منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

معالم علم الحكمة وفصل الخطاب

د. محماد رفيع

0

نشر هذا المقال بمجلة منار الهدى العدد الثاني

قراءة وتنزيل المقال pdf

يندرج كتاب الرسالة العلمية ضمن سلسلة الجهود العلمية والفكرية والتربوية الدعوية التي يواصل الأستاذ عبد السلام ياسين بذلها من أجل بسط المنهاج النبوي في مختلف المجالات: إرشادا للدعوة ونصحا للأمة وسعيا لبناء الدولة.

فالكتاب يقدم الرؤية المنهاجية للمسألة العلمية في جميع أبعادها المتكاملة تصحيحا للفهم، وتسديدا للعمل وسعيا لتأسيس خطاب دعوي متجدد قادر على بناء مستقبل الخلافة الثانية الموعودة، هذا الخطاب الذي يسميه الأستاذ علم الحكمة وفصل الخطاب.

فما هو هذا العلم؟ وما موضوعه؟ إنها أسئلة كبرى تشكل الإجابة عنها محاور هذا المقال.

1.     مفهوم الحكمة وفصل الخطاب:

المزيد من المشاركات
1 من 24

الحكمة قضية صادقة، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: “إن من الشعر لحكمة”[i]، وقال الراغب الأصفهاني: “الحكمة إصابة الحق بالعلم والعقل”[ii]، وقال ابن عباس في قوله تعالى: (من آيات الله والحكمة)[iii] هي علم القرآن ناسخه ومنسوخه محكمه ومتشابهه[iv]، وقيل فهم حقائق القرآن[v].

فالحكمة نوعان: حكمة الله، وحكمة الإنسان، فالحكمة من الله تعالى هي معرفة الأشياء وإيجادها على غاية الإحكام.

ومن الإنسان معرفة الموجودات وفعل الخيرات، وهذا الذي وصف به لقمان في قوله عز وجل: (ولقد آتينا لقمان الحكمة)[vi].[vii]

أما فصل الخطاب: فالفصل إبانة أحد الشيئين من الآخر حتى يكون بينهما فرجة، قال الله تعالى: (هذا يوم الفصل)[viii] أي اليوم يبين الحق من الباطل ويفصل بين الناس بالحكم[ix]. وفصل الخطاب: ما فيه قطع الحكم[x]. وقال الأستاذ عبد السلام ياسين: “ما ينفصل به الأمر، ما يفصل الحق من الباطل”[xi].

بالجمع بين الدلالتين، يقول الأستاذ: نجد أن الحكمة وفصل الخطاب اجتماع الدعوة والدولة في يد تقية[xii]. اجتماع القوة والأمانة كما جمع لنبي الله داود النبي الحاكم[xiii].

ولكي يوضح الأستاذ عبد السلام ياسين هذا المفهوم المركب، ويؤكد ارتباطه الشديد بواقع الأمة الفكري والعلمي، يقول: “علم الحكمة وفصل الخطاب، علم لا ينفصل فيه الدليل العلومي لإقناع الجاحد عن الجهد السياسي الاقتصادي الاجتماعي لبناء أمة قوية وتوحيدها، ولا يستغني فيه الواعظ المجتهد في الدين وفقه شرائعه عن الباحث المنكب في مختبراته، كما لا يستغني الحاكم السائس، والاقتصادي المنصرف إلى أرقامه وموازناته عن أهل القرآن”[xiv].

بهذا المفهوم الواسع يكون علم الحكمة وفصل الخطاب. ذلكم العلم الجامع الذي يشكل الجسر العلمي القادر على نقل الأمة به وعبره من واقع الفتنة وبداية الصحوة إلى مستقبل الخلافة الثانية الموعودة والشهود على العالمين.

مقالات أخرى للكاتب
1 من 10

2.     منهج علم الحكمة وفصل الخطاب:

يقوم علم الحكمة وفصل الخطاب على منهج رصين وطيد الأركان واضح المعالم، متسق الخطوات، منهج قادر على تجاوز الأزمة، وتحويل العلم إلى عمل، والعمل إلى مشاريع وخطط لبناء أمة وتفعيل دعوة.

إنه منهج يقوم على ثلاثة مبادئ متناغمة فيما بينها ومتكاملة نوردها بنوع من التحليل على الشكل التالي:

أ‌.       الأخذ المنتقى من التراث:

مبدأ الأخذ من التراث يؤكد الامتداد العلمي والتاريخي لعلم الحكمة وفصل الخطاب، هذا ما أكده الأستاذ المرشد حين قال: “ثروتنا الفقهية العلمية الموروثة صلة غالية انحدرت إلينا من تلك الأجيال تصلنا بهم”[xv]، غير أن هذا الأخذ يقوم على ضابطين اثنين:

·      ضابط الأصالة:

والمقصود بهذا الضابط أن الأخذ من هذا التراث في بناء علم الحكمة وفصل الخطاب لا ينبغي أن يشكل حاجزا علميا بيننا وبين النبع الصافي في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وإنما “نعيد كل اجتهاد سابق إلى نصابه، نعرضه في حدود نسبيته على المنهاج النبوي الكامل الذي طبق كلمة الله التي لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها”[xvi].

فانتقاؤنا من كنوز الفقه الموروث مبني أساسا على معيار الكتاب والسنة من حيث ما يصح وما لا يصح رواية ودراية، وذا مبدأ لا يختلف فيه اثنان، أخذناه من أئمة السلف أنفسهم رحمهم الله. فالإمام مالك الذي خلف لنا “المؤطأ” و”المدونة” ترك معها قولته الشهيرة: “كل كلام يؤخذ منه ويرد إلا كلام صاحب هذا القبر”[xvii] وهو يشير إلى روضة المصطفى صلى الله عليه وسلم.

·      ضابط المناسبة:

وهذا الضابط يكتمل مع الضابط السابق، ونقصد به أننا لا نأخذ من التراث إلا ما يناسب ظروفنا ويجيب عن إشكالاتنا وقضايانا القائمة وهذا لا يتم إلا إذا عرفنا جيدا أن “الذين اجتهدوا قبلنا كانوا يدافعون عن قضايا ربما تكون الآن اندثرت، كانوا يتفاعلون مع واقعهم بنيات معينة في مواجهات معينة بوسائلهم الممكنة، لأهداف ممكنة كانوا يجتهدون في نسبية تضع اجتهادهم مواضعه في الزمان والمكان والأهمية”[xviii].

وعرفنا كذلك أن تراثنا العلمي تدحرج من صيغته الأصلية الجامعة على عهد النبوة والخلافة الراشدة، إلى صيغته التجزيئية الموروثة عن عهد العض والجبر، التي فرضتها ظروف سياسية عاشتها الأمة يومئذ[xix]. هذه الصيغة التي لا تناسب بحال مقتضيات البناء العلمي لدولة الخلافة المنشودة، بل إن تجاوزها والارتفاع عنها إلى صيغة جامعة أمر لازم ومبدأ من مبادئ علم الحكمة وفصل الخطاب.

بتعاضد الضابطين السابقين وتكاملهما يكون أخذنا من التراث نافعا وانتقاؤنا منه رشيدا، فيكون البناء على أساس.

ب‌.    المزاوجة بين التحصيل الإيماني والتحصيل العلمي:

فالمزاوجة بين الإيمان والعلم صيغة تجعل العلم نافعا والعمل خالصا وذلك هو الفقه في الدين الذي أرشدنا إليه الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله: “من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين”[xx].

كما أن هذه المزاوجة تمكننا من تجاوز إشكال الانفصام بين العلم والتربية الذي عاشته الأمة الإسلامية وما تزال منذ عهود العض والسيف حيث أصبح الفقه منذ ذلك الوقت منحصرا في معرفة الأحكام الفرعية والتربية الإيمانية منعزلة عند الصوفية، فصار بعد ذلك يستغرب علم القلوب والتفتيش عن صفات النفس ومكائد الشيطان، وأعرض عن ذلك إلا الأقلون[xxi]. فبهذا القران بين التربية الإيمانية والعلم، يكون علم الحكمة وفصل الخطاب قد جمع بين طرفي الفقه في الدين أو ما يسميه الغزالي علم الآخرة[xxii].

ج‌.    الجمع بين العلوم الشرعية والعلوم الكونية:

كان الجمع بين المنهج العلمي التجريبي، والمنهاج الإيماني منهجا تعليميا درج عليه علماؤنا الأقدمون رحمهم الله أمثال ابن الهيثم الذي جمع بين الفقه في الدين والخبرة في علم البصريات، تعايش عندهم النظر في الأنفس مع النظر في الآفاق، كما يقول الأستاذ عبد السلام ياسين[xxiii].

لكن ظروف العض التاريخية وفتنته، وانتكاس الهمم لم تكن لتسمح لمنهج التعايش أن يستمر، خصوصا بعد أن بلغ مسلسل النقض لعرى الدين مداه، وتخلف المسلمون عن الركب العلمي والحضاري، فأخلدوا إلى التقليد في الشرعيات وطلقوا الكونيات.

وفي هذا المعنى يقول الأستاذ ياسين: “لئن عجز المسلمون عما يصنع الأقوام ويبدعون ويخترعون ويغلبون، فلوقوف العقل المسلم حائرا تحت ضربات الفتن السياسية، الحروب الداخلية، واستبداد الحاكم، واعتكاف المجتهد على أحكام الشرع في القضايا الفقهية اليومية وانكفائه عما وراء ذلك”[xxiv].

ولذلك فحين نتحدث عن ضرورة الجمع بين الشرعيات والكونيات في منهج علم الحكمة وفصل الخطاب، إنما نسعى للرجوع إلى حالة القرآن والانجماع الأصلية، وتجاوز حالة الانفصام الطارئة، فيستقيم فعل الإنسان وقراره ورؤيته وحكمه على الأشياء، وذلك بانجماع قصد الله الشرعي وقصده الكوني في ذهن هذا الإنسان وفي ذهن مؤسساته.

3.     موضوع علم الحكمة وفصل الخطاب:

يبحث علم الحكمة وفصل الخطاب عن أوجز المسالك وأيسر الطرق لتعبيد الناس لربهم جل وعلا، وهذا ما يقتضي البحث عن كيفية بناء خطاب علمي دعوي متكامل يكون فاعلا ومؤثرا في الناس على اختلاف أصنافهم ومشاربهم الثقافية والفكرية مقنعا للمنصفين ومفحما للمعاندين.

ولا يكون الخطاب الدعوي كما وصفنا إلا بتوفر أمرين:

أـ الهوية الإحسانية والقدم الراسخة في التربية الإيمانية لحامل خطاب علم الحكمة وفصل الخطاب، بمعنى أن يكون الواعظ هو نفسه يقظا إلى مصير نفسه حاضرا مع مشهد رمسه[xxv]، يسأل نفسه قبل أن يلوم الناس، “هل استقمت أنا قبل أن ألوم الناس على اعوجاج العقيدة؟ هل تغيرت أنا وتحولت حتى أدعو الناس إلى التغيير؟”[xxvi].

“فالواعظ الفاعل المؤثر إنما يكون بالكلمة الصادقة الصادرة من قلب خاشع، ولا يكون بالكلمات المنمقة، ولا بسرد الآيات المحكمات، والأحاديث بإسنادها ورواتها، تمر من فوق الرؤوس لا تسلك إلى القلوب”[xxvii].

والوسيلة العملية لذلك كله صحبة الأخيار والتزام مجالس الذكر مع الأبرار، وملازمة الاستغفار مع الأسحار، والقيام بين يدي الخالق الغفار.

ب ـ المعرفة بتضاريس الواقع وما يعج فيه من قضايا وأفكار وكشوفات وغيرها مما يمكن من معرفة ما فيه الناس باعتباره انفتاحا على آيات الله في الكون، منه عقل الإنسان، وما تتفتق عنه حيلته وذكاؤه، بهذا يقوى الخطاب الدعوي على مخاطبة الناس بإقناع وبحكمة فاصلة، وإلا فـ”إن العالم الواعظ المربي المعلم، لا يستطيع أن يلفت النظر بإقناع الفكر ولا يستطيع صد الموبقات الشكية والمغرقات الجحدية إن كانت كلمة القرآن في لفظه لا يسندها دراية ما فيه الناس، غائب شأن الناس وعلوم الناس، وابتكارات الناس عن لحظه”[xxviii].

فالعلوم الحديثة بأنواعها، والبحث ومزاحمة الآخر فيها موضوع حيوي من موضوعات علم الحكمة وفصل الخطاب، يفيد في أمرين اثنين:

ـ القدرة على صياغة خطاب مقنع مسلح بالحجج العلمية الدامغة.

ـ التمكن من نقض أساس الإلحاد والزندقة المبني على نظريات باطلة وأوهام زائفة، يتأكد ذلك يوما بعد يوم إثر كل اختراع أو اكتشاف علمي.

الهوامش:

[i]ـ انظر المفردات في غريب القرآن للراغب الأصفهاني ص 127، وعبد السلام ياسين: “الرسالة العلمية” ط1. مارس 2001. مطبوعات الهلال. ص 19.

[ii]ـ المفردات ص 127.

[iii]ـ سورة الأحزاب من الآية 34.

[iv]ـ المصدر السابق ص 127.

[v]ـ نفسه وانظر الرسالة العلمية ص 19.

[vi]ـ سورة لقمان جزء من الآية 11.

[vii]ـ المفردات ص 127.

[viii]ـ الصافات من الآية 21.

[ix]ـ المفردات ص 128.

[x]ـ نفسه.

[xi]ـ انظر الرسالة العلمية ص 19.

[xii]ـ نفسه.

[xiii]ـ نفسه.

[xiv]ـ نفسه ص 26.

[xv]ـ نظرات في الفقه والتاريخ ص 17.

[xvi]ـ نفسه ص 18.

[xvii]ـ اشتهرت هذه القولة على الألسن منسوبة إلى مالك رحمه الله، ولباقي أئمتنا أقوال مأثورة في المعنى نفسه كقول الشافعي: “إذا صح الحديث فهو مذهبي”.

[xviii]ـ نظرات في الفقه والتاريخ ص 23.

[xix]ـ انظر المرجع السابق ص 27ـ28.

[xx]ـ البخاري، كتاب العلم، باب من يرد الله به خيرا.

[xxi]ـ إحياء علوم الدين ج1، ص95.

[xxii]ـ انظر المصدر السابق، الباب الثاني من كتاب العلم.

[xxiii]ـ انظر الرسالة العلمية ص65.

[xxiv]ـ المرجع السابق.

[xxv]ـ انظر الرسالة العلمية ص49.

[xxvi]ـ نفسه.

[xxvii]ـ نفسه.

[xxviii]ـ الرسالة العلمية ص 29.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.