منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

شاي بالنعنع

فيحاء نابلسي / شاي بالنعنع

0

شاي بالنعنع

فيحاء نابلسي

منذ ساعتين لم تنطق سلوى كلمة واحدة!
حالما وقعت عيناها عليّ أدركتُ أنها عرفت كل شيء, منذ عرفتها لم تخطئ في قراءة وجهي مرة واحدة! مع ذلك أخبرتها:
” وليد غدرني !”

لم أكمل, هي فهمت , هزّت رأسها وقالت :” خير, قضاء الله كله خير .” وفقط , لم تقل شيئا آخر.
لو أنها اندفعت إلى غرفة النوم وحشرت ملابسها في حقيبة على عجل, كنت سأغلق الباب بالمفتاح وأمنعها من الخروج وأظل أعتذر لها حتى تهدأ , لكنها لم تفعل .
لو أنها رمت بالأطباق والكاسات أرضا, كنت سألملم نثار الزجاج وأغسل الدم عن أصابعها , ألفها بضماد , أجلسها جانبا حتى أنظف كل الفوضى ثم أحتضنها وأهمس في أذنها بأني سأصلح كل شيء , لكنها لم تفعل!

لو أنها صرخت وألقت بكل السباب والشتائم في وجهي كنت سأمسك بيديها وأغني لها ” أشهد أن لا امرأة أتقنت اللعبة إلا أنت واحتملت حماقتي عشرة أعوام مثلما احتملت , وسأعدها أن كل شيء سيكون بخير, لكنها لم تفعل شيئا !
تركتني أستلقي على الأريكة وتابعت أشغالها بكل رتابة .

المزيد من المشاركات
1 من 51

وقع خطواتها وهي تتنقل بين الغرف أشبه بوقع بندول يتأرجح ليخبرك أن الزمن لا يتوقف بأي حال.
أراقبها بعين نصف مغمضة, تروج وتجيء, طيفها يشيع في نفسي سكينة تطفئ براكين الغضب التي تفور في عروقي.
أروع شيء في سلوى أنّ ميّتها لا يقوم!
في كل مرّة أخطأنا فيها , كانت أمي تعيد الشريط من البداية , تذكرنا بألام المخاض التي قاستها في ولادتنا, بالابر التي زرّقت جسدها, بالليالي التي لم تغمض لها عين , تذكرنا بكل كأس كسرناها وكل حذاء أبليناه كانت قد قطعت عن فمها اللقمة لتشتريه لنا , كانت أختي تقف ورائها وترفع يديها للأعلى وهي ترندح ” قام قام حقاً قام ..” ثم تفرّ هاربة قبل أن ينالها نصيبها من الغارة.
على عكس أمي تماما , سلوى لم تبك يوما على حليب مراق.
المشكلة أنه هذه المرة لم يكن حليباً! كان جنى العمر , الحيلة والفتيلة.
تكلمت كثيرا حتى جف ريقها .
كل يوم كانت تعيد علي
” أولادنا أولى بهذا المال, نأمن لهم به شيء”
” هؤلاء الذي يعملون البحر طحينة لا أطمئن لهم ”
” حرّص ولا تخوّن”
” لا تسلم رقبتك لأحد , المال يغرّ, الشيطان شاطر , الشيطان ما مات .”
كنت أهزّ رأسي وأعمل أذنا من طين وأذنا من عجين وأهمس بسري” شو فهم النسوان بشغل الرجال.”
كنت أعمى, أتابابع وليد مبهورا بشطارته وفهلويته , مأخوذا به كطفل يشاهد حاويا يخرج من كم سترته أرانب وحمام وشرائط ملونة .
ولكن سلوى كانت على حق , لا يمكن للبحر أن يصبح طحينة .
آه , أمرأة أفهم منك يا خالد .
فعلها وليد , صديق العمر , لأن الشيطان شاطر والمال يغرّ.
الآن فهمت , ولكن ما نفع الفهم بعد أن راح كل شيء وبقيت على الحديدة؟
كل يوم كانت تعيد وتزيد , لكنها اليوم لم تقل شيئا , لم تقل أي شيء, هل تعاقبني بصمتها أم أنه الهدوء الذي يسبق العاصفة ؟
قرع سكينها على لوح تقطيع الخضار يستفز نبضي كلهاث نمر جائع يجري خلف طريدة.
توقف صوت السكين ,
مالذي تفعله ياترى؟
هل يمكن أن تكون قد قطعت وريدها ؟ تنهي حياتها لتتخلص من همي وحماقاتي؟
لا يمكن أن تفعل ذلك , سلوى مؤمنة , .
ماذا لو فعلت ؟
سأغدو مضغة في أفواه النسويات .
سيبدعن في شيطتنتي ويتفننون في كيل السباب والشتائم لي ولكل ذكور الأرض, وربما سيشطح بهن الخيال ليؤلفن قصصا , ستزعم احداهن أن سلوى ضبطتني مع امرأة أخرى وأنها لم تحتمل الصدمة , ربما سيتهمنني بتعنيفها وضربها أو …. الله أعلم
لا … لا .. سلوى عاقلة , متزنة , وهي تحبني , هي قالت أنها تحبني وستعيش معي على الحلوة والمرة.
ولكن
ماذا لو أنه فاض بها الكيل ونفذ صبرها ؟ علي أن أدركها قبل أن ترتكب حماقة.
أخطو على رؤوس أصابعي إلى المطبخ , أقف خلفها, السكين في يدها وعيناها شاردتان في الأفق البعيد .
أهمس في أذنها :.
سلوى بماذا تفكرين , سلوى بماذا تحلمين؟”
لا تجيب
أربت على كتفها وأتساءل باذلاً جهدا جبارا لإخفاء رعشة صوتي
” شو رح تعملي؟”
تلتفت إلي بعينين أشبه بصفحة بيضاء لم يخط عليها احد حرفا من قبل :
” شاي ”
” شاي ! شاي شو ؟”
ترفع كتفيها وتقلب شفتها باستسلام :
” شاي بالنعنع !”

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.