكون انفراجا، عن يسر وفرج وهناءة وحياة رضية مشرقة، فيأتي العون من الله تعالى والإحسان، عند ذروة الشدة والامتحان.
  • مما يعين على الصبر والثبات، اليقين بأن فرج الله آت لا ريب فيه، وأن ما وعد الله به الصابرين بالسعة بعد الضيق وبالعافية بعد الابتلاء وبالرخاء بعد الشدة، وباليسر بعد العسر، وما وعد به المبتلين من العوض لابد أن يتحقق بإذن الله، فما على المؤمن إلا الصبر، وعدم اليأس، وأن يكون أمله في الله، وثقته بالمستقبل، وأن الله لن يضيع صبره وعمله، وبأن وعد الله حق.
  • الثقة بحدوث الفرج من الله سبحانه وتعالى، وأنه ما من ضائقة إلا وتفرج.
  • تفويض الأمر لله سبحانه وتعالى، وعدم الاستعجال فكل شيء عند الله بقدر.
  • إن المسلم الذي امتحنه الله بمحنة في الدنيا، وتلقاها بجميل الصبر، وحمد الله على المحنة التي أصابته له الجزاء الحسن في الآخرة
  • تذكر المسلم لأحوال من هم أشد منه بلاء؛ فمن ينظر إلى الابتلاء الذي يمر به غيره يهون عليه ابتلاءه.
  • أن الابتلاء مرتبط بحياة الإنسان فما دامت هناك حياة فهناك حتما ابتلاء.
  • إن للبلاء فوائد تعود على المرء في دينه ودنياه وآخرته إذا صبر وحمد واسترجع واحتسب.
  • أن علامة رفع البلاء اشتداد العسر وضيق الحال، وشدة الكرب، مع وجود الصبر والرضا احتساب الأجر.
  • إن سنة الابتلاء سنة شاملة تشمل جميع أفراد الأمة دون استثناء أو محاباة لأحد حتى الأنبياء، فهي لا تتوقف في زمن دون زمن أو مكان دون مكان، فحياة الإنسان كلها ابتلاء على هذه الأرض إما بالسراء وإما بالضراء، فإن كانت السراء فيشكروا وإن كانت الضراء فيصبروا، ومن رحمة الله تعالى أن جعل الابتلاء على قدر إيمان الإنسان وتحمله.
  • على المؤمن أن يصبر، وأن يفوض الأمر إلى الله، ويتوكل عليه، ويثق بوعده ويرضى بصنيعه، ويحسن الظن به، وينتظر الفرج منه، وحينما يطمئن العبد إلى حسن العاقبة عند نهاية الامتحان ويعتمد على ربه في كل شأنه يجد الرعاية والولاية والكفاية، والتأييد والنصرة.

([1]) جامع البيان عن تأويل آي القرآن، للطبري، 2/374-375.

([2]) مدارك التنزيل وحقائق التأويل، للنسفي، 3/640.

([3]) إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم، أبو السعود، 8/259.

([4]) الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل، للزمخشري، 2/214.

([5]) صحيح البخاري، كتاب: الرقاق، باب: ما يحذر من زهرة الدنيا والتنافس فيها، ح: 6425، 8/90.

([6]) صحيح البخاري، كتاب: الجنائز، باب: زيارة القبور، ح: 1283، 2/79.

([7]) شرح رياض الصالحين، محمد بن صالح بن محمد العثيمين، آداب عامة،  باب: الصبر، ح: 31، 1/226.

([8]) صحيح مسلم، كتاب: البر والصلة والأدب، باب: تحريم ظلم المسلم، وخذله، واحتقاره ودمه، وعرضه، وماله، ح: 2564، 4/1986.

([9]) صحيح البخاري، كتاب: المرضى، باب: فضل من ذهب بصره، ح: 5653، 7/116.

([10]) سنن الترمذي، أبواب الزهد، باب: ما جاء في الصبر على البلاء، ح: 2396، 4/601، وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه.

([11]) مدارك التنزيل وحقائق التأويل، للنسفي، 1/640.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.