منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

في نقد النقد أو الميتا-نقد

في نقد النقد أو الميتا-نقد/ ذ. فؤاد هراجة

0

في نقد النقد أو الميتا-نقد

بقلم: ذ. فؤاد هراجة

ينبري العديد من المفكرين والمثقفين النهضويين الذين سبق لهم العمل داخل التنظيمات الإسلامية ثم مغادرتها إلى نقد الحركة الإسلامية في شموليتها، حيث يتدرجون من نقد الخطاب والمنظومة الفكرية إلى نقد آليات التنظيم، مرورا بنقد الخيارات السياسية والتجربة الاجتماعية، ثم انتهاء بنقد مواقف هذه الحركة من الأحداث الدولية. على ذلك، تجدهم يدعون إلى مراجعات فكرية عميقة، ويؤكدون على ضرورة تجاوز الهياكل التنظيمية القديمة، ثم يقترحون لزوم التخلي عن فكرة الصراع و العمل على الانخراط في شكل الدولة كما هو قائم، فضلا عن وجوب التعامل مع المتغيرات الدولية ببراغماتية (win-win-) والتماهي مع الموقف الرسمي للدولة تجاه الأزمات الطارئة. إن هذا المقال، وهو يتبنى رؤية مِيتَا-نَقْدِيَة، يؤكد بالضمن على أهمية النقد كآلية لتعرية الثغرات، وتقويم العترات، وتصحيح المسارات، وتطوير الأدوات، كما يهدف إلى كشف الأخطاء المنهجية التي تعتري خطاب أولئك المفكرين والمثقفين في نقدهم للحركة الإسلامية.

إننا وقبل الخوض في صلب الموضوع لابد من التذكير بالامور التالية:

– أن الحركات الإسلامية ليست بُدْعاً من الحركات المجتمعية، وأنها مُنزَّهة عن الأخطاء، بل إنها أقرب الديناميات البشرية عرضة للاخطاء لمحايثتها والتصاقها بكل أنشطة وفعاليات المجتمع. وبالتالي فإن الميتا-نقد لا يروم إلجام المنتقدين وإنما دعوتهم إلى تبني اليقظة المنهجية والموضوعية المطلوبة.

– أن توجيه النقد لهؤلاء المنتقدين لا يقلل من قيمتهم الفكرية، ولا يشكك في تجربتهم التاريخية داخل هذه التنظيمات، ولا يدعو إلى تهميشهم وعدم الاكتراث بما يقدمونه من إنتاجات فكرية، بل يروم تفادي جانب الأخطاء المنهجية في نقدهم للحركة التي خبروها لردح من الزمن.

– أن ما ينتجه هؤلاء من خطاب فكري من خارج الصندوق قد يكون مفيدا جدا بعد تكييفه مع التصورات العامة، ومواءمته مع المقتضيات التنظيمية، بما يحفظ وحدة الصف والتصور والحركة.

لكن ثمة ملاحظات جوهرية تخص الخطاب النقدي الذي يتبناه من قفزوا من مركب التنظيمات الإسلامية لسبب من الاسباب ، واختاروا طريقا ثالثا لا هو موالي ولا هو معارض، وإنما موقف المنتقد المتحصر والغيور على مستقبل الحركة ومن خارجها ، وهنا يجدر بنا استحضار أخطاءهم المنهجية التالية:

1- آفة التعميم:

معظم المفكرين والمثقفين النهضويين الأعلام كانوا ينتمون لجماعة الإخوان المسلمين، بالتالي فإنهم عندما ينتقدون الحركة الإسلامية فكرا وتنظيميا وسياسة، إما يُسقِطون تجربتها الإخوانية على كل حركات العالم حتى وإن كانت غير إخوانية، واما ينطلقون من رؤية متعالية مفادها أن كل التجارب لا يمكنها إلا أن تكون دون التجربة الإخوانية، ومن تم فإن انتقاد جماعة الإخوان المسلمين هو انتقاد بالضمن لما دونها من التنظيمات، وهذه الآفة المسماة ”التمركز الإخواني“ ikhwano-centrisme يجب تجاوزه لأنه يوقع هؤلاء المنتقدين في خطاب نقدي شمولي يطال حركات إسلامية تختلف تماما عن التجربة الإخوانية تربية وتنظيميا وحركة. لقد تبنت التجربة الإخوانية منطق الإصلاح والتغيير من داخل أنظمة الحكم في حين أن هناك تنظيمات إسلامية تبنت ولا زالت منطق التغير الجدري، بالتالي فما يطرحه هؤلاء من انتقادات لا يجوز تعميمه، كما لا يحق إسقاطه على كل مكونات الحركة الإسلامية في العالم، ناهيك عن جدال القطرية والعالمية، وعالمية التنظيم، وتماهي الخطاب الدعوي في الخطاب السياسي…، وغيرها من الإشكاليات التي لا تعني سوى تنظيم الإخوان المسلمين، لأن هناك تنظيمات إسلامية حسمت منذ تأسيسها مع هذه المعضلات الفكرية والتنظيمية واعتبرت من أخطائها ، بالتالي من الحيف أن نعمم في شأنها خطاب النقد في تلك القضايا وفي غيرها.

2- آفة التناقض:

ثمة تناقضات جمة في نقد هؤلاء الأفاضل، قد تجتمع في خطابهم، كما قد تتفرق بينهم ومنها:

– التركيز على الخطاب النقدي في حق الحركة الإسلامية، وتجاهله في حق الأنظمة الحاكمة، بل تقديم مبررات لفشل سياستها.

– اعتبار بعض المنتقدين خاصة أولئك الذين يقيمون في دول الخليج وتركيا أن التنظيمات الإسلامية لا جدوى منها لأنها تجر وتجتر الفشل تلو الآخر، ويكفيها في اللحظة الراهنة بعد الثورات المضادة للربيع العربي، أن تحل نفسها وتنصهر في السياسة العامة للأنظمة الحاكمة حتى لا يدفع الشباب ثمن فشلها، والسؤال هنا هل ينطبق هذا المقترح على حركة حماس وحركة الجهاد الإسلامي باعتبارهما ينتميان إلى الحركة الإسلامية؛ فهل يجب حسب هذا القول، حلهما والتسليم بواقع الحال حتى لا يدفع الشباب ثمن فاتورة هذه التنظيمات، وبالتالي تساير الحركة الإسلامية الأنظمة الحاكمة في تطبيعها مع الكيان الصهيوني، وتعلن وقف المقاومة وحل تنظيماتها؟ ينطلق دعاة حل التنظيمات الإسلامية من مسَلَّمة مفادها أن الحكم الراشد قائم في الولقع، ويجب على كل كفاءات وأطر الحركات الإسلامية أن تدعمه ( تجربة
تركيا وقطر والسعودية).

في المقابل تجد نفس المنتقدين يدعون الحركة الإسلامية إلى تجديد آليات تنظيمها ومراجعة فكرها…، والسؤال الموجه لهؤلاء السادة هل أنتم مع حل هذه التنظيمات أم أنكم مع إصلاحها وتطويرها؟ ثم إذا كانت هذه الحركات المعدومة الوسائل والإمكانيات، والمحاصرة محليا واقليميا ودولية تُنتَقد في نتائجها بهذه الطريقة الجذرية، ألا يكون من المنطق أن يكون النقد مضاعفا من طرف هؤلاء لأنظمةِ حكمٍ امتلكت ولا زالت لكل إمكانيات التقدم من ثروات وموارد بشرية لكنها أوصلت دولها إلى قعر التخلف؟ لنخلص إلى السؤال الجوهري: هل الحركات الإسلامية فَشَلَتْ أم تم إفشالها؟ ثم ما هي الفرص التي مُنِحَتْ لها وفشلت فيها؟ ثم ما هي معايير فشلها؟

من الملاحظ أن المنتقدين النهضويين للحركة الإسلامية يركزون فقط على الخراج السياسي وفي أبعد الحدود على الهفوات التنظيمية، ويتغافلون آلاف الأشخاص الذين تم تاطيرهم وتربيتهم وتوجيههم وجعلهم مواطنين صالحين ومصلحين يجمعون بين الأمانة والمسؤولية والكفاءة.

إن عدم استحضار هذا البعد التربوي الدعوي في وظيفة الحركة الإسلامية راجع بالاساس إلى تضخيم المنتقدين للجانب السياسي والتنظيمي على المشروع التربوي الدعوي المجتمعي، لتكون النتيجة، الحكم على الحركة الإسلامية بأنها فاشلة لأنها لم تصل سدة الحكم أو لم تحافظ عليه، وكأن بلوغ هرم الدولة هي غاية الغايات وليس إنقاذ الإنسان من التيه الوجودي وتذكيره الدائم بمصيره في الآخرة.

إن أقل ما يقال أن هؤلاء المنتقدين هم في نهاية المطاف حسنة من حسنات تلك الحركات الإسلامية، تربوا في أحضانها وتعلموا في كنفها، ومن حقها عليهم الاعتراف بجميلها، وهذا لا يعني التسليم والخضوع وعدم إعمال الفكر والنقد تجاهها، بل يعني وجوب المساهمة في تطويرها من الداخل بِنَفَسٍ جماعي وعقل جامع، وقلوب منجمعة على الله سبحانه، ورحم الله الإمام المجدد عبد السلام ياسين حين قال في كتاب الإحسان ”حتى دولة الإسلام إن أقمتها وانت غافل عن الله هي دنيا في حقك“، كما أنه لم يمل من التذكير أن وظيفة الحركة الإسلامية هي التربية ثم التربية ثم التربية، أي أن وظيفتها الرئيسية هي الدعوة إلى الله، أما السياسة فلا تمثل في نظره إلا جزءا من اهتمامها، وأن التوازن بين الفكر والتربية والحركة هو الضامن لاستقامتها، أما التنظيم كان يؤكد أنه أداة لا يجب تقديسها، بل يجب تطويره وفق الحاجيات واستجد في حقل التدبير البشري، كل ذلك من خلال نواظم ثلاث: المحبة، والنصيحة والشورى، والطاعة.؛ أي ناظمة قلبية (الرحمة)، وناظمة عقلية (حكمة)، ثم ناظمة سلوكية( همة). لذلك فهذا المقال هو بمثابة دعوة صريحة لهؤلاء الفضلاء المنتقدين أن يطلعوا على كتب وادبيات الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله، ويطلعوا على تجربة جماعة العدل والإحسان التي جسد فيها مشروعه وتركه صدقة جارية وعلما ينتفع به، لأنها تجربة مختلفة عن التجربة الإخوانية تاسيسا وتنظيرا، بالتالي من الحيف ومن الخطأ المنهجي أن ننتقد الحركة الإسلامية وكأنها تنظيم واحد.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.