منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

ميلود.. وأجرُك على الله

ميلود.. وأجرُك على الله/ د. عبد القادر الدحمني

1

ميلود.. وأجرُك على الله

د. عبد القادر الدحمني

ولأن اسمَكَ احتفاءٌ بخير الخلق، وتعلُّقٌ بحبيب الحق، كان لا بدّ أن تعود مهما طال الشرود.. وكيف بمن تَسَمَّى باسم ذكرى المولد الشريف ألا تدركه عناية المولى اللطيف !
أربع صور، لا تفارق روحي: وجهك باكيا، ضحكة التعجّب والفرح، ملامح الشوق في عينيك، وبحَّة الحنين.

1- وجهك باكيا:

ولأول مرّة أعرف معنى “قهر الرجال” الذي نتعوذّ منه في دعواتنا، كنت تلبس سروال الجين الأزرق، وقميصك الأزرق، وتنتعل حذاءً رياضيا متينا، حتى لكأنّ سنواتك الخمسين، تشكّك في سلامة بصري، وتسخر من موازيني، إذ كنت تبدو يافعا متوثّبا، خفيفا كريشة، عدّاءً على أهبّة الانطلاق، حينها فقط أدركت أن الإيمان والحب قد يغيّران كثيرا من الأشياء التي تقدّم نفسها حقائقَ لا تقبل التشكيك.
كنت جالسا، ووقفت مع الواقفين، لم يكن الأمر مجرّد امتثال لقاضي محكمة تنعقد أمامك، وقفت بلهفة المشتاق، بحرقة المكلوم، كأنك طفل ذاهل عمّا سوى ما تعلّق به، رأيتك تشرئبُّ بعنقك كأنك غائب عمّا سوى ما تتطلّع إليه، وما أن رأيتَ القيد في كَفِّي مضروبا حول الرسغ ومقرونا بكفِّ متَّهم آخر، ونحن ندخل المحكمة، حتى اجتذَبَنِي تطلُّعُك المَوَلَّهُ، والأزرقُ الذي تلبسُه، لكنّني سرعان ما رأيت انكسارك، حين انفجرتَ باكيا، وأنت الأسد الهَصور الذي لا يضعُفُ ولا يلين. كان بكاؤك مريرا، مزّق جوانحي إلى درجة سيطر فيها على كل ما سواه، وكان المصيبة التي تفوق محاكمتي الظالمة أسًى وظلاما.

وإِذْ أذكُرُ انكسارَك في بكائك، رغم القوّة الهائلة التي تتفجّر من عينيك ومن شخصيتك، أعرف أنها لم تكن مجرّد لحظة، بل تاريخا كاملا، وتلخيصا مقتضبا لمعنى الحياة بكل تعقيداتها وآلامها.

2- ضحكة التعجُّب والفرح:

استغرَبَ الضابط الذي دعاك إلى صعود سيارة الأمن ضحكتك الغريبة، كيف يضحك بتلك السخرية المتعجّبة من هو مقبل على مجهول لا تشي عاقبته بما يرضي! تعجّب الضابط وحَدَّقَ فيك مستطلعا، لكنّك كنت أشدّ منه تعجُّبا. سألكَ المسكين:

– كيف تضحك بهذا المرح وأنت موقوف بتهمة لن تنجو من عواقبها؟

أجبتَه بطمأنينة من يرى لطف الله العجيب فوق كل مظاهر الأقدار:

– سبحان الله، كنتم دوما تحملونني من هذا الحي بسبب عربدتي وشجاري وعنفي ! فكيف لا أضحك فرحا وأنتم تحملونني لأول مرة في حياتي على موقف حقّ ودين. والله إنه لشرف أكبر من أستحقّه.
استغرَبَ الضابط من وُشْكِ الدُّمُوع على القفز من عينيك، وصَمَتَ غائِصًا فيما فتحته من أبواب الْعِظَةِ والمعنى.

3- بريق الشوق في عينيك:

من يستطيع أن ينسى انتفاضَك ضدّ تمديد النقاش في تلك النقطة بالضّبط، غضبك الخالص لكرامة الدعوة وقيمتها، ثم تملّصت من كفّي المُربِّتة، بعزّة وشهامة غَضْبَتِكَ الدّعويةِ النبيلةِ قائلا:

– لا تُذِلُّوا دعوةَ اللَّه أبَدًا، مصاريفُ هذا اللقاء كُلُّهَا على ذِمّتي وحدي، ولا تناقشُوني في هذا أبدا، وأضيف: دعوا هذا اللقاء لي، لا دخل لكم فيه، اللقاء في بيتي وعلى حسابي، وهؤلاء أبنائي، ولا أقبل مراجعةً من أحد في هذا..

يا الله ! كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يرجو دعما ومَدَدًا: من ينصرني؟ من يأويني حتى أبلّغ دعوة ربّي؟ وها أنت تستجيب بنخوة الشرفاء ولهفة المشتاق، وكأني بك في تلك اللَّحظة تريد أن تبذل كل شيء فِدَاءَ دعوتك ومحبّتك، كأني بك تماهيت مع الدعوة فلم تشأ أن تتركها تمدّ يدها أبدا، ولو إلى أبنائها.

4- بحَّة الحنين:

بحّة لا تفارق روحي أبدا:

– وهل يترك الأب أبناءه؟!

لم يكن الأمر يتعلّق بطلب الجواب، كانت دفقة حنين هائلة، باحَتْ بالفقد، واتّقدَتْ بنار الوجد، كانت همسا متلعثما كأنه قطرات نَزْفٍ تَهْمِي من جُرْحٍ غائِرٍ فاتَ أوانُ الْتِئامِهِ وبُرْئِه.

أظنُّك من يومِهَا مَرِضْتَ، واستسلم جسدُك لغزو الداء، وأخذتَ مسافةً كافيةً لتعيش اكتئابا مخفيًّا حتى عن أقرب المقرّبين، كان ينفجر أنينًا كلما زُرْتُكَ واحتضَنْتَنِي معانقًا كأنك تهرب من فقدٍ يَبْتَلِعُكَ بلا هوادة.
قدّمتَ لي ابنتَكَ مفتخرا، لتهُشَّ على ذاكرتي عساها تُحْكِمُ التَّأريخ:

– هذي بنتي نادية، شوف تبارك الله ولات عزبة.

نعم، أذكر احتفاءَك باسم ندية ياسين: امرأة زعزعت بإيمانها وإرادتها الحرّة نظاما كاملا بمختلف أجهزته، نعم أذكُرُ حضورَك في محاكمتها، ورجوعَك منها مباشرة لتسمِّي ابنتَكَ باسمها، كأني بك تَشُدُّ أيَّ وثاقٍ تطالُهُ يدُك كي تُكْمِلَ انتسابَك إلى دوحة العدل والإحسان، وشجرة الرجولة واليقين، هكذا جمعت القرآنَ الكريم، وسارعت بالبذل، ووقفت مواقف الجبال الراسيات، وجرت دموعُ خشوعك في أسحار الخلوات.. فكأنِّي بك أُخَيَّ كنت تسمع نداء رحيلك القريب، فتستعجل الخُطى، ولا تَنِي تَحُوزُ زَادَ السفر.

رحمك الله سيدي ميلود الحرّاثي، وجمعنا في مستقر القرب والرضى بحوله وقوته، آمين.

تعليق 1
  1. مولاي رشيد يقول

    كل كلمة في هذا المكتوب ينفجر منها ينبوع لا ينضب من المعاني الصادقة تحكي تجربة دعوة العدل والإحسان في بعدها الإنساني كما عاشها الجيل الأول من شباب الجماعة وكأنها امتداد موصول بلا انقطاع لحياة جيل الشباب من الصحابة الكرام في استمدادهم الروحي وتعلقهم القلبي برسول الله صلى الله عليه وسلم وهم محلقين حوله لا يطيقون مفارقته، فإن فارقته أشباحهم لم يفارقه حبهم وشوقهم وحنينهم، ولا فارق قلوبهم معناه وحضوره الدائم فلا انقطاع.

    في هذا السرد تجد معناك يختلط بمعانى الحكاية فلا تستطيع القبض على الزمن، ولا تمييز معالم المكان، ولا التحقق من شخصيات الحكاية، حتى إنه ليخيل إليك أن الراوي يستعير زمانا ومكانا وشخصيات افتراضية لتحكي تجربتك أنت، أو لعلها تحكي تجربة الزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله، ومصعب بن عمير …

    فرحم الله سيدي ميلود الحراثي وسائر الأحباب من شباب الجماعة الذين هم على شاكلته ممن التحق بالرفيق الأعلى، وألحقهم بخير شباب مشى على وجه الأرض، سلفهم من شباب الصحابة رضوان الله عليهم الذين حلقوا حول رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما حلقوا هم أيضا إن لم يكن حول شبحه فحول روحه وحقيقته ومعناه.

    فجزاك الله خيرا سيدي عبد القادر الدحماني على هذا السرد الذي لا أحسب إلا أنك أطلقت العنان لروحك فسار خلفها قلمك يتقفى أثرها، فلا يدري القارئ – الذي يشاركك في المعنى ويشجيه ما شجاك – أأنت الحاكي أم أنت الحكاية!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.