منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الزواج بآدابه الإسلامية وحقوقه |شعب الإيمان| الشعبة (7).

عبد الكريم بوداود

0

تتفاوت الشُعب في مراتبها من الإيمان، فمنها ما يكون في أعلى مراتب الإيمان، ومنها ما يكون في أدناها، وما بين أعلى الإيمان وأدناه شعب متعددة.

قال ابن القيم: الإيمان أصل له شعب متعددة، وكل شعبة تسمى إيماناً، فالصلاة من الإيمان، وكذلك الزكاة والحج والصوم، والأعمال الباطنة، وبينهما شعب متفاوتة تفاوتاً عظيماً[1].

والزواج بآدابه الإسلامية وحقوقه من أوثق عرى الإيمان، وذلك لما له من مكانة في دين الله، وما خصه به الله تعالى من الحرمة والتعظيم، في مقابل ما يترتب عنه من الفضل والقرب عند الله تعالى.

  • تعريف الزواج:

هو ميثاق تراض وترابط شرعي بين رجل وامرأة على وجه الدوام، غايته الإحصان والعفاف وإنشاء أسرة مستقرة، برعاية الزوجين[2]، فهو عقد له ضوابطه، يعطي كلا الزوجين حقوقا ويلزمهما بواجبات. والزواج في الإسلام “ليس فقط عقد بين ذكر وأنثى لإرضاء الفطرة، ولا هو استجابة للغريزة الراسخة في الإنسان فحسب، بل هو عهد وطيد غليظ”[3] بموجبه يأمن المؤمن والمؤمنة من الفتن، وتسلم الأمة من الموبقات، وتصان الأعراض، ويحفظ النسل والنسب. وفضائل هذه الشعبة كثيرة.

المزيد من المشاركات
1 من 48
  • تأصيله من القرآن والسنة.

رغَّب القُرآن الكريم في الزواج في آياتٍ شتَّى؛ فتارةً يردُ ذلك بصيغة الأمر؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ [النور: 32]، وتارَةً يَصِفُ الزوجة بالسَّكن؛ كما في قوله تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا ﴾ [الأعراف: 189]، وذكر سبحانه أنَّه جعَل بين الزَّوجين مودَّة ورحمة؛ كما في قوله تعالى: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً ﴾ [الروم: 21]، وفي هذا المعنى يقولُ سبحانه:﴿ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ ﴾ [البقرة: 187]، ولهذا قيل: “لا ألفة بين رُوحَيْن أعظم ممَّا بين الزوجين”.

كما وردت أحاديث عدة في هذا الباب وقد أوردها الأستاذ عبد السلام ياسين في كتابه “شعب الإيمان” وصنفها إلى أربعة عشر قسما، فصدرها بأحاديث “الترغيب في الزواج” فعَنْ عَبْدِاللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قال: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: “يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ؛ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ”[4]. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

  • فضل الزواج:

يأتي الزواج في الرتبة السابعة من شعب الإيمان ضمن خصلة الصحبة والجماعة، ورتبته تدل على مكانته، إذ يعد من أسس بناء المؤمن المُصلح والمجتمع الصالح. ف “الاستقرار الاجتماعي بالزواج، والإنجاب، وحمل مسؤولية بيت، من أهم ما عين على ترشيد الرجال”[5].

ومعلوم أن أفعال الإنسان عبادات ومعاملات وعادات، إلا أنه عند ذكر لفظ العبادة ينصرف الذهن إلى الصلاة والصيام والصدقة وغيرها من مظاهر التعبد وسبل التقرب إلى الله تعالى، في المقابل يصنف الزواج عند الكثير من أمور العادة وموروثات الأجداد، ولكنه في حقيقته غير ذلك، فهو أمر إلهي يُحمل على وجوه عدة (منها الوجوب والاستحباب والكراهة بحسب حالة المكلف) إلا أن قاعدته العامة وحكمه الشرعي الإباحة مع الترغيب والندب، ومن تمة ستوجب الأجر والثواب ودخل مضمار العبادة والتقرب إلى الله عز وجل. فمن يريد أن يؤجر ويعظم أجره في الزواج وما يترتب عليه، فعليه أن يخلص النية لله تعالى ويقصد مرضاته، فإن النية تجعل المباح عبادة يؤجر العبد عليها، قال النووي: وَفِيهِ أَنَّ الْمُبَاحَ إِذَا قُصِدَ بِهِ وَجْهُ اللَّهِ تَعَالَى صَارَ طَاعَةً وَيُثَابُ عَلَيْهِ وَقَدْ نَبَّهَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى هَذَا بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: حَتَّى اللُّقْمَةُ تَجْعَلُهَا فِي فِيِ امْرَأَتِكَ…. وَيَتَضَمَّنُ ذَلِكَ أَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا فَعَلَ شَيْئًا أَصْلُهُ عَلَى الْإِبَاحَةِ وَقَصَدَ بِهِ وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى يُثَابُ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ كَالْأَكْلِ بِنِيَّةِ التَّقَوِّي عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالنَّوْمِ لِلِاسْتِرَاحَةِ لِيَقُومَ إِلَى الْعِبَادَةِ نَشِيطًا، وَالِاسْتِمْتَاعِ بِزَوْجَتِهِ وَجَارِيَتِهِ، لِيَكُفَّ نَفْسَهُ وَبَصَرَهُ وَنَحْوِهِمَا عن الحرام وليقضي حقها وليحصل وَلَدًا صَالِحًا، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ[6]، بل إن الجماع مما يؤجر عليه العبد، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”… وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ، قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيَأْتِي أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ وَيَكُونُ لَهُ فِيهَا أَجْرٌ؟ قَالَ: أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي حَرَامٍ أَكَانَ عَلَيْهِ فِيهَا وِزْرٌ؟ فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي الْحَلاَلِ كَانَ لَهُ أَجْرٌ”[7].

  • الثمرة السلوكية للشعبة:

“شعب الإيمان البضـع والسـبعون، ركـائز سـلوكية لا يمكـن لطامح في مقامات الإحسان وسـلوك طريـق العرفـان أن يتجاوزهـا أو أن يتنكبهـا، وإلا كـان كمـن يبـني علـــى غـــير أســاس”[8]، وباعتبار الزواج إحدى هذه الشعب، بات على طالب الإحسان أن يحصل حظه منها، فإذا قام المؤمن بواجباته تجاه أهله، وأدت الزوجة ما عليها من أمور العِشرة وواجبات الزوجية والأولاد والإحسان إليهم، فإن ذلك لمما يطوي المسافات للمريد الطالب، فهو عمل يحبه الله ويثيب عليها ثواباً عظيماً، فقد ورد في الشرع أن أجر النفقة على الأهل من أعظم الأجور، فعن أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ قَالَ: “دينار أنفقته في سبيل الله، ودينار أنفقته في رقبة، ودينار تصدقت به على مسكين، ودينار أنفقته على أهلك، أعظمها أجراً الذي أنفقته على أهلك”[9].

والإنسان مأمور بحسن الخلق، وأهله أولى الناس بهذا التعامل، فإحسانك إليهم وتلطفك في عشرتهم، ورحمتك بضعفهم، يبلغ بك أعلى المراتب والدرجات فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إنَّ المؤمنَ ليُدرك بحُسن خُلُقه درجة الصائم القائم)[10]، ومن ثمة كانت علاقة المؤمن بزوجه والمؤمنة بزوجها برهان الصدق في الطلب، وعربون تحقق الغاية والمقصد، فشعب الإيمان بناء متكامل يقتضي مراعاة جوانبه كلها بإتقان وإحسان، حتى يؤتي أكله ويحقق مراده وغايته.


المصادر والمراجع

[1] كتاب الصلاة، ابن القيم، منشورات المجمع الفقه الإسلامي بجدة، ص53.

[2] مدونة الأسرة المغربية المادة 4

[3] تنوير المؤمنات، عبدالسلام ياسين، مطبوعات الأفق، الدار البيضاء، ج2، ص153.

[4] أخرجه البخاري، كتاب النكاح، باب قول النبي “من لم يستطع الباءة فليصم” رقم 5065، ومسلم، كتاب النكاح، باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه ووجد مؤونة واشتغل من عجز عن المؤن بالصوم، رقم 1400، واللفظ له.

[5] المنهاج النبوي، عبد السلام ياسين، ط: الثانية، ص141.

[6] السراج الوهاج في كشف مطالب مسلم بن الحجاج، أبي الطيب محمد صديق خان، دار الكتب العلمية، بيروت، ج4، ص183.

[7] شرح النووي على مسلم » كتاب الزكاة » باب بيان أن اسم الصدقة يقع على كل نوع من المعروف، 1006.

[8] الإحسان، عبد السلام ياسين، أفريقيا الشرق للطباعة والنشر، ط: الثانية، ج1، ص253.

[9] أخرجه مسلم، كتاب الزكاة، باب فضل النفقة على العيال والمملوك وإثم من ضيعهم، رقم995.

[10] أخرجه أبو داوود في سننه، 4798,

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.