منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

«الإعلام والتواصل» في العصر النبوي: من تلقائية الفعل إلى الاستثمار الدعوي وتحفيز آليات الإبداع

ذة. رجاء الرحيوي/المغرب

نشر هذا المقال بمجلة ذخائر العدد السابع

تنزيل وقراءة المقال بصيغة pdf

ملخص:

إن حاجة الإنسان إلى التواصل مع الآخر ومع محيطه، دفعته للابتكار وسائل متعددة ومتنوعة لبلوغ هذا القصد، ففطرته البشرية الرامية إلى التعايش مع مكونات اجتماعية مختلفة، فرضت عليه التعاطي مع رسائل كل هذه المكونات والتي قد لا يستوعبها كل فرد إذا لم يمتلك المقومات والأسس والركائز المساعدة على الفعل التواصلي وتحريك آلياته، غير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان – نموذجا –  تحققت فيه هذه الملكة التواصلية التي حولها إلى فعل إعلامي يتجاوز صداه حدود المكان والزمان وبآليات إبداعية جعلت الرسالة ذات معالم واضحة عند كل متلق تستوعب الاختلاف الفكري والعقدي ،ولا تستنسخ الخطاب التواصلي فيمله الناس ويحجموا عنه، وهذا التنوع الإبداعي هو ما أعطى الإشعاع الإعلامي عبر مراحل تبليغ الرسالة النبوية، إذ أن هذا البحث يدقق النظر في أشكال التواصل التي برزت من خلال شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم  وكيف طورها بحكمة نبوية لتتطور إلى ما نصطلح عليه اليوم بالإعلام، وبالرجوع إلى تلك الحقبة ومقارنتها بواقع الحال، فإن المرحلة النبوية عرفت تقدما مهما في هذا الجانب الذي كان مسددا بالهدي الإلهي.

الكلمات المفتاح: الإعلام – التواصل – الإبداع – الاستثمار الدعوي – رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم.

المزيد من المشاركات
1 من 36

قراءة وتنزيل البحث بصيغة pdf

Abstract:

The need for human communication with each other and with its surroundings has led them to innovate in a variety of ways to achieve this purpose. It is the human instinct that aims at coexisting with different social components imposed on them to deal with the messages of all these components, which may not be absorbed by everyone if he does not possess the ingredients, bases and pillars that help in the communication act and shaking its mechanisms. Yet, the Prophet (may the peace and blessings of Allah be upon him) was a model who possessed this communication endowment. He turned it into a media act that transcends the limits of space, time and creative mechanisms. It also made the message, which can understand intellectual and complex differences, clear in every recipient. What is more, it does not reproduce the communication speech that people may get bord of or refrain from it. This creative diversity is what gave the media radiation through the stages of communicating the prophetic message. On this basis, this research examines the forms of communication that have emerged through the personality of the Prophet (may the peace and blessings of Allah be upon him) and how he has developed them wisely to become what we call today the “media”, by referring to that era and comparing it with the real situation. The prophetic stage knew an important progress in this aspect, which was achieved by divine guidance.

Keywords: media, communication, innovation, investment claim, Prophet Muhammad (may the peace and blessings of Allah be upon him), Islam.

 

مقدمة:

إن حاجة الإنسانية إلى التواصل فيما بينها منذ الأزل، خلق أشكالا إبداعية متواترة طورت معالم التفاعل بين البشر ومن يحيطون بهم، ربما ليس الإنسان وحده من استأثر بهذه الخاصية ذلك أن الحيوان كان له الأثر البالغ في الفعل التواصلي بأشكال متعددة، أغلبه يمكننا تأطيره في جانبه الفطري الذي يتناسب مع كل مجموعة أو فئة لها خصائصها وأصواتها وحركاتها المميزة لها، دافعهم في هذا التواصل الذي قد ينتقل إلى فعل إعلامي، إما الحاجة الغذائية أو البيولوجية أو الدفاعية.

مقالات أخرى للكاتب
1 من 4

إلا أن الإنسان تجاوزت حاجاته إلى التواصل والإعلام حدود دوافع باقي الكائنات، ذلك أن الفعل التواصلي والإعلامي عنده لا يقتصر على ما هو فطري، بل يتجاوزه إلى ما هو مكتسب، وتنامي مكتسبات الإنسان رهين بتزايد حاجاته وتعددها. مما يجعل قدراته تتطور مع مرور الزمن، وما كان بالأمس كماليا يعد من ترف الحياة يصبح اليوم مع تسارع الوقت أمرا ضروريا لا غنى عنه، ويتم ترويجه إعلاميا ليزداد عليه الإقبال ويصبح جزءا لا يتجزأ من المشهد الذي يؤثث حياة الإنسان.

من هنا سأقف على حقبة زمنية معينة تختلف حدودها المكانية، وتشترك في تنامي أشكال التواصل والإعلام، بل وتبدع في تطوير آلياتهما، ولم يكن القصد والغاية تنحصر في هذه الآلية في حد ذاتها بل تمتد لغيرها، إذ أن الغاية هي تبليغ دعوة الله تعالى ورسالة التوحيد بأشكال مختلفة، فكان حرص رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن يبدع ويحفظ ويحفز الغير كذلك على أشكال وأساليب متنوعة لما يعرف في زماننا بالإعلام والتواصل.

المبحث الأول: الفعل الإعلامي والتواصلي أملته حاجة الدعوة في العصر النبوي

لقد كانت حاجات الإنسان العربي البدوي لا تعدو أن تكون مطالب مادية، يروج من أجلها كل الخرافات والأساطير الوثنية ويتواصل مع الحلفاء حفاظا على أمنه وبقائه ضد الأعداء، ويستجمع قواه وهيبته من خلال أشكال تواصلية تعبر عن قوته وغلبته. وتشير للآخر بعدم التفكير في أخذ مكانه، وقد نجد تشابها بينه وبين الفعل الحيواني داخل الغاية حينما يستفرد الأسد دون غيره بأسباب القوة والهيمنة، ويعطي إشارات دائمة بعدم الاقتراب من دائرته.

كل هذه الإشارات التواصلية الغير مباشرة، هي عبارة عن حركات لكن لها دلالات عميقة تصبح واضحة في كل مجتمع يألفها بل ويقبل مضمونها ومحتواها.

إن تغيير منظومة المجتمع التوافقية ضمنا وإن كانت منظومة يسودها الظلم، قد تصعب في أحيان كثيرة، إلا أن الحقبة النبوية كان لها أثرها في التغير على جميع المستويات والأصعدة، ففي ظل أشكال تواصلية تغلب عليها إشارات الاستقواء سيد المنطق المتداول ولا مكان للضعفاء، ستبرز لغة جديدة تفرض أشكالا تواصلية مختلفة وإعلامية مثيرة للجدل.

1 ـ الأمر بتبليغ الدعوة:

في زمن الرتابة الوثنية والاذعان للغة القهر واستبلاد العقل، يخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمر رباني سماوي ليتواصل مع قومه برسالة جديدة، لم يألفها هؤلاء القوم ولم يسمعوا بها قط، فكان التحدي في الإخبار والتواصل والإعلام بما هو غير مألوف من عند من اعتادوا صدقه وفصاحته وأمانته في القول والفعل. فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: “لما نزلت ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾ صعد صلى الله عليه وسلم الصفا فجعل ينادي: “يا بني فهد، يا بني عدي” لبطون قريش حتى اجتمعوا فقال: “أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي؟” قالوا نعم ما جربنا عليك إلا صدقا قال: “فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد”.

قال أبو لهب: تبا لك يا محمد ألهذا جمعتنا؟” أخرجه البخاري ومسلم والترميذي”.([1])

لقد حاول الرسول صلى الله عليه وسلم التواصل مع قومه بما ألفوا منه من صدق لكن حينما جاء الخطاب على غير معهودهم لم يقبلوه.

أما الجانب الإعلامي فيبدوا أنه كان مألوفا، فبمجرد نداء الرسول صلى الله عليه وسلم اجتمع القوم على وجه السرعة وهذا دليل على أن لهم عهدا بالأمر وفي ذلك إشارة إلى أنه قد تستعمل وسيلة إعلامية إلا أن محتواها إذا لم يعهد عند المتلقي فقد يرفضه، وهذا ما يستوجب استعمال أساليب مختلفة للتأثير في المتلقي.

والسؤال هنا هل رفض محتوى الرسالة كان سببه عدم فهمها، لعائق تواصلي قد يحول بين المرسل والمرسل إليه؟

لكن يتبين من خلال صاحب الرحيق أن الأمر خلاف ذلك حيث يخبر عن إصرار الرسول صلى الله عليه وسلم في تبليغ رسالته السماوية بأمر رباني “ولم يزل هذا الصوت يرتج دويه في أرجاء مكة حتى نزل قوله تعالى: ﴿فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين﴾ الحجر 94. فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يعكر على خرافات الشرك وترهاته، ويذكر حقائق الأصنام، ويضرب بعجزها الأمثال ويبين بالبينات أن من عبدها وجعلها وسيلة بينه وبين الله فهو في ضلال مبين”([2]).

وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن الرسالة التواصلية كانت واضحة وضوح الشمس، وأن الجانب الإعلامي روج لها، مما جعل أصحاب النفوذ الذين جاءت على غير هواهم ومخالفة لما يعتقدون من مصالح اعترضوا عليها قصد إيقاف مدها الإعلامي وحصر محتواها. الذي انتشر بسرعة البرق في سائر مكة وشعابها حيث “انفجرت مكة بمشاعر الغضب، وماجت بالغرابة والاستنكار حيث سمعت صوتا يجهر بتضليل المشركين وعبادة الأصنام”([3]).

انتشار هذه الرسالة الغير مرضية لأهل مكة، بنمط إعلامي متعارف عليه، يجعل فئة تستمع بشكل مباشر لمضمون الرسالة وتنقله إلى البقية بأساليب متعددة، معظمها سيثير الغضب والشحناء ضد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلماذا لم يتم إقبار الرسالة بقتل صاحبها؟ المحاولات في ذلك كانت كثيرة، بل والهجوم الإعلامي المضاد كان أكبر، لكن قبل هذا وذاك كان هناك تأييد إلهي يحمي الرسالة وصاحبها من كل سوء. “فأعلم الله رسوله منة عليه بما سبق في علمه. من عصمته إياه من خلقه فقال: ﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس إن الله لا يهدي القوم الكافرين﴾ على المائدة 67 (…) فأبان الله أن قد فرض على نبيه اتباع أمره، وشهد له بالبلاغ عنه”([4]).

قوة الرسالة وصدقها كان يوازيه قوة وصدق في التبليغ، ما جعلها تبلغ الآفاق فيما بعد، في حين لو قارنا ما يحدث في محاولة نشر الإشاعة لوجدناها تنتشر في حينها ثم تخبو سريعا، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن صدق الخبر يكون له الأثر البالغ بين الناس والاستمرارية في تداوله والاعتماد عليه كمرجع.

2 ـ التريث والبيان في الإبلاغ

لابد لصاحب الرسالة أن يكون له صبر جميل ونفس طويل مع الفئة التي سيتواصل معها، على اختلاف مشاربهم الفكرية والعقدية والسلوكية وأنماط العيش. وهذا ما تميزت به شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم، فرسالته العالمية تقتضي التواصل مع أصناف مختلفة من الناس، وأجناس وأعراق لها خلفياتها وحمولتها التي في غالب الأحيان لا تقبل التنازل عنها بسهولة، لأنها تربية أجيال تأخذ من القداسة في نفوس أصحابها ما يمنع الآخر كيفما كان الولوج إلى دائرة الأعراف والتقاليد وموروث الأجداد.

إلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت له الحكمة البالغة في تفكيك بنية عقل المجتمع الراكن نحو الجمود، إلى عقلية قابلة للتفاعل والتواصل والانسجام، هذا الأمر لم يكن سهلا مطلقا، لأن ثقل الرسالة وجدَّتها جعله عليه الصلاة والسلام يتلقف الخطاب القرآني بعجلة خشية التفلت، وهذا الأمر قد يستعصي معه البيان أثناء التبليغ، فأنزل الله ﴿لا تحرك به لسانك لتعجل به. إن علينا جمعه وقرآنه﴾ قال: يقول إن علينا أن نجمعه في صدرك، ثم نقرأه: (فإذا قرأناه) يقول: إذا أنزلناه عليك: (فاتبع قرآنه) فاستمع له وأنصت (ثم علينا بيانه) أن نبينه بلسانك”([5]).

فإذا كان لابد من التريث في تلقي القرآن الكريم محور الدعوة وكلام الله تعالى حفظا وفهما، لأن الغاية التبليغية المتضمنة للرسالة التواصلية الإعلامية تقتضي البيان، والبيان يتنافى مع العجلة، ذلك أن أفهام الناس تتفاوت في قدر الاستيعاب، والرسالة لا تستثني أحدا من العالمين فكان البيان من ضرورات التواصل الذي يعمل على إنجاح هذه الرسالة بما لا يترك مجالا للغموض أو سوء الفهم. وهذا ما استثمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن استثمار، فلو “رجعنا إلى العصر النبوي لرأينا رسول الله في البيت والمسجد والسوق وساحة المعركة، وفي الحضر والسفر معلما للرعيل الأول من الصحابة الكرام، يرشدهم بأقواله وأفعاله إلى فهم القرآن في كل نازلة تقع لهم، ولرأينا من عناية أولئك الصحابة بسنته عليه السلام مالا تدرك العبارة وصفه، حتى كان بعضهم يتناوبون مجلسه يوما بعد يوم، ينزل هذا يوما وينزل ذاك يوما آخر، ثم يخبر كل منهما صاحبه بما سمع من أقوال رسول الله وتوجيهاته، مخافة أن يفوت أحدهم منها شيء، بعد أن شوقهم عليه السلام إلى العلم وأروى ظمأهم إليه بمثل قوله: “رحم الله امرئ سمع مقالتي فأداها كما سمعها، فرب مبلغ أوعى من سامع”([6]).

إذًا لم تكن الغاية في البيان التعليم والتلقين فحسب، بل كانت الغاية أبعد من ذلك في جعل المتلقي بعد فهم الرسالة الفهم الصحيح يعمل على تبليغها بدوره، وينقلها جيلا بعد جيل، بالتواتر الذي لا يترك مجالا للعبث بمحتواها ومضمونها وأهدافها وغاياتها.

ولذلك كانت بداية البيان والإبلاغ من المقربين لأنهم الأقدر على فهم الرسالة التي نزلت بلغتهم، وبما يفقهون من القول والبلاغة و”لأنهم أعرف به صلى الله عليه وسلم قبل النبوة وأنهم كانوا يلقبونه بالصادق الأمين، فإذا قامت الحجة عليهم تعدت إلى غيرهم(…) وهذه النذارة الخاصة بالعشيرة الأقربين لا تنافي النذارة للعموم على حد قوله تعالى: ﴿لتنذر أم القرى ومن حولها﴾ الشورى / 7″([7]).

وحرص رسول الله صلى الله عليه وسلم على الرعيل الأول من الصحابة رضوان الله عليهم في التعليم والتربية والاعتناء والتتبع والاحتضان والبيان في كل ذلك بحكمة تقتضي التريث والصبر على اختلاف الطباع والعادات، من بين مقاصده تشجيع آليات التواصل التي يمتلكها كل واحد من الصحابة الكرام، وقدرته على التفاعل مع جميع مكونات المجتمع القبلي، بل والمجتمعات التي تصطف في مصاف الإمبراطوريات المتقدمة كالفرس والروم، والتي كان من الضروري التواصل معها لأنها جزء من هذا العالم المقصود برسالة التوحيد التي لا تستثني أحدا.

فكان لابد من تطوير آليات التواصل والإعلام حتى يبلغ المدى المطلوب، ويحرص على الدقة والوضوح في محتوى الرسالة بكل مقاصدها، وهذا يحتاج إلى نفس قوي يستطيع المعلم من خلاله اقتناص قدرات المتعلم، وتشجعيها على التطور والإبداع، ولنا نماذج كثيرة تحكيها السيرة في توجيه الرسول صلى الله عليه وسلم للصاحبة الكرام دون تقيد لقدراتهم كما فعل مع معاذ بن جبل حين أرسله إلى اليمن، وكما استفاد الصحابة رضوان الله عليهم حينما ألزمهم اضطهاد قومهم بالابتعاد عن مكة إلى الحبشة.

فلم يكتفي كفار قريش بذلك، بل طاردوهم ولحقوا بهم ليألبوا عليهم ملك الحبشة المعروف بحكمته وعدله، فبرز هنا تعليم رسول الله صلى الله عليه وسلم لصحابته الكرام من خلال حسن خطابهم وأجوبتهم على أسئلة الملك الذي قال: “ما هذا الدين الذي فارقتهم به قومكم، ولم تدخلوا في ديني ولا في دين أحد من هذه الملل؟ (فأجابه جعفر بن أبي طالب) فقال أيها الملك: كنا قوما أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة ونأتي الفواحش ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولا منا، نعرف نسبه وصدقه وأمانته، وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم…) (…) فعدد عليه أمور الإسلام فصدقناه وآمنا به…” ([8]).

يبرز هذا النص درجة البيان والوضوح في تبليغ الرسالة من قبل صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسلاسة المنطق البعيد عن التكلف والتشدق، ما يجعل حجيتهم أمام الملك أقوى وأفصح، بل هو ما جعل الملك يتأثر بهذه الرسالة الواضحة والتي تختزن معاني الصدق إلى جانب بيانها، فكانت أبلغ وأسرع إلى الفهم.

المبحث الثاني: الاستثمار الدعوي للفعل الإعلامي والتواصلي وآليات الإبداع

ذكرنا فيما سبق أن الجانب التواصلي والإعلامي كان ضرورة دعوية بالدرجة الأولى، وهذه الضرورة باتت تؤتي أكلها ونتائجها المرجوة منها، فكان لابد من استثمارها بآليات جديدة تمعن في الإبداع وتنتج الطاقات الخلاقة، القادرة على الاستمرارية في وجود رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعد غيابه أي بعد وفاته وانتقاله إلى جوار ربه. ومن الآليات المستثمرة نذكر ما يلي:

1 ـ فن التواصل وأسرار النجاح الإعلامي هبة ربانية وتوجيه إلهي

لقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم النموذج الأمثل في تعليم فن التواصل والإعلام من خلال سلوكه وأخلاقه، لقوله تعالى: ﴿فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لا نفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين([9]). فكانت الرحمة ولين القول والاستشارة من أهم أسباب نجاح التواصل.

كما أن الأمر والتوجيه الإلهي ساعد رسول الله صلى الله عليه وسلم على نشر الرسالة في أوسع نطاق بما يتفق مع الجانب الإعلامي في ذلك الزمان، حيث كانت الحكمة والموعظة الحسنة من الآليات النموذجية لهذا البلاغ، وذلك في قوله تعالى:﴿وادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين([10])..

ولأن المتلقي ينتظر الجديد في الخبر الإعلامي، خاصة وإن كان هذا الخبر يتفق مع مصير الإنسان وما ينتظره من جزاء جراء عمله في الحياة الدنيا، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم تعامل مع ميزان البشارة والنذارة، بما يحفز على الاعتبار وحمل الخبر محمل الجد، لقوله تعالى: ﴿يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا. وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا([11]).

وبذلك نخلص إلى أن الرحمة واللين والاستشارة والحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن والتبشير والإنذار، من أسباب ومن أسرار النجاح الذي حققه الرسول صلى الله عليه وسلم في دعوته وخلق بينه وبين من بعث إليهم درجات من التواصل تتجاوز حدود الاختلافات التي عهدها الإنسان. بل واتساع رقعة الجانب الإعلامي لهذه الدعوة نتيجة الفكر التجديدي الذي جاءت به، وكان مخالفا لما عهده الناس ـ ذلك أنه نداء ويتجاوب مع حاجاتهم الفطرية ـ ونعتبر أن ما ذكرناه من أسرار لهذا النجاح قد لخصته الآليات بشكل واضح وبين، لكننا مع زيادة التمحيص نكتشف أسرارا أخرى كصفه العفو في قوله تعالى ﴿فاعف عنهم﴾. وهو دليل أن الفعل التواصلي يحتاج إلى صفاء سريرة، وصفة أخرى هي اقتحام العقبة في قوله تعالى: ﴿فإذا عزمت فتوكل على الله﴾ فالفعل الإعلامي والتواصلي خصوصا حينما يأتي ويتبني الجديد لابد له من اقتحام عقبات متعددة، سواء على مستوى الذهنيات التي سيتعامل معها صاحب الفكر الجديد ـ ومدى قبوله أو رفضه ـ ومن ثمة فالأمر قد يستعصي على ذوي الإرادات الضعيفة، لكن صاحب الفكرة القوية الصادقة يتحدى كل العقبات لإيصال فكره واجتهاده للآخرين، وهو على قناعة تامة أن ما جاء به من تغير فيه صلاح للأمة ولابد أن يكون له موطئ قدم بين الناس، بل لابد أن يحتضنه كل المجتمع حين تظهر قيمته الفعلية بينهم.

2 ـ الإبداع النبوي في استثمار آليات التواصل والإعلام عبارة وإشارة

لقد أبدع رسول الله صلى الله عليه وسلم في أشكال التواصل والإعلام، قصد الإفهام والتبليغ، فاستعمل آليات متعددة في هذا الفن لبلوغ المراد، فكان يزاوج بين الكلمات والعبارات بنبرات تتوافق مع مقام كل موقف. وأحيانا أخرى يستعمل الإشارة والإيماء إذا كان الموقف يتطلب ذلك. فعن عبد الرحمن بن أبي بَكْرة عن أبيه ذكر النبي صلى الله عليه وسلم قعد على بعيره، وأمسك إنسان بخطامه أو بزمامه قال: “أي يوم هذا”؟ فسكتنا حتى ظننا أنه سيسميه سوى اسمه، قال: “أليس يوم النحر؟ “! قلنا: بلى قال: “فأي شهر هذا؟  فسكتنا حتى ظننا أنه سيُسَمّيه بغير اسمه، فقال: “أليس بذي الحجة؟ !” قلنا بلى. قال “فإن دماءكم، وأموالكم، وأعراضكم بينكم حرام”، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ليبلغ الشاهد الغائب، فإن الشاهد عسى أن يبلغ من هو أوعى له منه”([12]).

رسالة عظيمة يحملها هذا الحديث الشريف، وقانون إلهي يحفظ على الناس أنفسهم وأموالهم وأعراضهم، بعبارات التدرج وتصوير مشهد الرهبة لما سيتضمنه الخطاب التواصلي، وتمهيد فيه أخذ ورد، وانتظار لجواب غير متوقع، لأسئلة ظاهرها الوضوح وباطنها بعدما تشكل بما ينبئ عن ثقل الرسالة يكتنفه الغموض.

لقد أبدع رسول الله صلى الله عليه وسلم من خلال أسئلته للصحابة رضوان الله عليهم، في لفت انتباههم وخلق جسور تواصلية تبحث عن أجوبة غير متوقعة، والهدف رسالة إعلامية خالدة، كان لابد أن تصل بقوة لتبلغ للآخر الممتد عبر الزمن بقوة، ويأتي الأمر الواضح بالتبليغ بعدما تم سرد محتوى الرسالة في قوله: “ليبلغ الشاهد الغائب، فإن الشاهد عسى أن يبلغ من هو أوعى له منه”.

انتقاء العبارات المناسبة ودقة إخراج هذه العبارات مع مشاهد تحولت من رتابة الخطاب، إلى دبدبات رفعت وثيرة الانتباه عند المتلقي والحرص على التبليغ.

ولم يقف الإبداع النبوي عند هذا الحد، فقد كان للإشارة دورها الهام في التواصل وإبلاغ المقصود، فعن ابن عباس أني النبي صلى الله عليه وسلم سُئل في حجته فقال: ذَبحتُ قبل أن أرمي؟ فأومأ بيده قال “ولا حرج” وقال حلقت قبل أن أذبح؟ فأومأ بيده: “ولا حرج”([13]).

إن الإشارة هنا والإيماء شكل من أشكال التواصل له دلالات متعددة، إما من باب التيسير على المتلقي ورفع الحرج عنه، فيشعر أن الأمر هين ولا يحتاج إلى مشقة، أو قد يحمل الإماء والإشارة رسالة أخرى مناقضة تماما للأولى: فعن سالم قال: سمعت أبا هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “يقبض العلم، ويظهر الجهل، والفتن، ويكثر الهرج” قيل: يا رسول الله وما الهرج؟ فقال هكذا بيده فحرفها، كأنه يُريد القتل”([14]) والإشارة هنا تجاوزت العبارة لخطورة الموقف، والإيماء أبلغ في فهمها من الكلام.

فإذا الإشارة قد تأتي وتحمل معها رسائل متعددة يفهمها المتلقي جيدا، وقد تكون أبلغ من العبارة في مواقف كثيرة، ولا تحمل إشارات الرسول صلى الله عليه وسلم معاني الإساءة أو التكبر كما هو شائع عند بعض الناس في إشارات الاستخفاف أو الاستهزاء أو التعالي على الغير، فإشاراته عليه الصلاة والسلام إما تعليم أو بشارة أو إنذار، وهو ما جعل للإشارة وقع خاص عند متلقيها.

3 ـ إبداعه صلى الله عليه وسلم في اختصار الخطبة وبلاغتها

إن الخطبة آلية تواصلية مهمة في جميع المجتمعات، خاصة تلك التي هي في طور البناء، وتحتاج إلى قائد يوجهها ويوجه سلوكاتها ويكشف قدراتها، وهكذا كان النبي المبعوث من رب العالمين عليه الصلاة والسلام، حيث جعل من فن الخطبة شكلا آخر للإبداع يستجيب له الصحابة رضي الله عنهم في تواصلهم القريب معه صلى الله عليه وسلم، وشكلا من أشكال الإعلام يبلغ مداه إلى من هو أبعد.

فكان من مميزات هذا الإبداع الاختصار في القول، والبلاغة في البيان فقد “خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعشر كلمات: حمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، إن لكم معالم فانتهوا إلى معالمكم، وإن لكم نهاية فانتهوا إلى نهايتكم، إن المؤمن بين مخافتين: بين عاجل قد مضى لا يدري ما الله صانع به، وبين أجل قد بقي لا يدري ما الله قاض فيه. فليأخذ العبد من نفسه لنفسه، ومن دنياه لآخرته، ومن الشبيبة قبل الكبرة، وما الحياة قبل الموت، فو الذي نفس محمد بيده، ما بعد الموت من مستعتب ولا بعد الدنيا من دار إلا الجنة أو النار.

أبو الحسن المدائني قال: تكلم عمَّار بن ياسر يوما فأوجز، فقيل له: لو زدتنا، فقال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بإطالة الصلاة وقصر الخطب”([15]).

هذا الأمر جاء من خبير بأحوال الناس، فعامتهم لا يطيقون طول الخطب، فيملون ومنهم من يتثاءب ويصيبه الضجر فينقطع حبل التواصل بينه وبين الخطيب، فلا تعدو الخطبة بعد الحشو والاطناب، إلا ثقلا على أذن السامع.

هذا ما جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يحسن اختصارها دون الإخلال بالمعنى، بل ويجيد في البيان والبلاغة أثناء خطبته فتقع موقعها في نفس المتلقي، ويستجيب لها إقبالا وفهما ويسهل على هذا المتلقي تبليغها لمن لم يسمعها، مؤديا بذلك دورا إعلاميا مهما، بل ويحفظ بذلك جانب التواتر التواصلي من بداية إلقاء الخطبة، إلى من سمعها، فوعاها فبلغها، فحملها جيلا عن جيل.

4 ـ التواصل الخطي واستثمار الرسائل نحو إعلام عالمي:

اعتبر ابن خلدون أن وظيفة الكتابة “غير ضرورية في الملك لاستغناء كثير من الدول عنها رأسا كما في الدول العريقة في البداوة، التي لم يأخذها تهذيب الحضارة ولا استحكام الصنائع، وإنما أكد الحاجة إليها في الدولة الإسلامية شأن اللسان العربي والبلاغة في العبارة في المقاصد فصار الكتاب يؤدي كنه الحاجة بأبلغ من العبارة اللسانية في الأكثر”([16]) ولأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد أن تقوم الدولة على مؤسسات يشع صداها نحو العالم خدمة للدعوة الإسلامية، وخدمة للحضارة الإنسانية، فقد اعتبر أن الكتابة ومالها من أثر تواصلي وإشعاع  إعلامي ضرورة لقيام دولة بركائز متينة، تدون تاريخها وتترك أثرها، في إطار علاقاتها المتعددة مع القبائل المجاورة والدول البعيدة، حيث أن “المسلمين ما كادوا يستقرون في المدينة حتى بدلت الحال غير الحال، فكثر فيهم الكاتبون مذ أنشأ الرسول صلى الله عليه وسلم في مسجده صفة كان الكاتب المحسن عبد الله بن سعيد بن العاص يعلم فيها الراغبين الكتابة والخط”([17]). فور الاستقرار النسبي بدأ تعليم الكتابة للراغبين في ذلك، قصد الإعداد العلمي والمعرفي لدولة قوية توقن أن بناء الحضارة لا يتأسس إلا بهذا الجانب، فبعد مرحلة الرواية والسماع([18]) سيهتم أبناء الصحابة بجانب تعلم الكتابة، بل الصحابة أنفسهم بادروا إلى هذه المهمة، فكانت منهم “فئة مشهورة كثرت الكتابة عنها وتواثرت كعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب، وزيد بن ثابت وأبي بن كعب، ومعاوية بن أبي سفيان رضوان الله عليهم أجمعين”([19]).

وهذا الإعداد في جانبه الخطي سيستفيد منه الصحابة بقيادة الرسول صلى الله عليه وسلم في توسيع دائرة التواصل، واعتماد المكتوب كوثيقة حضارية لها أثرها، مثال ذلك وثيقة صلح الحديبية مع كفار قريش.

بل وأصبحت الكتابة على العهد النبوي تخاطب الملوك في قصورهم بلغة الندية التي تدعو إلى توحيد الله تعالى وتحقيق العدالة الاجتماعية، وهي صورة إعلامية تنبئ عن بعض المعالم الحضارية للدولة الإسلامية التي تمارس ما يعرف في زماننا “بالدبلوماسية” في أرقى مستوياتها، “فعن أنس بن مالك: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب قبل موته إلى كسرى وقيصر وإلى النجاشي، وإلى كل جبار يدعوهم إلى الله تعالى (…) ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم شجاع بن وهب أخابني أسد بن خزية إلى المنذر بن الحارث ابن أبي شمر الغساني صاحب دمشق”([20]).

وقد قام صلى الله عليه وسلم ذات يوم على المنبر خطيبا” فحمد الله وأثنى عليه وتشهد ثم قال: “أما بعد فإني أريد أن أبعث بعضكم إلى ملوك الأعاجم فلا تختلفوا علي كما اختلف بنو إسرائيل على عيسى بن مريم”([21]).

لقد استطاعت هذه الرسائل المكتوبة أن تحقق أدوارا تواصلية مهمة فضلا عن دورها الإعلامي، فبغض النظر عن مستوى قبولها أو رفضها، فإنها جعلت هذه الإمبراطوريات التي كانت تنظر إلى العرب على أنهم مجرد رعاة غنم أصبحت لهم كلمة مدوية في الآفاق بكل ما تعنيه الحضارة من معنى، حضارة تحمل معها جملة من القيم يتعطش إليها العالم الإنساني ويفتقدها في زمن الاستقواء والاستكبار، واليوم هي دعوة جماعية لإنقاذ العالم وإعطائه الحق والحرية في معرفة خالقه والامتثال إليه، هو استثمار حقيقي لآلية الكتابة لتجعل من العالم حقا قرية صغيرة، تتجاوز بذلك القلاع والنفوذ وترسم خطا ينقذ الإنسان من الدوابية العمياء إلى الإنسانية المتطلعة لكل خير.

5 ـ الامتداد الشعري في العصر النبوي وقوة الإبداع والإقناع

لقد كانت قوة القبلية في الجاهلية بما تمتلك من شعراء يذودون عنها عند الحاجة، ويرفعون من شأنها وإن قلت، ويحفظون عليها هيبتها إن كان الشاعر من الفحول في الإبداع وحسن الإقناع، فهو الناطق الرسمي ينوب عن قبيلته في الرد، خاصة إن كان لها أعداء يحط من قدرهم ويقذف في أنسابهم، وهي بمثابة حرب إعلامية تلعب دورها النفسي قبل أن تقول السيوف كلمتها. فاستمر هذا الامتداد الشعري إلى عصر الرسول صلى الله عليه وسلم لتقوية الجانب الإعلامي الدعوي، مع بعض التشذيب المرتبط بأخلاقيات الشاعر والشعر، فالإعلام الإسلامي يحترم القيم ولا يتجاوزها، بل هي أس هذا الإعلام التواصلي. ولأن الإسلام جاء ليتمم مكارم الأخلاق؛ فقد حاول أن ينقل عددا من الشعراء الذين دخلوا الإسلام في دائرة هذه القيم مع الحفاظ على مواهبهم، خاصة وأنهم كانوا “في الجاهلية من أكرم الناس على قومهم، لأن موقف الشاعر في قبيلته كان التغني بمناقبها، ورثاء موتاها، وهجاء أعدائها، قل أن تجد في أول أمرهم من كان صعلوكا يتخذ الشعر حرفة كما فعل الخطيئة بعد”([22]).

وقد احتضن الرسول صلى الله عليه وسلم هذه الطاقة الإبداعية باحتضان أصحابها، وجعلهم صوتا إعلاميا يدافع عن الدعوة الإسلامية وما جاءت به من الحق المبين. فقد روي عن عائشة رضي الله عنها “أن النبي صلى الله عليه وسلم بنى لحسان بن ثابت في المسجد منبرا ينشد عليه الشعر”([23]).

وكان يقول صلى الله عليه وسلم لحسان: “اهجهم – يعني قريشا – فو الله لهجاؤك عليهم أشد من وقع السهام في غلس الظلام، أهجهم ومعك جبريل، روح القدس”([24]).

بل إن هذا الشاعر المحنك بدأ يأخذ زمام المبادرة للدفاع عن الرسول صلى الله عليه وسلم فعن الشعبي، فقال: “أتي حسان بن ثابت إلى النبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله إن أبا سفيان بن الحارث هجاك، وأسعده على ذلك نوفل بن الحارث وكفار قريش، أفتأذن لي أن أهجوكم يا رسول الله؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم فكيف تصنع بي؟ فقال: أسلك منهم كما تسل الشعرة من العجين، قال له: أهجمهم وروح القدس معك، واستعن بأبي بكر، فإنه علامة قريش بأنساب العرب”([25]).

هكذا تستثمر المواهب ويُفَعَّلُ الإبداع في كل ما هو إيجابي، فقد استطاع رسول الله صلى الله عليه وسلم بحكمته وحنكته الأخذ بيد كل مبدع وتطوير إبداعه في خدمة الصالح العام، وجعل الشعر لما له من مكانة بين العرب وسيلة تواصلية وإعلامية، تنتشر انتشار النار في الهشيم فيبلغ صيته الآفاق، وتصل رسالته إلى القاصي والداني.

خاتمة:

نخلص من خلال كل ما سبق أن الرسالة الإعلامية والتواصلية في العهد النبوي، كان لها دور مهم في توسيع دائرة الدعوة والبلاغ الرباني، ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت له الملكات والقدرات التواصلية والإعلامية القادرة على جلب انتباه مختلف فئات الناس، واستيعاب حاجاتهم، مما جعلهم يلتفون حوله ويستجيبون لدعوته ولو بعد حين. وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يكتفي بقدراته البشرية أو النبوية، بل كان يسعى لتعليمها لصحابته الكرام، مع احترام اختلافاتهم في صور الإبداع، وإخراج هذه الطاقات المتعددة إلى الوجود، كان ضابطها شرع الله تعالى بما يتضمنه من قيم وأخلاق لا تتجاوز أدبيات التواصل مع الآخر ولا يخدش إعلامها مسامع الناس، ذلك أن المجتمع النبوي كان راقيا وبرقيه ترقب كل المؤسسات البانية والعاكسة لصورة الدولة المتحضرة الصانعة لأجيال المستقبل.

 

 

لائحة المصادر والمراجع:

ابن خلدون، عبد الرحمن، مقدمة ابن خلدون، تحقيق عبد الرحمن عادل بن سعد، الدار الذهبية للطبع والنشر والتوزيع، القاهرة، 2006.

ابن رشيق، أبو علي الحسن القيرواني، العمدة في محاسن الشعر وآدابه، تحقيق محمد عبد القادر أحمد عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، 2001.

ابن كثير، أبو الفداء إسماعيل بن عمر، البداية والنهاية، تخريج وتحقيق أحمد جاد، دار الحديث، القاهرة، 2006.

أمين، أحمد، فجر الإسلام، المكتبة العصرية للطباعة والنشر، بيروت، 2010.

البخاري، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل، صحيح البخاري، دار صادر، بيروت، الطبعة الأولى، 2004.

الجاحظ، أبو عمر بن بحر، البيان والتبيين، تحقيق موقف شهاب الدين، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الثالثة، 2009.

الخطيب، محمد خليل (جمع وشرح)، خطب الرسول صلى الله عليه وسلم: 574 خطبة من كنوز الدرر وجوامع الكلم، دار الفضيلة للنشر والتوزيع والتصدير، القاهرة، الطبعة الأولى، 1983.

الشافعي، محمد بن إدريس، الرسالة، تحقيق أحمد محمد شاكر، دار العقيدة، القاهرة، الطبعة الأولى، 2009.

شيبة الحمد، عبد القادر، القصص الحق في سيرة سيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم، مكتبة فهد الوطنية، الرياض، الطبعة الرابعة، 2013.

صبحي، الصالح، علم الحديث ومصطلحه، دار العلم للملايين، بيروت، الطبعة الرابعة، 2009.

الصبحي، محمد بن عبد الله عبان، مرويات الوثائق المكتوبة من النبي صلى الله عليه وسلم وإليه جمعا ودراية، مكتبة الملك فهد الوطنية، الرياض، الطبعة الأولى، 2009.

القرشي، أبو زيد محمد بن أبي الخطاب، جمهرة أشعار العرب، تحقيق خليل شرف الدين، منشورات دار مكتبة الهلال، بيروت، الطبعة الثانية، 1991.

القطان، مناع، مباحث في علوم القرآن، دار النشر مكتبة وهبة، القاهرة، الطبعة الثالثة عشر، 2004.

المباركفوري، صفي الرحمن، الرحيق المختوم، دار الفكر، بيروت، 2002.

مرماس، عبد الرزاق، مصادر السيرة النبوية بين المحدثين والمؤرخين، بحث مقدم لنيل جائزة نايف بن عبد العزيز آل سعود العالمية للسنة والدراسات الإسلامية المعاصرة لعام 1428 ه / 2007م، الطبعة الأولى، 2007.

[1] – الخطيب، محمد خليل (جمع وشرح)، خطب الرسول صلى الله عليه وسلم 574 خطبة من كنوز الدرر وجوامع الكلم، دار الفضيلة، القاهرة، 1983، ص 7-8.

[2] – المباركفوري، صفي الرحمن، الرحيق المختوم، دار الفكر، طبعة 2002، ص 104.

[3] – م ن، ص 104.

[4] – الشافعي، الإمام محمد بن إدريس، الرسالة، تحقيق أحمد محمد شاكر، دار العقيدة، الطبعة الأولى، 2009، ص 130-131.

[5] – القطان، مناع، مباحث في علوم القرآن، دار النشر مكتبة وهبة، الطبعة الثالثة عشر، 2004، ص 114.

[6] – صبحي، الصالح، علم الحديث ومصطلحه، دار العلم للملايين، الطبعة الرابعة، 2009، ص 304.

[7] – شيبة الحمد، عبد القادر، القصص الحق في سيرة سيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم، مكتبة فهد الوطنية، الطبعة الرابعة، 2013، ص 59.

[8] – القصص الحق في سيرة سيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم، م س، ص 83-84.

[9] – آل عمران: الآية 159.

[10] – النحل: الآية 125.

[11] – الأحزاب: الآية 46.

[12] – البخاري، الإمام أبي عبد الله بن إسماعيل، صحيح البخاري، دار صادر، الطبعة الأولى، 2004، ج 1، كتاب: العلم، باب: قول النبي صلى الله عليه وسلم “رب مبلغ أوعى من سامع”.

[13] – صحيح البخاري، م س، كتاب: العلم، باب: من أجاب الفتيا بإشارة اليد والرأس، ج 1.

[14] – م ن، كتاب: العلم، باب: من أجاب الفتيا بإشارة اليد والرأس، ج 1.

[15] – الجاحظ، أبو عمر بن بحر، البيان والتبيين، تحقيق موقف شهاب الدين، دار الكتب العلمية، الطبعة الثالثة، 2009، ج 1، ص 205-206.

[16] – ابن خلدون، عبد الرحمن، مقدمة ابن خلدون، تحقيق عبد الرحمن عادل بن سعد، الدار الذهبية للطباعة والنشر، القاهرة، 2006، ص 270.

[17] – علوم الحديث ومصطلحه، م س، ص 17.

[18] – انظر: مرماس، عبد الرزاق، مصادر السيرة النبوية بين المحدثين والمؤرخين، الطبعة الأولى، 2008.

[19] – الصبحي، محمد بن عبد الله عبان، مرويات الوثائق المكتوبة من النبي صلى الله عليه وسلم وإليه جمعا ودراية، مكتبة الملك فهد الوطنية، الطبعة الأولى، 2009، الجزء الأول، ص 79.

[20] – ابن كثير، الحافظ إسماعيل أبو الفداء، البداية والنهاية، تخريج وتحقيق أحمد جاد، دار الحديث، القاهرة، 2006، المجلد الثاني، ص 266-276.

[21] – م ن، المجلد الثاني، ص 272.

[22] – أمين، أحمد، فجر الإسلام، المكتبة العصرية، طبعة 2010، ص 61.

[23] – ابن رشيق، أبو علي القيرواني، العمدة في محاسن الشعر وآدابه، تحقيق محمد عبد القادر أحمد عطا، منشورات علي بيضون، 2001، ج 1، ص 27.

[24] – م ن، ج 1، ص 33.

[25]– القرشي، أبو زيد محمد بن أبي الخطاب، جمهرة أشعار العرب، تحقيق خليل شرف الدين، منشورات دار مكتبة الهلال، بيروت، الطبعة الثانية، 1991، مج 1، ص 52.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.