منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

يا مراكش يا وريدة

عبد الفتاح بلخوار

2

أطلقوا عليها أسماء عديدة، ونعتوها بأجمل النعوت، ووصفوها بأبهى الأوصاف، كانت وما تزال – رغم صعوبات الحياة – مدينة للبهجة، مصدرا للفرح، يفوح عبير نكاتها ومستملحات أهلها فيعم سائر بلاد الله، هم أصحاب الفرجة وأسياد الركح بلا منازع.

كثيرا ما يدللها المغاربة فينادونها بالحمرا، يميزونها عن سائر مدن المغرب، فهي الحمراء بمبانيها وأسوارها وأبوابها، لونها يريح العين ويؤنس الروح.

و تزداد مكانتها علوا وسموا وهيبة، حين تذكر برجالها العظماء، شموس الهداية، من أعظم ما أنجبت أمة الإسلام، هم كثر سواء من حل بمراكش فعاش ومات بها أو من هو من أهلها مسقط رأس، غير أن المراكشيين انتخبوا من هذا الجم الغفير من العلماء والصلحاء سبع رجال، يكفي أن نذكر أسماءهم لنحس بالفخر والاعتزاز، وهم كما رتبوا زيارتهم: يوسف بن علي الصنهاجي، وعياض بن موسى اليحصبي، وأبو العباس السبتي، ومحمد بن سليمان الجزولي، وعبد العزيز التباع، ومحمد بن عجال الغزواني، وأخيرا سيدي الإمام السهيلي، رحمهم الله تعالى رحمة واسعة، تتجول في أزقة المدينة ودروبها، فتشم عبق التاريخ، وتجد لسانك يدندن دون أن تشعر بأغنية الراحل الرائع اسماعيل أحمد، وهو يتغنى بالمدينة وجمالها، تجد لسانك يغني:

يا مراكش يا وريدة

بين النخيل

المزيد من المشاركات
1 من 40

وبهاك يسطع نور

فوجهك لجميل

حسن بهاك مالو مثيل

لله ذر الشاعر الغنائي الزجال محمد بلحسين الذي أبدع هذه المقطوعة، ووصف مراكش بأحسن ما يمكن، فموقع المدينة يحفز لا شك قريحة الشعراء والمبدعين،

موقعها على سفوح جبال الأطلس الرائعة، الجميل الطلة والشيب يعلو رأسه، على بعد ثلاثين كلمترا منها، إضافة إلى واحات النخيل الكثيرة المنتشرة هنا وهناك، أعطياها تنوعا مناخيا مذهلا، وهي أيضا ملتقى الطرق الرابطة بين جنوب المغرب وشماله، وهي مع هذا كله قريبة من البحر، فساعتان من الوقت كافيتان لتصل إلى أجمل المدن الشاطئية في الوطن: الصويرة أو الجديدة أو آسفي أو الدار البيضاء أو أكادير.

وضع حجر أساسها الملك العدل أمير المسلمين يوسف بن تاشفين، كان ذلك بعد أن استطاع أن يبسط دعوة المرابطين وينشرها في المغرب كله، وبعد أن اشتد بأسه وكثر جنوده، وضاقت عليه مدينة أغمات التي كانت عاصمة الدعوة المرابطية، فاستقر رأيه على أن يؤسس مدينة أكبر تكون مستقرا لجنده، فاختار مراكش وبنى بها قصبة صغيرة لاختزان أمواله وسلاحه، كما بنى بها مسجدًا بالطين والطوب اللبن، كان ذلك سنة (454هـ= 1062م). وقد أقام يوسف بن تاشفين بادئ الأمر في الخيام، وكانت المدينة بدون أسوار، ثم أُقيمت بها القصور والأبنية فيما بعد، وحُفِرت بها الآبار، وأول ما أنشأه يوسف بن تاشفين في المدينة هو القسم الذي يُعرف بسور الحجر قرب جامع الكتبيين. وأكمل علي بن يوسف بن تاشفين بناء مراكش وأدار عليها السور سنة 526 ه دام بناؤه ثمانية أشهر، وأنفق عليه سبعين ألف دينار، كما بنى المسجد الأعظم المعروف حاليا بمسجد بن يوسف وأنفق عليه رحمه الله ستين ألف دينار.

اختلف الناس في سبب التسمية، فقائل أن معنى مراكش هو أرض الله ومنهم من قال أنها مر مسرعا لظنهم أن المكان الذي بنيت عليه المدينة كان مأوى لقطاع الطرق، والله أعلم بسبب التسمية أو معناها، المهم أنها مدينة عظيمة كانت وما تزال، عاشت أزهى أيامها وأسعدها وهي عاصمة للإمبراطورية المغربية، تحت حكم المرابطين ثم الموحدين ثم السعديين، وبقيت مكانتها منذ ذلك الحين ثابتة لم تتغير، كلما ذكرت ذكر المغرب، بل مراكش من أشهر أسماء المغرب الأقصى، عانت لا شك انتكاسا عمرانيا وحضاريا واقتصاديا أيام المرينيين لما جعلوا عاصمتهم فاس، واهتموا بها أيما اهتمام، في المقابل همشوا الحمراء وضيقوا عليها، لكنها استردت عافيتها ومكانتها السياسية مع قدوم السعديين.

أشهر معالمها التاريخية بني في عهد الموحدين، ابتداء من حي القصبة ومسجدها الذي سني آنذاك بمسجد المنصور، ومسجد مولاي اليزيد حاليا، مرورا بمسجد الكتبية وصومعة، ثم حدائق المنارة، وقصر البديع الرائع الجمال، وإن كانت الدولة المرينية لم تترك آثارا كثيرة في المدينة سوى ما يعرف اليوم بمدرسة بن يوسف، فإن الدولة المرابطية تركت بصمتها في مآثر مراكش نذكر منها السور الذي يحيط بها، ومسجد بن يوسف وقبة المرابطين، ولا ننسى أبدا ما خلف السعديون من معالم في المدينة كمسجد المواسين وسقايته، ومقبرتهم المسماة باسمهم إلى الآن.

وستبقى مراكش في وجدان العالم هي المغرب، وسيظل الناس كلما تذكروا أحد رجالاتها السبعة يذكرونها حتما، نسأل المولى أن يحميها وسائر بلاد المسلمين.

2 تعليقات
  1. مولاي رشيد غلابي يقول

    بارك الله في قلمك أستاذ عبد الفتاح. لم أجد كلمات أصف بها روعة هذا المقال فقد جمع سحر البلاغة كلها مجسدة في العبارة التليدة: السهل الممتنع. فبين روعة الأسلوب، وجمال النظم، وسلاسة التعبير، ورقة المعاني، والإبداع في التصوير، ورشاقة الانتقال عبر الزمن، وبهجة الألفاظ المفعمة بالحياة والحيوية، ونبض العبارة الممزوج بنبض القلب، مع صدق اللهجة، وسمو الهمة، ووقار الكلمة … ومع كل هذا، وقبل كل هذا، وبعد كل هذا، روح إيمانية سارية تحت الكلمات سريان الروح في الجسد، جارية جريان الدم في العروق، وجريان الماء في الأرض العطشى، إذا جرى بها اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج. حياك الله من أديب، لقد أبهجت قلوبنا بجمال وحسن وبديع حديثك عن مدينة البهجة. زاد الله قلمك بيانا وحسنا ورفعة وتقبل منك بقبول حسن.

    1. عبد الفتاح بلخوار يقول

      أشكرك دكتور رشيد على تعليقك الأنيق و الراقي، سعدت به أيما سعادة، شكرا لك أستاذي و دام لك الألق.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.