منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الزواج ومقاصده في الإسلام

عبد الصمد الخزروني/ الزواج ومقاصده في الإسلام

0

 

الزواج ومقاصده في الإسلام

بقلم: عبد الصمد الخزروني

 

 مقدمة

تعلمون أيها الأحباب أن الزواج بشكل عام هو ظاهرة اجتماعية لها تاريخ طويل في حياة البشرية، به ابتدأت مع أبينا آدم وأمنا حواء عليهما السلام، وبه استمرت وتكاثرت أعدادا وأجناسا وألوانا. وقد دعت إليه الديانات السماوية كلها حفاظا على النسل والشرف وقضاء على كل ما يضر بهما من الفواحش والمفاسد. وفي الإسلام تحتل ظاهرة الزواج مكانة مهمة من حيث الدعوة إليه والترغيب فيه، ومن حيث إبرام عقده وإقامة وليمته، ومن حيث نجاحه والحفاظ على رابطته. ويكفي للزواج في الإسلام قدسية أن يرقى إلى اعتباره ميثاقا فيما يشبه ميثاق الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.

المزيد من المشاركات
1 من 42

حسبنا في هذا الموضوع أن نطرح سؤالين مهمين يكفي الجواب عنهما الإحاطة بجوانب الموضوع كلها.

السؤال الأول: ما هو الزواج الإسلامي؟ والسؤال الثاني: ما مقاصده في الإسلام؟

الزواج الإسلامي

فيما يخص الجواب عن السؤال الأول، فإن الزواج الاسلامي ليس فقط عقدا بين ذكر وأنثى لإرضاء الفطرة، ولا هو استجابة للغريزة الراسخة في الانسان فحسب، بل هو عهد وطيد غليظ. هكذا وصفه الله عز وجل في كتابه العزيز. إذ قال سبحانه وتعالى: [وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا] (النساء:21). وقد جاء في التفسير عن قتادة قوله: “وأخذن منكم ميثاقًا غليظًا“. والميثاق الغليظ الذي أخذه للنساء على الرجال: إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان.

إلى جانب هذا فإن الزواج الاسلامي يُعتبر بما يُسبغ عليه جلالُ الميثاق الغليظ من قدسية، نقيضا للعلاقات السائبة والفاسدة غير المسؤولة ولا المقيدة بضابط شرعي أو خلقي. الزواج الإسلامي باختصار شديد هو اختيار ومسؤولية وتيسير، وهو أيضا تلاطف وتعاطف، هو ألفة وقُرب. ومن ثوابت الإسلام الشرعية في الزواج الكفاءة بين الزوجين. ومعيار هذا التكافؤ بين الزوجين نجده في قوله صلى الله عليه وسلم: “إذا خطب إليكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلا تفعلوا تكون فتنة في الأرض وفساد عريض”[1].

وفي هذا السياق ليس من شرط صحة الزواج الاسلامي أن تحلف له، ويحلف لها، لكن مجرد القبول والرضا والإشهاد يتضمن العهد واليمين والأمانة. في صحيح مسلم عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في خطبة حجة الوداع: “استوصوا بالنساء خيرا، فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله”. كلمة الله وأمانته وعهده وشريعته هي: [إِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ][2].

بهذا الفهم نسموا بالزواج الإسلامي من واقع الهوس والاختلاط الإباحي المستهين بالقيم والفطرة والدين الى أن يكون حياة طيبة لها أصل ثابت في أرض الشرع، وله فروع في سماء الأسرة تأتي أكلها من الأجيال الصالحة والمصلحة بإذن ربها الخير الكثير.

مقالات أخرى للكاتب
1 من 14

مقاصد الزواج

أما الجواب عن السؤال الثاني عن مقاصد الزواج في الإسلام، فقد حدد العلماء والفقهاء للزواج شروطا وأركانا، كما حددوا له أهدافا ومقاصد، وحسبنا في هذا الموضوع أن نتحدث عن المقاصد التي نراها مهمة، والتي تعطي للجواب عن السؤال حقه. وهي مقاصد ذات أبعاد فردية وجماعية، آنية ومستقبلية. يمكن أن نذكر منها ما يلي: الاستقرار والاستمرار والتعبد والتحصين وتكثير السواد.

أولا: مقصد الاستقرار:

وهو أن تكون الحياة الزوجية مبنية على أسس المودة والرحمة من جهة، ومن جهة أخرى مبنية على التعاون والتطاوع بين الزوجين من خلال توزيع الوظائف الموكلة إليهما. فللرجل وظيفة القوامة وللمرأة وظيفة الحافظية. يقول الله تعالى: [ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة، إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون] (الروم:21). “لتسكنوا إليها” فيه دليل على أن مقصد الاستقرار في الزواج يحتل أولوية كبيرة في مشروعه، في نجاحه أو فشله.

“وعندما يحصل الاستقرار يمكن للأسرة أن تحتضن هذا الإنسان الفرد وتعمل على حفظ فطرته وتسهر على تربية شخصيته حتى يصبح رجلا مؤمنا وامرأة مؤمنة. وبهذا الاستقرار أيضا يمكن للأسرة ان تبني عمرانا أخويا وتصنع مجتمعا سويا متماسكا بأفراده وقويا بأُسَره الذي سيتطلع إلى بناء الأمة بتوحيد مجتمعاتها”[3].

ثانيا: مقصد الاستمرار:

ونعني به استمرار الحياة الزوجية المبنية على الاستقرار، بحيث إنها لا يقف عطاؤها وامتدادها عند الحياة الدنيا فقط، بل يتجاوزها إلى الآخرة لتكون حياة طيبة في جنات النعيم. يقول الله تعالى: [وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ ۚ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ] (الطور:21). الزواج عند الناس بحسب فهمهم رباط يؤمّن العلاقات الجنسية ويحفظها بشكل من الأشكال من الحرام، لكن الزواج الاسلامي يحفظ ذلك كله وهذا الهدف مقصود فيه، ولكن فوق ذلك الهدف هناك معاني أخرى تسمو به ليكون الطيبات للطيبين والطيبون للطيبات يجمع شملهم الطهر والايمان والاحسان والرحمة والمودة في الدنيا لتسعد رحلتهم إلى الآخرة حيث يقال لهم: [ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ] (الزخرف:70).

ثالثا: مقصد التعبد:

ونعني به أن لا يكون الزواج عبارة عن عادة من العادات تتم إجراءاته ومراسيمه وطقوسه وأفراحه في غفلة من ذكر الله تعالى، وفي مَعزل من الآداب الإسلامية، وبعيدا من أي توظيف دعوي. بل الزواج أن تكون مناسبته بما يُعرض فيها من نموذج إسلامي وما يُقدم فيها من برنامج منظم ومهيّأ بكل فقراته عبادةً يرتقي بها الزواج إلى أن يكون حقّاً رباطا مقدسا وميثاقا غليظا يشبه ميثاق الانبياء. يقول الامام رحمه الله: “ان حفظت المرأة وقام الرجل بأعباء الميثاق الغليظ اكتست كل اعمالهما وما يتبادلان من معروف وما يتباذلان من عطاء صبغة العبادة والتقرب الى الله عز وجل”[4]. تبارك الله رب العالمين، إذ رفع قدْر الزواج ومكانته فأشبه ميثاقه ميثاقَ النبيئين، وتبارك الله رب العالمين إذ ألحقَ المعاشرة الزوجية بأصناف العبادات من ذكر وتسبيح وجهاد. الحمد لله رب العالمين.

وفي مقصد التعبد يتمّ استحضار النية للحصول على الأجر والثواب في كل ما يفعله الزوجان لبعضهما البعض ويقدمانه ويتعاونان فيه. فقد قال صلى الله عليه وسلم: “إن بكل تسبيحة صدقة وكل تكبيرة صدقة وكل تحميدة صدقة وكل تهليلة صدقة وأمر بالمعروف صدقة ونهي عن منكر صدقة وفي بضع أحدكم صدقة، قالوا : يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال : أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر[5]. وقد قال ابن دقيق العيد في شرح الأربعين عند قوله صلى الله عليه وسلم “وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ“: “وقد تقدم أن المباحات تصير بالنيات طاعات؛ فالجماع يكون عبادة إذا نوى به الإنسان قضاء حق الزوجة ومعاشرتها بالمعروف، أو طلب ولد صالح، أو إعفاف نفسه أو زوجته أو غير ذلك من المقاصد الصالحة“.

رابعا: مقصد التحصين:

ونقصد به وقاية الرجل والمرأة من عوامل الفتنة ما ظهر منها وما بطن، والدخول في عالم الطهر والطهارة والعفة. يقول الامام عبد السلام ياسين رحمه الله تعالى: “مقصد سام للزواج الاسلامي حيث جعله الله سياجا صحيا واقيا من المفاسد يصون في عش الزوجية الدافئ الفطرةَ التي فطر اللهُ الناس عليها لا تبديل لخلق الله”[6].

فما أحوج الناس إلى التوعية بهذا الركن العظيم وإلى الترغيب فيه وتيسير سبل تحقيقه، لتنتشر الطهارة والفضيلة في المجتمع، وتتراجع الفاحشة والرذيلة، ويُحفظ النسل والعرض حتى لا تتشوه الفطرة وتفسد الأجيال الناشئة.

خامسا: مقصد تكثير السواد:

والمقصود منه إمداد الأمة بما تحتاجه من كفاءات تربوية وعلمية وحركية. التركيز على النوعية شرط لتفادي الغثائية التي تعيشها الأمة. وهذا البعد الجماعي للزواج مهم جدا لأن الكثير من الناس إن لم نقل أغلبهم يغفلون عنه بل يسقطونه من حساباتهم. المهم عندهم هو البعد الفردي وخاصة المادي منه، تحقيق المتعة وإنجاب البنين. أما التفكير في إمداد الأمة برجال مؤمنين ونساء مؤمنات يكونون رواحل لحمل الهمّ والمساهمة في التغيير والبناء فأمر لا يخطر على بال. ولذلك التوعية بهذا المقصد الذي يمثل البعد الجماعي في الزواج مطلب ثقافي ودعوي مهم جدا.

يقول النبي صلى الله عليه وسلم: “تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم”. وفي رواية: “تكاثروا فإني مباه بكم الأمم يوم القيامة[7]. هنا سؤال: بمن سيتباهى ويفتخر النبي صلى الله عليه وسلم؟ لابد من التركيز على النوعية من خلال التربية والتعليم وإلا كانت الغثائية التي تعتبر مرض الأمة في ازدياد.

مقاصد أخرى

إلى جانب هذه المقاصد هناك مقاصد أخرى أشار إليها العلماء إما مصنفة في كتاب أو مبثوثة في ثناياه، منها: الامتثال لأمر الله تعالى بالزواج، اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سنة الزواج. إنجاب الأولاد، بناء الأسرة… وأذكر واحدا من هؤلاء العلماء وهو الإمام أبو حامد الغزالي رحمه الله تعالى فقد ذكر للزواج مقاصد في كتابه “الإحياء“، وحدّدها باختصار في خمسة وهي:

أولا: تحصيل الولد وهو المقصد الأصلي، وهو قربة من أربعة أوجه:

  1. موافقة محبة االله بالسعي في تحصيل الولد لإبقاء جنس الإنسان.
  2. طلب محبة رسول االله في التكثير من مباهاته.
  3. طلب التبرك بدعاء الولد الصالح بعده.
  4. طلب الشفاعة بموت الولد الصغير إذا مات قبله.

ثانياً: التحصن من الشيطان، وكسر التوقان، ودفع غوائل الشهوة وغض البصر، وحفظ الفرج.

ثالثاً :تَرويحُ النفس وإيناسها بالمجالسة والنظر والملاعبة، وإراحة القلب وتقويته على العبادة.

رابعاً: تفريغ القلب من تدبير المنزل والتكلف بشغل الطبخ والكنس والفرش وتنظيف الأواني وتهيئة أسباب المعيشة.

خامساً: مجاهدة النفس ورياضتها بالرعاية، والولاية، والقيام بحقوق الأهل، والصبر على أخلاقهن، واحتمال الأذى منهن، والسعي في إصلاحهن، وإرشادهن إلى طريق الدين والاجتهاد في كسب الحلال لأجلهن، والقيام بتربيته لأولاده.

خاتمة

وفي الأخير يبقى أن نشير إلى أن تحقيق هذه المقاصد التي ذكرناها للزواج في الإسلام والتي لم نذكر إنما يتوقف على مدى صحة البدايات التي تفضي إليها باعتبارها نهايات وأهدافا ونتائج وثمرات. البدايات استحضار الشروط والآداب والأركان التي يصح بها الزواج ويثبت بها عقده. البدايات الكفاءة والاختيار الحسن والاستخارة والاستشارة والأمانة والعهد.

[ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما] (الفرقان:74).

آمين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.


[1] أخرجه الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه.

[2] – يُنظر عبد السلام ياسين، تنوير المؤمنات ج2، ص:153.

[3] – عبد الصمد الخزروني، مقال “أهمية الأسرة في احتضان الإنسان”.

[4] – عبد السلام ياسين، تنوير المؤمنات ج2، ص:156.

[5] – رواه مسلم في صحيحه.

[6] – نفس المرجع، ص:155.

[7] – رواه النسائي وأبو داود والإمام أحمد.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.