منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

رسالة إلى إبليس

1

 
السلام لله والرحمة والبركات له، واللعنة والخزي والعار لك، والذل والمهانة، وغضب من الله وسخطه، 

وبعد:
فقد راودتني الكتابة إليك، وأنا لا أدري هل ستصلك رسالتي هذه، وستقرؤها وتفهمها وتعمل بها، أم لا، لكني أبغي بها رضى ربي عز وجل أولا، ثم النصح لنفسي ولإخواني الذين أجلبت عليهم بخيلك ورجلك، وشاركتهم في الأموال والأولاد، ووعدتهم ، وما وعدتهم إلا غرورا، وهم عن ربهم غافلون ولك منقادون، وعن مصيرهم بعد الموت منشغلون. 
يا إبليس اللعين، أنا عبد الله، اسمي من اسم رسول الله، ولقبي يبشر بفضل الله، إن شاء الله، ابن عبد الله آدم الذي خلقه الله تعالى بيديه، وكرمه، وأمرك بالسجود له توقيرا واحتراما، لكنك عصيت أمره، وتكبرت، زاعما أنك خير منه، فكان جزاؤك الطرد من رحمة الله، واللعنة والعذاب ، فظننت بجهلك أن أبي رضي الله عنه وأرضاه سبب خزيك ودمارك، ومن تم أقسمت لتغوينه وذريته أجمعين، ولتقعدن لهم صراط الله المستقيم، ولتاتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم، وأقسمت أن لايكون أكثرهم شاكرين، وعملت كل ما في وسعك، مستعينا بسلطان النفس الأمارة بالسوء ونزواتها، وحبها للشهوات، وإيثارها للدعة والسكون ، ورغبتها عن كل تكليف. وبررت بقسمك، فصرفت الملايين منهم عن عبادة ربهم، والإقرار له بالربوبية والوحدانية، وعبدتهم أصناما لا تسمع ولاتبصر ولا تملك لهم شيئا، وزرعت العداوة والبغضاء بينهم ، وأشعلت الحروب والصراعات بينهم، وفرقت بين الوالد وولده، وبين الأخ وأخيه، والزوج وزوجه، والصديق وصديقه، ودفعت بعضهم للتأله عن الخلق وادعاء الربوبية، والترفع عنهم، وإرغامهم على العبودية لهم وطاعتهم من دون الله. ولم تكتف بذلك، بل جعلت لك منهم جنودا وأحزابا وأولياء يجاهرون بالعبودية لك ويفاخرون ولا يستحيون، وللرذيلة يقترفون، ولأهل الله يحاربون ويضطهدون ، وأصبحت لهم تلميذا بعدما كنت معلما، وتربعت على عرشك، تضحك بملء فيك، وتسخر، وتقول في نفسك:إني بريء منكم ، إني أخاف الله رب العالمين. 
    وأنا الفقير إلى الله عز وجل، التائب من الذنب، الطامع في رحمة الله وفي عفوه، قد أصابني من سهامك ما قصم ظهري، وشل جوارحي.أعلنت علي الحرب وصارعتني مناما ويقظة، محاولا تشكيكي في ديني وتيئيسي من رحمة الله وكرمه، من غير رغبة مني ولا استعداد، سوى أني ابن ذلك الأب الحنون ، الذي أبيت التوقير له والاحترام، واستغليت سداجتي وجهلي وغفلتي وضعفي، وأوقعتني في شباكك، وأغللتني بأغلالك. زينت لي المنكر، وأنسيتني ذكر الله عز وجل الذي خلقني ورزقني، وأمرني بعبادته، وأرسل لي رسولا كريما رحيما، حريصا علي، ثم يميتني ويحييني، ثم يحاسبني على ما جنيته في هذه الحياة. ولقد انتصرت علي في جولات عديدة، وسخرت مني، وحق لك أن تسخر، لكني كنت أستيقظ في كل مرة، وأتنبه من غفلتي، وأستجمع قوتي وأكسر الأغلال، وأنسل من الشباك، وأصرخ بكل إرادتي أن اخز يا لعين، وانكسر، فإن لي ربا رؤوفا رحيما، عطوفا غفورا،عفوا كريما، توابا يبسط يده بالليل ليتوب مسيئ النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيئ الليل، ينزل إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيسأل هل من تائب، فأتوب عليه، هل من سائل فأعطينه، هل من مستغفر فأغفر له، فأشمر عن ساعدي، وأقول: أنا التائب، أنا السائل، أنا المستغفر، وأقبل على الله عز وجل باكيا قائما راكعا ساجدا ، راغبا وراهبا، خاشيا محبا متبتلا، لاأيأس من رحمته، حتى وإن كتب علي العذاب، مستبشرا بقوله سبحانه:”قل ياعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لاتقنطوا من رحمة الله، إن الله يغفر الذنوب جميعا،إنه هو الغفور الرحيم.” ثم أقبل على الطاعات بكل شهية ونهم. ولأني أعلم أن الحرب ضروس والعقبة كؤود، وأني لاأقدرعلى التصدي لسهامك المشرعة نحو صدري إلا بصحبة إخواني، فإني أسرع إليهم صارخا بأعلى صوتي أن أنقذوا أخاكم من حافة الهاوية، وذودوا عني هذا العدو الكاسح الذي لا يألو جهدا في إيقاعي بين براثنه، وجعلي له لقمة سائغة. 
    يا إبليس اللعين، إني أخاطب فيك ضميرا، لاأدري هل ما زال فيه ذرة من عقل، وقلبا كان في يوم من الأيام لله خاشعا، وجسدا كان في كل بقعة من الأرض له ساجدا، أن تخلو بنفسك ساعة، تتفكر في نفسك، وفي مصيرك بعد نهاية هذه الحياة! لقد طردت من الجنة ومن رحمة الله، لابسبب أبي آدم كما تزعم، وإنما بسبب جهلك وغرورك، وعدم امتثالك لأمر ربك، وبسبب طلبك الأحمق أن تكون من المنظرين، وبسبب قسمك المشؤوم، وكرهك الموهوم، وعداوتك الظالمة، لو أنك أطعت الله وسجدت لآدم امتثالا لأمره سبحانه، حتى ولو كنت أفضل منه كما ادعيت، وإن كنت مخطئا لأن الأفضلية بالعمل الصالح والتقوى وبرضى الله وطاعته،لا بأصل الخلقة، كما أن مقارنتك خاطئة، لأن النار ليست أفضل من التراب، فالتراب رمز العطاء والحياة ، والنار رمز الدمار والموت، ولتعلمت من الملائكة الذين خلقوا من ما هو أفضل مما خلقت منه، لو أطعت الله واستغفرته بعد زلتك، كما استغفره أبي آدم عليه السلام، لتاب عليك وغفر لك، لكنك اخترت طريقك، فتحمل عواقبه. وإني أخاطب فيك قليلا من العقل لأني أظنك لبيبا ألمعيا، فلقد تفننت وأبدعت وأتقنت غواية الناس وإضلالهم، وتلبست على عالمهم وجاهلهم، وعلى حاكمهم ومحكومهم، وكل أصابه سهم من سهامك، فبدل أن تستخدم عقلك في الشرور والصراعات وإغضاب الله عز وجل، تفكر في وسيلة ترضي بها ربك.اندم على ما فعلت، وكفاك إساءة إلى الله وإلى أحب خلقه إليه وإلى نفسك. فما يجديك أن يدخل الناس النار!؟هل سيخفف ذلك عنك من العذاب!؟أم سيزيدك عذابا في عذاب!؟ لن يجديك نفعا، ولن يخلصك من العذاب ولن يفيدك في شيء حتى ولو دخل الناس جميعا النار! إن الله تعالى قادرعلى أن يذيقك أشد العذاب سواء كنت وحدك أو معك كل مخلوقاته، فتنبه إلى نفسك، واعترف بذنوبك، وابك على نفسك، واسجد لآدم ميتا بعد أن رفضت السجود له حيا، واسأل الله عز وجل أن يتوب عليك ويغفر لك وينقذك من النار، فإن الدعاء يرد القضاء، وأرحنا من حربك ومن غوايتك، ودعنا نعبد الله ونعيش في سلام. وإلا تفعل وأبيت إلا حربي، فإني أعوذ بالله منك وأحتمي به وأستعين به عليك، وعلى نفسي، وأخضع له سبحانه وأخشع راضيا به ربا وبالإسلام دينا وبنبينا محمد عليه الصلاة والسلام نبيا ورسولا، سائلا إياه سبحانه أن يعصمني من الخطإ والمعصية، أو أن أقع في شباكك مرة أخرى، وأن يغفر لي ذنوبي جميعا وأن يعفو عني، فإنه غفور رحيم، ودود كريم، وأن يرزقني حسن الخاتمة وأعلى الجنان.

تعليق 1
  1. أبو عبدالرحمن يقول

    خاطرة جميلة غير أنها كانت ستكون أجمل لو أرسلت للبشر بدل ابليس. فذاك مطرود من رحمة الله عز وجل، مكتوب عليه الشر والإغواء إلى يوم يبعثون فلن تنفع فيه المواعظ والنصائح.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.