منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الإجهاض، دراسة فقهية مقارنة

0

 

يثار النقاش بين الفينة والأخرى حول مواضيع إشكالية ذات علاقة بالحريات الفردية، ومنها موضوع الإجهاض، خصوصا أن المؤسسات التشريعية لأغلب البلدان الإسلامية تسن قوانين خاصة لمنعه وتجريمه، مع العلم أن الإجهاض واقع منتشر في تلك البلدان كلها، سواء الإجهاض الطبي أو الإجهاض التقليدي.

في ظل هذا الواقع، يتساءل كثير من الناس عن الحكم الشرعي للإجهاض، هل القانون المجرِّم يستمد شرعيته من الحكم الشرعي؟ وهل للإجهاض حكم واحد في الفقه الإسلامي دون النظر إلى مراحل تطور الجنين؟ وهل الآراء حول الإجهاض مجمع عليها بين فقهاء المذاهب المتقدمين والمتأخرين؟

من الصعب جدا إيراد جواب مختصر مفيد حول المسألة، لأنه ليس مبنيا على نص شرعي قطعي يفيدنا الجواب دون بحث ومدارسة، كما أنه وإن عُدَّ من الممارسات القديمة[1]، إلا أن النوازل الفقهية واجتهادات الفقهاء فيه قليلة نسبيا، وبعد تجميعها وتصنيفها يمكن حصرها في الأقوال الآتية:

المزيد من المشاركات
1 من 19

1 – المنع بعد مائة وعشرين يوما:

هذا القول مجمع عليه بين العلماء من سائر المذاهب.

2 – المنع مطلقا:

تبنى جمهور المالكية القول بحرمة إسقاط النطفة بمجرد استقرارها في الرحم، وتوارد بعضهم على إيراد قولهم: “لا يجوز إخراج المني المتكون في الرحم ولو قبل الأربعين يوما، وإذا نفخت فيه الروح حرم إجماعا”[2]، وقال الدسوقي في حاشيته: “وهذا هو المعتمد”[3]، للإشارة إلى أن القول بالحرمة المطلقة هو المعتمد في الفتوى عند المالكية. وقال ابن العربي المعافري: “للوَلَدِ ثلاثةُ أحوالٍ:

  • حال قبل الوُجود ينقطع فيها بالعزلِ، وهو جائز؛
  • وحال بعدَ قَبْضِ الرحم على المني، فلا يجوز لأحدٍ حينئذٍ التعَرض له بالقَطعِ من التولُّد، كما يفعل سفلَةُ التجارِ في سقي الخدم عندَ امتساكِ الطَّمْثِ الأدويةَ الّتي تُرخِيهِ، فيسيلُ المَنِي معه، فتنقطع الولادة؛
  • الثّالثة: بعد خلقه قبل أن تنفخ فيه الروح، وهو أشد من الأَولَين في المنع والتّحريم، لما روي فيه من الأثر: “إن السقط ليظل محبنطئا على باب الجنة، يقول: لا أدخل الجنة حتى يدخل أبواي”[4]، فأما إذا نفخ فيه الروح فهو قتل نفس بلا خلاف”[5].

وهو الرأي الذي تبناه شيخه الغزالي من الشافعية بقوله: “وأول مراتب الوجود أن تقع النطفة في الرحم وتختلط بماء المرأة وتستعد لقبول الحياة، وإفساد ذلك جناية، فإن صارت مضغةً وعلقةً كانت الجناية أفحش، وإن نفخ فيه الروح واستوت الخلقة ازدادت الجناية تفاحشاً، ومنتهى التفاحش في الجناية بعد الانفصال حياً، وإنما قلنا مبدأ سبب الوجود من حيث وقوع المني في الرحم لا من حيث الخروج من الإحليل، لأن الولد لا يخلق من مني الرجل وحده، بل من الزوجين جميعاً… ماء المرأة ركن في الانعقاد، فيجري الماءان مجرى الإيجاب والقبول في الوجود الحكمي في العقود، فمن أوجب ثم رجع قبل القبول لا يكون جانياً على العقد بالنقض والفسخ، ومهما اجتمع الإيجاب والقبول كان الرجوع بعده رفعاً وفسخاً وقطعاً، وكما أن النطفة في الفقار لا يتخلق منها الولد، فكذا بعد الخروج من الإحليل ما لم يمتزج بماء المرأة ودمها، فهذا هو القياس الجلي”[6]، وقال ابن حجر الهيتمي بعد حكاية قول الغزالي مرجحا له: “وهو الأوجه، لأنها بعد الاستقرار آيلة إلى التخلق المهيّأ لنفخ الروح، ولا كذلك العزل”[7].

ولابن الجوزي في أحكام النساء عبارة يفهم منها قوله بالتحريم، قال عن الماء الذي يتكون منه الولد: “تعمُّد إسقاطه مخالف لمراد الحكمة، إلا أنه إن كان ذلك في أول الحمل قبل نفخ الروح كان فيه إثم كبير”[8]، وبما أنه لم يستثن فترة النطفة ولم يميزها عن غيرها، فهمنا عبارته “أول الحمل” على إطلاقها.

مقالات أخرى للكاتب
1 من 3

ورجح رأي الغزالي غير واحد من المعاصرين، منهم الإمام الدكتور يوسف القرضاوي أعلى الله مقامه، والدكتور وهبة الزحيلي رحمه الله.

قال الإمام القرضاوي: “وإذا كان الإسلام قد أباح للمسلم أن يمنع الحمل لضرورات تقتضي ذلك، فلم يبح له أن يجني على هذا الحمل بعد أن يوجد فعلا، ولو جاء هذا الحمل من طريق حرام، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقبل أن يقيم الحد على امرأة حملت من زنى حتى تضع جنينها، وتتم رضاعته، إذ لا ذنب له”[9]، وأورد كلام الغزالي متبنيا له.

قال الدكتور وهبة الزحيلي رحمه الله: “وأرجح عدم جواز الإجهاض بمجرد بدء الحمل، لثبوت الحياة، وبدء تكون الجنين،… وإني بهذا الترجيح ميّال مع رأي الغزالي الذي يعتبر الإجهاض ولو من أول يوم كالوأد جناية على موجود حاصل”[10].

ويمكن أن نلحق الفقيه علي بن موسى القمي الحنفي بالمانعين، لأنه كان يكره للمرأة إسقاط النطفة، وسبب الإلحاق أن الحنفية يطلقون الكراهة على كراهة التحريم، وعلل رأيه بقياس النطفة على بيض صيد الحرم، لأن “مآل الماء بعدما وصل إلى الرحم الحياةُ، فإنه لا يحتاج إلى صنع أحد بعد ذلك، لينفخ فيه الروح، وإذا كان مآل الحياة للحال كما في بيضة الحرم لما كان مآلها أن تصير صيداً، يعطى لها حكم الصيد، حتى إن من أتلف بيضة صيد الحرم ضمن”[11].

3 – الجواز قبل مائة وعشرين يوما:

نُقل عن ابن عقيل الحنبلي أنه حكى في كتاب الفنون قولا عن السلف ينص على حرمة العزل، بدعوى أنه وأد، ثم قال: “فأنكر علي ذلك، وقال: إنما الموءودة بعد التارات السبع وتلا: “وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ، ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ، ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ[12]“، ثم علّق ابن عقيل على هذا الرأي بقوله: “وهذا منه فقه عظيم، وتدقيق حسن، حيث سمع “وإذا الموؤودة سئلت بأي ذنب قتلت”، وكان يقرأ: “سَألَت بأي ذنب قُتلت”، وهو الأشبه بالحال، وأبلغ في التوبيخ، وهذا لما حلّته الروح، لأن ما لم تحلّه الروح لا يبعث، فيؤخذ منه: لا يحرم إسقاطه. وله وجه[13].

وعزا ابن الهمام (ت: 861هـ) هذا الرأي إلى بعض الحنفية دون تعيينهم، قال: “هل يباح الإسقاط بعد الحبل؟ يباح ما لم يتخلق شيء منه…، قالوا: ولا يكون ذلك إلا بعد مائة وعشرين يوماً، وهذا يقتضي أنهم أرادوا بالتخليق نفخ الروح”[14]. وقال ابن مازة البخاري (ت: 616هـ): “وإن أرادت الإلقاء قبل مضي مدة ينفخ فيه الروح؛ اختلف المشايخ فيه، قال بعضهم: يحل لها ذلك، لأن قبل مضي المدة التي ينفخ فيه الروح لا حكم لها، فهذا والعزل سواء، وفي فتاوى أهل سمرقند: إذا أرادت إسقاط الولد فلها ذلك إذا لم يستبن شيء من خلقه، لأن ما لا يستبين شيء من خلقه لا يكون ولداً… وفي نكاح فتاوى أهل سمرقند: امرأة مرضعة ظهر بها حبل وانقطع لبنها، وتخاف على ولدها الهلاك، وليس لأب هذا الولد سعة حتى يستأجر الظئر، هل يباح لها أن تعالج في إسقاط الولد؟ قالوا: يباح ما دام نطفة، أو علقة، أو مضغة لم يخلق له عضو، لأنه ليس بآدمي… ذكرت في الواقعات المرتبة في الباب الثالث من النكاح في تعليل المسألة أن خلقه لا يستبين إلا في مائة وعشرين يوماً”[15]. واستقر العمل والفتوى على هذا الرأي عند الحنفية، لذا اقتصروا عليه في مختصراتهم، قال زين الدين الرازي (ت: 666هـ) في مختصره: “ويباح للمرأة إسقاط الولد ما لم يستبن شيء من خلقه”[16]، وقال بدر الدين العيني (ت: 855هـ) في شرحه: “لأنه ليس بآدمي ما لم يستبن خلقه”[17]، ونقل ابن نجيم (ت: 1005هـ) عن عقد الفرائد: “قالوا يباح لها أن تعالج في استنزال الدم ما دام الحمل مضغة أو علقة ولم يخلق له عضو، وقدّروا تلك المدة بمائة وعشرين يوما، وإنما اباحوا ذلك لأنه ليس بآدمي”[18]، وقال العلاء الحصكفي (ت: 1088هـ): “قالوا: يباح إسقاط الولد قبل أربعة أشهر ولو بلا إذن الزوج”[19].

وسئل شهاب الدين الرملي (الأب) من الشافعية عن استعمال ما يلقى به الحمل قبل نفخ الروح، فأجاب: “لا يحرم استعمال ما يلقى ما لم ينفخ فيه الروح”[20]، وحكى البجيرمي من الشافعية أيضا الخلاف في المسألة، وقال عقبه: “والمعتمد أنه لا يحرم إلا بعد نفخ الروح فيه”[21]، والتعبير بـالمعتمد، لبيان أن هذا الرأي هو المعتمد عند الشافعية، وبه يُفتون، لأن المقرر عندهم أن “أقل ما يكون جنينا أن يفارق المضغة”[22]، أما من لم يفارقها فلا يسمى جنينا، ولا تنطبق عليه أحكام الأجنة وما يترتب عليها من عدة وأمية الولد وغيرها، ولما أورد الجويني قاعدة الشافعية في ضابط الجنين، علق عليه بأقوال منها: “وإذا أسقطت المرأة جنينا بدا فيه التخليق والتخطيط، فيثبت به وجوب الغرة، والكفارة، وأمية الولد، وانقضاء العدة… ولا يشترط أن يبدو جميع التخليق أو معظمه، ولكن إن بدا منه شيء في طرف من أطراف الجنين، كفى ذلك، ومن جملته الظفر والشعر، والتخليقُ بدُوّ صور الأعضاء، ولو كان لا يتبين تميز الأعضاء، ولكن بدت مراسمها بخطوط، فذلك كاف… لو ألقت علقة أو مضغة، لم تنتظم انتظام اللحم، فلا حكم لما ألقته، ولا يتعلق به أمية الولد، ولا وجوب الغرة عند فرض الجناية، ولا وجوب الكفارة، وإن قالت القوابل: ما ألقته أصل الولد. ولكن إن قطعن بذلك ولم نثبت شيئا من الأحكام التي ذكرناها، فهل يعلق بقطعهن انقضاء العدة فحسب؟ فعلى وجهين نقلهما بعض من يوثق به عن القاضي، وهذا بعيد، فإن ما ألقته أصل الولد، وأصل الولد لا يسمى حملا. هذا إذا ألقت علقة أو مضغة”[23]. ومفهوم كلامه أن المرأة إذا أسقطت ما لا يطلق عليه الجنين، أو ما لم يبدُ فيه التخليق، لا تعد مرتكبة جناية تستوجب الغرة، كما أشار إلى التمايز بين الحمل وبين أصل الولد، فأناط الأحكام بالأول، وألغاها في الثاني.

ويمكن نسبة هذا القول إلى جمهور الزيدية، قال ابن المرتضى (ت: 840هـ) “لا شيء فيما لم يتبين فيه التخلق والتخطيط، كالمضغة والدم، إذ لم يقض صلى الله عليه وآله وسلم بالغرة إلا في متخلق”[24]، ونسب هذا القول إلى الأكثر.

4 – الجواز قبل الثمانين يوما:

تبنى هذا الرأي بعض الشافعية، قال ابن حجر الهيتمي: “اختلفوا في جواز التسبب إلى إلقاء النطفة بعد استقرارها في الرحم، فقال أبو إسحاق المروزي يجوز إلقاء النطفة والعلقة، ونقل ذلك عن أبي حنيفة”[25]. وقال الزركشي: “وفي تعاليق بعض الفضلاء قال الكرابيسي: سألت أبا بكر بن أبي سعيد الفراتي عن رجل سقى جارية شرابا لتسقط ولدها فقال مادام نطفة أو علقة فواسع، أي جائز له ذلك إن شاء الله تعالى”[26].

والجمع بين النطفة والعلقة في حكم واحد مقررٌ في مواضع من فقه الشافعية، قال الماوردي (ت: 450هـ) في الحاوي: “العلقة في حكم النطفة في أنه لم يستقر لها حرمة ولم يتعلق بها شيء من الأحكام الثلاثة بإجماع الفقهاء، فلا تجب فيها غرة، ولا تصير بها أم ولد، ولا تنقضي بها العدة”[27]، ولعل القول بجواز إسقاط النطفة داخل الثمانين يوما مخرَّجٌ على هذا الاقتران بين النطفة والعلقة في الأحكام.

5 – الجواز قبل الأربعين يوما:

تعتبر النطفة الطورَ الأول من أطوار خلق الإنسان، ثم تصير علقة بعد ذلك كما ورد في نصوص الشرع، ومرحلة النطفة لا تتجاوز أربعين يوما، وهي المرحلة التي أجاز فيها بعض الفقهاء إسقاط الحمل، وهو الرأي المعتمد عند الحنابلة، قال ابن رجب الحنبلي (ت: 795هـ): “صرَّح أصحابنا بأنَّه إذا صار الولدُ علقةً لم يجز للمرأة إسقاطُه، لأنَّه ولدٌ انعقدَ، بخلاف النُّطفة، فإنَّها لم تنعقد بعدُ، وقد لا تنعقدُ ولداً”[28].

وبعد البحث في كتب الحنابلة، وجدت عددا وافرا منهم يورد هذا الرأي متبنيا له، وأبدأ إيراد نقولهم بكتاب الوجيز في الفقه على مذهب الإمام أحمد لسراج الدين الدجيلي (ت: 732هـ)، لأنه كتاب مختصر لا يورد إلا المعتمد في المذهب، قال: “ويباح للمرأة إلقاء النطفة قبل أربعين يوما بدواء مباح”[29].

قال أبو عبد الله محمد ابن مفلح المقدسي (ت: 763هـ): “ولها شرب دواء مباح لقطع الحيض… ويجوز شربه لإلقاء نطفة، ذكره في الوجيز”[30].

قال أبو إسحاق إبراهيم ابن مفلح (ت: 884هـ): “لا بأس بشرب دواء مباح لقطع الحيض إذا أمن ضرره، نص عليه، واعتبر القاضي إذن الزوج كالعزل، وشربه يجوز لإلقاء نطفة، ذكره في الوجيز[31].

قال علاء الدين المرداوي (ت: 885هـ): “يجوز شرب دواء لإسقاط نطفة، ذكره في الوجيز، وقدمه في الفروع[32].

قال ابن النجار الحنبلي (ت: 972هـ): “ولرجل شرب دواء مباح يمنع الجماع، ولأنثى شربه لإلقاء نطفة”[33].

كرّر مرعي بن يوسف الكرمي (ت: 1033هـ) نفس عبارة ابن النجار، مع إضافة كلمة “علقة” في الأخير، للتوضيح ورفع ما قد يقع من لبس، ونص كلامه: “ولرجل شرب دواء مباح يمنع الجماع، ولأنثى شربه لإلقاء نطفة لا علقة”[34].

هذه أهم النقول التي وقفت عليها في متون متأخري الحنابلة ومصنفاتهم، وكلها تحكي القول بجواز إسقاط النطفة في الأربعين يوما الأولى، ومنه نعلم وهمَ الدكتور وهبة الزحيلي الذي قال عنهم: “المعتمد عندهم أنه يجوز الإسقاط في فترة الأربعة الأشهر الأولى من بدء الحمل قبل نفخ الروح”[35].

وحتى مصنفات متقدمي الحنابلة لا نجد فيها ما قاله الدكتور وهبة الزحيلي، قال أبو القاسم الخرقي (ت: 334هـ) في متنه المختصر: “وإذا شربت الحامل دواء فأسقطت به جنينا فعليها غرة لا ترث منها شيئا، وتعتق رقبة”[36].

وما قاله الخرقي غير محدد من حيث المدة، حيث أطلق الإسقاط على الجنين، لكن ذِكره للكفارة مؤذن بأنه لا يتحدث عن مرحلة النطفة، قال الزركشي في شرحه: “أما وجوب الغرة، فلأن الجنين مات بجنايتها، أشبه ما لو كان الجاني غيرها، وأما كونها لا ترث منها شيئا، فلأنها قاتلة، وقد تقرر أن القاتل لا يرث المقتول، فعلى هذا تكون الغرة لبقية الورثة، وأما كونها تعتق رقبة، فلما تقدم قبل”[37].

أما الشافعية فتواردوا على إيراد قول المحب الطبري: “أنَّ بعضَهم ذهبَ إلى أنَّ النطفةَ قبل تمامِ الأربعين ليس لها حُرْمَةٌ، ولا يثبتُ لها حكمُ السقطِ ولا حكمُ الولدِ، وأنَّ بعضَهم ذهبَ إلى أنَّ لها حُرْمَةً ولا يباحُ إفسادُها ولا التسبُّبُ في إخراجِها بعد استقرارِها في الرَّحِمِ”[38].

وقال القاضي عياض من المالكية: “ليس كل نطفة تكون ولداً، ولهذا رأى أهل العلم أنه ليس لها في الأربعين حكم السقط، ورأى بعضهم أنها ليس لها حرمة، ولا لها حكم الولد[39] فى الأربعين، خالفه غيره فى هذا، ولم ير إباحة إفساد المنى ولا سبب إخراجه بعد حصوله فى الرحم بوجه قرُب أو بعد، بخلاف العزل قبل حصوله فيه”[40]. ولما علق الدسوقي على القول بالحرمة المطلقة في المذهب المالكي، قال: “وهذا هو المعتمد، وقيل يُكره إخراجه قبل الأربعين[41].

والذي يهمنا في هذا الموضع، هو نسبة الطبري وعياض الجوازَ لبعض الفقهاء، ولعلهما يقصدان فقهاء مذهبيهما من المالكية[42] والشافعية، وأشار الدسوقي إلى القول بالكراهة، وهي أدنى من التحريم كما هو معلوم.

وإذا تجاوزنا ما نُسب إلى بعض فقهاء المالكية والشافعية وحكِي عنهم من القول بجواز إسقاط النطفة، فإننا نقف على تصريح أكثر وضوحا من الإمام أبي الحسن اللخمي رحمه الله، الذي قال في تبصرته: “وأجاز ابن القاسم في المدونة إذا مرّ لها منذ زنت شهران أن تُرجم إذا نظر إليها النساء، فقلن لا حمل بها. وليس بالبين، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أنه يكون أربعين يومًا نطفة، وأربعين علقة، وأربعين مضغة، ثم ينفخ فيه الروح في الشهر الخامس. وإذا كان ذلك، فإنه يمكن أن يكون في الشهرين علقة، فلا يجوز حينئذ أن يعمل عملًا يؤدي إلى إسقاطه ولا إلى إفساده، كما لا يجوز للمرأة أن تشرب حينئذ ما يطرح ذلك”[43]، ونقل هذا النص بتمامه ابن عرفة ولم يتعقبه بشيء[44].

ولما سئل الإمام المواق عن العزل، أجاب عن السؤال ثم استطرد قائلا: “وقد أجازوا أيضا أن تجعل المرأة وقاية في رحمها تمنع وصول الماء للوالدة[45]، أما إذا استقر المني في الوالدة ومكث أربعين يوما فلا يجوز التعرض لإفساده، ولو كان قد وجب قتلها فإنها لا تقتل حتى تلد، وأما قبل أربعين يوما فيقام عليها الحد، ودع المني يفسد، وأما لغير هذا، ففي جواز إفساده خلاف”[46]، ثم أورد كلام اللخمي السابق.

وكلام الإمام اللخمي صريح في تحريم إسقاط العلقة، وهي الطور الثاني من أطوار الحمل، ولم يتحدث عن إسقاطه في الطور الأول/النطفة، لذلك نقل غير واحد عن اللخمي أنه يقول بجواز إلقاء النطفة وإفسادها ما لم تتجاوز الأربعين، قال أبو العباس الونشريسي: “انفرد اللخمي فأجاز استخراج ما في داخل الرحم من الماء قبل الأربعين يوما، ووافق الجماعة فيما فوقها”[47]. وادعاء انفراد اللخمي من المالكية بالجواز غير مسَلَّم، لِما حكاه القاضي عياض، ولِما أوردناه من فتوى المواق.

ويمكن إدراج العلامة عبد العزيز بن الصديق الغماري ضمن القائلين بالجواز قبل الأربعين، قال رحمه الله: “والصواب أن المرأة إذا لم تخش الضرر، يجوز أن تعمل الوسائل لإسقاط النطفة من رحمها ما لم تصل إلى طور التكوين ونفخ الروح، فإذا بلغت طور التكوين الكامل، وصارت مستعدة لنفخ الروح فيها، حرم ذلك بلا خلاف”[48]، وفي هذا النص، لم يقل المحدث الغماري بجواز إسقاط الجنين أو الحمل، بل تعمّد استعمال كلمة “النطفة”، ثم لم يحرم الإسقاط بعد نفخ الروح فقط، بل أطلق التحريم على مرحلة الاستعداد لنفخ الروح، لذلك لم ندرجه ضمن القائلين بالجواز قبل المائة وعشرين يوما، يؤكد ما ذهبنا إليه، أنه أورد جواب علي بن أبي طالب كرم الله وجهه حول ادعاء اليهود أن العزل موؤودة صغرى، وأن الوأد لا يتحقق إلا بعد المرور بالتارات السبع المذكورة في القرآن، “وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ، ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ، ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ”[49]، وأورد مستند ابن عباس في إنكاره التسوية بين العزل والوأد، لأن العزل يحدث قبل الأطوار المذكورة في الآية، ثم قال بعد ذلك: “فـالنطفة قبل أن تمر عليها هذه الأطوار لا يكون لها هذا الحكم بدون خلاف[50]، ولهذا أقول: لا مانع من إفسادها وإسقاطها بالمرة إذا أمن الضرر، وكثير من النساء يتعاطين وسائل لإسقاط النطفة، فيقعن في محذور وضرر عظيمين، فيجب أن تكون السلامة مضمونة في ذلك، وإلا حرم تماما”[51].

ومن المعاصرين الذين تبنّوا هذا الرأي ودافعوا عنه بقوة، العلامة الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي في صفحات متعددة من كتابه مسألة تحديد النسل وقاية وعلاجا.

مناقشة وترجيح

بعد سرد الأقوال والآراء المنسوبة إلى المذاهب الخمسة، الزيدية والحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة، أرجع إليها لبيان ما تستند عليه من أدلة وتعليلات، للنظر والترجيح، دون الرجوع إلى الرأي الأول القائل بحرمة إسقاط الجنين بعد 120 يوما، لبيانه ووضوحه والإجماع الحاصل حوله.

بالنسبة للرأي الثاني القائل بمنع إسقاط الجنين في كل مراحله دون تمييز بين طور وطور، وهو الرأي الذي تبناه جمهور المالكية، فإنني لم أقف – في مصادرهم التي رجعت إليها – على استدلال أو تعليل لرأيهم، وإنما هو قول قالوه، ورأي ردّدوه خلفا عن سلف، وحتى القاضي أبو بكر ابن العربي -وهو من المعتنين بالتدليل منهم – لم يستدل لقوله بأي دليل.

أما الإمام الغزالي فاعتمد على القياس الجلي، لأن ماء الرجل وحده لا يتخلق منه الولد، وإذا امتزج مع ماء المرأة كان مثل الإيجاب والقبول في العقود، من هنا ميّز بين العزل والإجهاض، فالعزل هو بمثابة التراجع عن الإيجاب قبل الانعقاد، وهو جائز، أما إسقاط النطفة من الرحم، فهو كالجناية على العقد بالنقض والفسخ[52].

وهذا قياس مستغرب، وفهْم هذا القياس ينبني على احتمالين:

الأول: قياس الماءين على الإيجاب والقبول.

الثاني: قياس الزوجين على العاقدين.

وكلاهما لا يستقيم، ففي القياس الأول، الإيجاب والقبول في العقود يصدُران عن إرادة واعية وطوعية من المتعاقدين، والماءان فاقدان لتلك الإرادة، وهما مجبران جِبلةً على الالتقاء، ولا خيار لهما. أما القياس الثاني، فيُنقض بعنصر الإرادة أيضا، لأن المتعاقدين يقْدِمان على الإيجاب والقبول بإرادتهما الحرة، أما الزوجان فقد يعاشران بعضهما معاشرة جنسية مع الرغبة الأكيدة في عدم الإنجاب، وذلك باتخاذ ما يلزم من وسائل منع الحمل كالعزل وغيره، ورغم هذه الاحتياطات قد يقع الحمل، ونكون بالتالي أمام الإرادة الحرة في الإقدام على العقد، والإرادة الحرة في الإعراض عن الحمل، فأين وجه الشبه بين الحالتين حتى يستقيم القياس؟

أما دعوى الإمام الغزالي أن وقوع النطفة في الرحم واختلاطها بماء المرأة هو “أول مراتب الوجود”، فغير مسلَّم، وقد أسهب في الرد عليه الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي رحمه الله تعالى، والمستفاد منه أن اعتبار ذلك (أول المراتب) اصطلاح خاص بالغزالي، وبإمكان غيره أن يعتبر مرحلة أخرى هي أول مراتب الوجود، وقد نحددها بلحظة قذف الرجل لمائه، وهو مليء بالحيوانات المنوية المستعدة للتحول إلى بشر سوي، “وليست المراحل المقبلة فيما بعد، من الامتزاج بماء المرأة، وانغلاق عنق الرحم عليه، وتحوله إلى علقة فمضغة، وهكذا، إلا شرائط معينة لا بد منها لسلامة السير في هذا المشروع، إن استعداد النطفة لقبول الحياة موجود وكامن فيها من قبل أن يتمازج الماءان، غاية ما هنالك أن الاستعداد الأسبق يتطلب شروطا أكثر، ومسافة أطول”[53]، بناء على هذا، رجح الدكتور البوطي أن “إهدار النطفة يجب أن يأخذ حكما واحدا، سواء كان ذلك عن طريق العزل، أو بوساطة الإجهاض، مادامت لم تتحول بعد إلى مضغة أخذ يستبين فيها ملامح الصورة الإنسانية”[54].

واعتمد ابن الجوزي في التحريم على أن إسقاط النطفة مخالف للحكمة من الزواج، وهو إيجاد الولد، وهذه الحكمة غير مسلّمة، وقد بيّن الإمام المحدث عبد العزيز بن الصديق المقاصد من الزواج بناء على استقراء الأحاديث النبوية وتتبعها، وهي:

المقصد الأول: الإحصان والعفاف، ودليله حديث: “من استطاع الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج”[55]. وحديث: “ثلاثة حق على الله عزو جل عونهم، ومنهم: الناكح الذي يريد العفاف”[56]، وحديث: “من تزوج فقد استكمل نصف الإيمان”[57]، قال الإمام الغزالي تعليقا على هذا الحديث: “وهذا أيضاً إشارة إلى أن فضيلته لأجل التحرز من المخالفة تحصناً من الفساد، فكأن المفسد لدين المرء في الأغلب فرجه وبطنه، وقد كفي بالتزويج أحدهما”، وعلّق على الحديث الأول بقوله: “يدل على أن سبب الترغيب فيه خوف الفساد في العين والفرج”[58].

المقصد الثاني: الحصول على المرأة الصالحة التي تكون أفضل عون للرجل على شؤون الحياة، وفي ذلك أحاديث متعددة، ذكر بعضها الحافظ المنذري في الترغيب والترهيب، منها حديث: “الدنيا متاع، وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة”[59]، وحديث: “أربع من أعطيهن أعطي خير الدنيا والآخرة، قلبا شاكرا، ولسانا ذاكرا، وبدنا على البلاء صابرا، وزوجة لا تبغيه حوبا في نفسها ولا ماله”[60]، وحديث: “من سعادة ابن آدم ثلاثة، ومن شقاوة ابن آدم ثلاثة، من سعادة ابن آدم المرأة الصالحة…، ومن شقاوة ابن آدم المرأة السوء…”[61]، وحديث: “ما استفاد المؤمن بعد تقوى الله خيرا له من زوجة صالحة، إن أمرها أطاعته، وإن نظر إليها سرته، وإن أقسم عليها أبرته، وإن غاب عنها نصحته في نفسها وماله”[62].

والمقصدان المذكوران هما من المقاصد المنصوصة، وليسا من المقاصد المستنبطة، وهما مندرجان في المقصد القرآني العام “وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا”[63]، “هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ”[64].

المقصد الثالث: الذرية والولد، وهو مقصد عرَضي مقارنة مع المقصدين السابقين، “والأحاديث الواردة في الترغيب بالزواج بالولود إنما هي إرشاد إلى خصال الكمال في الزوجة، وليس معناها أن الولد هو المقصود بالذات من النكاح، بدليل قوله عليه السلام: “فاظفر بذات الدين”، فلو كانت ذات الدين عقيما لا تلد، فهي مقدَّمة في النكاح على الولود غير ذات الدين جزما، بل قال عليه الصلاة والسلام: “ثلاثة حق على الله تعالى عونهم، المجاهد في سبيل الله، والمكاتب الذي يريد الأداء، والناكح الذي يريد العفاف”[65] ولم يقل: الذي يريد الولد، ولو كان هو المطلوب من النكاح لكان النص عليه هنا أولى في الترغيب، لأنه أخبر أن الله جعل العون على ذلك حقا عليه سبحانه، وليس بعد هذا في الترغيب شيء”[66]، يزيد هذا وضوحا أن المرأة المتدينة الصالحة تكون معروفة من خلال أخلاقها ومعاملاتها، أما المرأة الولود فلا يعرفها أحد إلا إن كانت متزوجة من قبل، ولها ذرية.

من خلال هذه النصوص الحديثية، يتبين أن مقصد الولد والذرية ليس هو المقصد الأساس من الزواج، لذا لم نسلّم لابن الجوزي بناءَ الحِرمة عليه.

واستند الإمام القرضاوي – بارك الله فيه وبه – إلى عدم إقامة النبي صلى الله عليه وسلم الحد على الزانية الحامل، وهذا ليس نصا في موضوعنا، لأن الحديث لم يبين مرحلة الحمل آنذاك، وعلى فرض أنه في مراحله الأولى، فإن إرجاء إقامة الحد لا تفيد حرمة إسقاط الجنين، وبيان ذلك بعد ذكر النص بتمامه.

أتى ماعز بن مالك الأسلمي رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، وقال: يا رسول الله، إني قد ظلمت نفسي، وزنيت، وإني أريد أن تطهرني، فردّه، فلما كان من الغد أتاه، فقال: يا رسول الله، إني قد زنيت، فرده الثانية، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قومه، فقال: “أتعلمون بعقله بأسا، تنكرون منه شيئا؟ فقالوا: ما نعلمه إلا وفي العقل من صالحينا فيما نرى، فأتاه الثالثة، فأرسل إليهم أيضا فسأل عنه، فأخبروه أنه لا بأس به، ولا بعقله، فلما كان الرابعة حفر له حفرة، ثم أمر به فرجم[67]، قال، فجاءت الغامدية، فقالت: يا رسول الله، إني قد زنيت فطهرني، وإنه ردها، فلما كان الغد، قالت: يا رسول الله، لمَ تردني؟ لعلك أن تردني كما رددت ماعزا، فو الله إني لحبلى، قال: “أما لا فاذهبي حتى تلدي”، فلما ولدت أتته بالصبي في خرقة، قالت: هذا قد ولدته، قال: “اذهبي فأرضعيه حتى تفطميه”، فلما فطمته أتته بالصبي في يده كسرة خبز، فقالت: هذا يا نبي الله قد فطمته، وقد أكل الطعام، فدفع الصبي إلى رجل من المسلمين، ثم أمر بها فحفر لها إلى صدرها، وأمر الناس فرجموها”[68].

بالتأمل في النص، نقف على الآتي:

** لم يكن من سنة النبي صلى الله عليه وسلم التعجيل بإقامة الحد، لذلك ردّ ماعزا ثلاث مرات، ولم يقم عليه الحد إلا في الرابعة.

** كان النبي صلى الله عليه وسلم حريصا على البحث عن أدنى شبهة يدرأ بها الحد، لذا سأل أقارب ماعز عن قدراته العقلية، ولو قيل له بأنه ليس بأتمه لعدَل عن الحد.

** ردّ النبي صلى الله عليه وسلم الغامدية المرة الأولى وفاقا لسنته في عدم التعجيل كما فعل مع ماعز.

** أخبرته في المرة الثانية أنها حبلى، فأرجأها إلى الوضع، فهل كان الإرجاء بسبب الحمل فقط؟

إذا كان الأمر كذلك، لماذا أرجعها المرة الأولى ولم يكن على علم بالحمل؟ ولماذا أرجع ماعزا مرات؟ أكان به حمل أيضا؟!

إن إرجاء إقامة الحد عليها إلى ما بعد الحمل كان بهدف إعطائها فرصة للتراجع عن الاعتراف، ليكون شبهة يتخذها النبي صلى الله عليه وسلم ذريعة لعدم إقامة الحد، وفاقا لقاعدة درء الحدود بالشبهات، وهذا ما يتضح في الحديث الآتي.

اشتد على ماعز الأمر بعد شروع الصحابة في رجمه، فهرب منهم، ثم لاحقوه فصرعوه أرضا، ورجموه إلى الموت، ولما أخبروا رسول الله صلى الله عليه وسلم بفراره قال لهم: “ألا تركتموه لعله يتوب فيتوب الله عليه”[69]، وهو واضح في أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يودّ اتخاذ هروبه مثل تراجع المُقِرّ، وهو شبهة يُدرَأُ بها الحد، وهذا الفهمُ كان معروفا عند الصحابة شائعا بينهم، روى عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: كنا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، نتحدث أن الغامدية، وماعز بن مالك لو رجعا بعد اعترافهما – أو قال: لو لم يرجعا بعد اعترافهما – لم يطلبهما، وإنما رجمهما عند الرابعة”[70].

إن الاستدلال بحديث الغامدية في تحريم إسقاط الحمل في جميع مراحله لا يستقيم إلا في حالة واحدة، وهي لو رجم النبي صلى الله عليه وسلم ماعزا في الاعتراف الأول، ولو ردّها المرة الأولى بسبب الحمل، أما والأمر ليس كذلك، فليس للاستدلال وجه.

وبنى الدكتور وهبة الزحيلي القول بالحرمة على مستندات، منها:

1* بمجرد بدء الحمل تثبت الحياة: وهذا غير صحيح، والفقهاء والمفسرون يقولون بناء على نصوص الشرع أن النطفة في الرحم ميتة، وهو ما سنبينه لاحقا.

2* بمجرد بدء الحمل يبدأ تكون الجنين: وهذا أيضا غير صحيح، لأن بدء تكونه لا يكون إلا في مرحلة ما بعد النطفة، كما سأبينه لاحقا.

3* الإجهاض وأد: والوأد لا يكون إلا بعد إثبات الحياة، وهي غير ثابتة منذ بداية الحمل، قال العلامة عبد العزيز بن الصديق الغماري: “واستدلالهم على منع إسقاط النطفة بأنه يشبه الوأد خطأ مبين، وذلك أن الوأد لا يكون إلا في الكامل التكوين، وذلك لا يتم إلا بعد أن يمر على النطفة أكثر من أربعة أشهر”[71]، واستدل لذلك بجواب علي بن أبي طالب لعمر بن الخطاب بأن الوأد لا يتحقق إلا بعد التارات السبع، واستحسان عمر لذلك الجواب.

وجعل بعض المالكية الإجهاض ضمن مشمولات قوله تعالى “ولا يزنين”، قال القرطبي في تفسيره: “أي: لا يئدن الموؤودات، ولا يسقطن الأجنة”[72]، وقال ابن عاشور: “المراد بقتل الأولاد أمران، أحدهما: الوأد الذي كان يفعله أهل الجاهلية ببناتهم، وثانيهما: إسقاط الأجنة، وهو الإجهاض”[73]. وإن كان مرادهم إسقاط الأجنة بعد مرحلة طويلة من الحمل، فقد نسوغ هذا المعنى، أما حمله على إسقاط النطفة فمستبعد، وذلك من وجهين:

أولا: لم يكن أهل الجاهلية كثيري العناية بهذه التدقيقات الفقهية والفروق بين النطفة والعلقة والمضغة وما بعدها من مرحلة نفخ الروح، وهذه معلومات شرعية وردت في النصوص القرآنية والحديثية.

ثانيا: يقال بأن الرجال هم الذين كانوا يئدون البنات، لذا كان الإجهاض من اختصاص النسوة، فأُدرج ضمن دلالة الآية ومعناها. وهذا غير مسَلّم، لأن الوأد وإن كان ممارسة رجالية، إلا أن النسوة كنّ مشاركات فيه إما بسكوتهن عليه أو بمباركتهن وعدم مقاومتهن ورفضهن له، لأنهن طبّعْن معه باعتباره عادة وعرفا قائما في المجتمع، لهذا السبب قال الله تعالى: “ولا يزنين” ليشركهن في حكم الوأد مع الرجال، ولا يبرئ ساحتهن من هذه الجريمة.

يتجلى هذا أكثر إذا قارنا بين آية بيعة النساء وبين آية أخرى:

  • الآية الأولى: “قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ”[74].
  • الآية الثانية: “يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ”[75].

في الآية الأولى الواردة بصيغة المذكر جعل الله تعالى قتل الأولاد بعد الإشراك به، وقدّمه على الزنا/الفواحش، لأن الرجال هم الفاعلون الرئيسيون في القتل، وهو فيهم أكثر وأقبح. وفي الآية الثانية الخاصة بالنسوة، قدّم الله الزنى على القتل، لأنهن فيه فاعل رئيس، وهو منهن مستشنع، ومنهن من اتخذنه حِرفة، ولا يوجد في الرجال ذلك، وأخّر قتل الأولاد، لأنهن كنّ في القتل والوأد مشاركات، ولم يكنّ فاعلات رئيسيات كالرجال، فالقتل عند الرجال هو نفسه عند النساء، الرجال فاعلون مباشرون، والنساء ساكتات مباركات، وقد أشار الإمام الرازي إلى هذا المعنى بقوله: “قدّم الأقبح على ما هو الأدنى منه في القبح، ثم كذلك إلى آخره، وقيل: قدّم من الأشياء المذكورة ما هو الأظهر فيما بينهم”[76].

لهذه الاعتبارات كان إقحام الآية في موضوع الإجهاض ولو في مرحلته الأولى تعسفا، ولعل هذا هو الذي حال دون إيراد هذا المعنى عند كثير من المفسرين، خصوصا الذين يتوسعون في ذكر الأقوال والنقول كالطبري وغيره.

أما قياس القمي الحنفي إسقاطَ النطفة على بيضة صيد الحرم، فنقف معه وقفات:

الأولى: إذا كان مستند القمي في بيضة صيد الحرم، ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في بيض صيد النعام، فهي أحاديث ضعيفة، إما لانقطاع السند، أو لضعف شديد في الرواة، ومنهم من اتهم بالكذب[77]، وما كان ضعيفا كهذا فلا يعتمد عليه في الأحكام حلالها وحرامها.

الثانية: اعتمد جمهور الفقهاء في مسألة بيض صيد الحرم على القياس، حيث قاسوه على صيد الحرم، لأنه يؤول إليه، قال الشافعي: “لأن بيضة من الصيد جزء منها، لأنها تكون صيدا”[78]، لهذا نص الحنفية على أنه “يعطى حكم الصيد احتياطا”[79]، وقال المرغيناني في الهداية: “نزل منزلة الصيد احتياطا”[80]. أما الإمام مالك فقاسه على جنين المرأة كما في المدونة: “قلت: أرأيت ما أصاب المحرم من بيض الطير الوحشي ما عليه لذلك في قول مالك؟ قال: قال مالك: على المحرم إذا كسر بيض الطير الوحشي، أو الحلال في الحرام إذا كسره عُشر ثمن أمه كجنين الحرة من دية أمه، قلت: وسواء في قول مالك إن كان فيه فرخ أو لم يكن فيه فرخ؟ قال: نعم، ما لم يستهل الفرخ من بعد الكسر صارخا، فإن استهل الفرخ من بعد الكسر صارخا فعليه الجزاء كاملا كجزاء كبير ذلك الطير، وأنا أرى ذلك، قال: وإنما شبه مالك البيض بجنين الحرة، فلو أن رجلا ضرب بطن المرأة فألقت جنينا ميتا لم يكن عليه إلا عشر دية أمه إذا خرج ميتا، فإن خرج حيا فاستهل صارخا فالدية كاملة فعلى الجنين فقس البيض[81] في كل ما يرد منه عليك، قلت لابن القاسم: ويكون في الجنين قسامة إذا استهل صارخا في قول مالك؟”[82]. وهذه نصوص صريحة في إثبات الحكم بالقياس، وإذا ثبت أنه كذلك، فإن قياس القمي قياسٌ على قياس، وهذا مختلف فيه أصوليا، والأوْلى في القياس أن يكون الفرع المقيس غير منصوص عليه، والأصل المقيس عليه منصوصا عليه، وهذا غير متحقق في موضوعنا.

الثالثة: البيضة شيء متخلق موجود، قد نكتفي به ونستفيد منه، وقد ندخره ليصير طيرا. أما النطفة فشيء غير متخلق أصلا بنص القرآن الذي بيّن أن التخلق يكون في مرحلة متأخرة عن النطفة، قال تعالى: “ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة”[83]، أما بداية التخلق فتكون مع بداية الأربعين الثانية كما تبينه رواية صحيح مسلم الآتي ذكرها.

وبما أنه لا قياس مع وجود الفارق، فإنه يصعب تبني هذا القياس الذي قد يبدو سائغا لأول وهلة.

هذه أهم تنقيداتنا على أدلة المانعين لإسقاط النطفة في مرحلتها الأولى.

أما الرأي الثالث القائل بإباحة إسقاط الحمل في المائة وعشرين يوما الأولى، أي قبل نفخ الروح فيه، فدليله قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله ملكا فيؤمر بأربع كلمات، ويقال له: اكتب عمله، ورزقه، وأجله، وشقي أو سعيد، ثم ينفخ فيه الروح”[84]، وأحيانا يستعملون عبارة بدء التخليق بدل عبارة نفخ الروح.

هذا القول قد يبدو سائغا، خصوصا مع الاستدلال عليه بالنص الحديثي الذي يبين أن المراحل الثلاثة الأولى لا روح فيها، إلا أنه قد يعارض بحديث آخر رواه الإمام مسلم في الصحيح عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة، بعث الله إليها ملكا، فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها، ثم قال: يا رب أذكر أم أنثى؟ فيقضي ربك ما شاء، ويكتب الملك، ثم يقول: يا رب أجله، فيقول ربك ما شاء، ويكتب الملك، ثم يقول: يا رب رزقه، فيقضي ربك ما شاء، ويكتب الملك، ثم يخرج الملك بالصحيفة في يده، فلا يزيد على ما أمر ولا ينقص”، وهو دليل على أن التخليق يبدأ قبل النفخ في الروح، ولا يمكن إهمال هذا التطور وعدم مراعاته في صياغة الحكم الفقهي، وبناء على بعض الكليات المقررة في الفقه، كالقول بعدم التوسع في الرخص، وسد الذرائع، واتقاء الشبهات، فإن القول بالتحريم بعد الأربعين يوما الأُولى أَحْوَطُ مقارنةً مع التوسع في الإباحة داخل المائة وعشرين يوما.

وما يقال عن المائة وعشرين يوما يقال عن الثمانين يوما التي قال بها أصحاب الرأي الرابع، وهو رأي لم يُلتَفَت إليه، ولم ينتشر بين الفقهاء.

بناء على ما سبق، يتبين لنا رجحان الرأي الخامس القائل بالإباحة داخل الأربعين يوما الأولى، وهو قول الجمهور إن قلنا بأن الإباحة في الأربعين متضَمَّنةٌ في المائة وعشرين يوما ضرورةً، ومن الأدلة التي نوردها في هذا المقام:

1* الأصل الإباحة ما لم يرد نصّ أو دليل قوي نعتمد عليه في الحظر والتحريم.

2* القول بالحرمة ينبني على أن الإجهاض قتل، والقتل لا يتحقق إلا بعد حياة، والنطفة ليست حية بناء على أقوال المالكية وغيرهم:

** قال الإمام الطاهر ابن عاشور في تفسير قوله تعالى: “وأنه هو أمات وأحيا”[85]: “إن الإنسان أول وجوده نطفة ميتة، ثم علقة، ثم مضغة (قطعة ميتة وإن كانت فيها مادة الحياة، إلا أنها لم تبرز مظاهر الحياة فيها)، ثم ينفخ فيه الروح فيصير إلى حياة، وذلك بتدبير الله تعالى وقدرته”[86].

** قال الإمام الطاهر ابن عاشور في تفسير قوله تعالى: “قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين”[87]: “المراد بإحدى الموتتين: الحالة التي يكون بها الجنين لحما لا حياة فيه في أول تكوينه قبل أن ينفخ فيه الروح، وإطلاق الموت على تلك الحالة مجاز، وهو مختار الزمخشري والسكاكي، بناء على أن حقيقة الموت انعدام الحياة من الحي بعد أن اتصف بالحياة، فإطلاقه على حالة انعدام الحياة قبل حصولها فيه استعارة، إلا أنها شائعة في القرآن حتى ساوت الحقيقة، فلا إشكال في استعمال أمَتَّنَا في حقيقته ومجازه، ففي ذلك الفعل جمع بين الحقيقة والاستعارة التبعية تبعا لجريان الاستعارة في المصدر، ولا مانع من ذلك،… والمراد بالإحياءتين: الإحياءة الأولى عند نفخ الروح في الجسد بعد مبدأ تكوينه”[88].

** قال مقاتل في تفسير قوله تعالى في سورة الملك: “خلق الموت والحياة”: “(خلق الموت)، يعني النطفة والعلقة والمضغة، وخلق الحياة، يعني خلق إنسانا ونفخ فيه الروح، فصار إنسانا”، وعلق عليه القرطبي بقوله: “هذا قول حسن”[89].

** قال العلامة ابن عاشور في تفسير قوله تعالى: “كيف تكفرون بالله وكنتم امواتا فأحياكم”[90]: “إن الإنسان كان مركب أشياء، موصوفا بالموت، أي لا حياة فيه،… وإطلاق الأموات هنا مجاز شائع، بناء على أن الموت هو عدم اتصاف الجسم بالحياة، سواء كان متصفا بها من قبل كما هو الإطلاق المشهور في العرف، أم لم يكن متصفا بها إذا كان من شأنه أن يتصف بها، فعلى هذا يقال للحيوان في أول تكوينه نطفة وعلقة ومضغة ميت، لأنه من شأنه أن يتصف بالحياة فيكون إطلاق الأموات في هذه الآية عليهم حين كانوا غير متصفين بالحياة إطلاقا شائعا”[91].

** قال الإمام العز بن عبد السلام في تفسير قوله تعالى: “يخرج الحي من الميت”[92]: “يخرج الإنسان الحي من النطفة الميتة”[93].

هذه نصوص شرعية تبين أن النطفة لا حياة فيها، وما كان فاقدا للحياة لا يعقل تعرضه للقتل، لذا لا يستقيم إطلاق وصف القتل على إسقاط النطفة.

3* يستدل المانعون بنصوص قرآنية ناهية عن قتل النفس، مثل قوله تعالى: “وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ”[94]، وهذه الآية وأمثالها يمكن الاستدلال بها على الإباحة لا الحرمة، لأنها تنهى عن القتل، والقتل لا يكون إلا بعد حياة كما سبق، ثم هي تتحدث عن قتل النفس، والنفس في الاستعمال القرآني تطلق على الذات الحية، منها قوله تعالى: “أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ”[95]، وقوله تعالى: “وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ”[96]، وهذا المعنى هو الذي عناه الزبيدي في تاج العروس بقوله: “النفس: الإنسان جميعُه، روحه وجسده”[97]، والنطفة لا روح فيها، لذا لا يسوغ تنزيل آيات قتل النفس على إسقاطها.

4* النطفة والعلقة ليستا متماثلتين في القرآن وفي الممارسة الفقهية، ولنا ان نتأمل القرآن مثلا، حيث نص في عدد من آياته أن الله تعالى خلق الإنسان من نطفة، قال تعالى:

1 – “خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ”. (سورة النحل، الآية: 4).

2 – “أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ”. (سورة يس، الآية: 77).

3 – “إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا”. (سورة الإنسان، الآية: 2).

4 – “مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ”. (سورة عبس، الآية: 18 – 19).

5 – “وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا”. (سورة فاطر، الآية: 11).

6 – “وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى”. (سورة النجم، الآية: 45 – 46).

7 – “قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا”. (سورة الكهف، الآية: 36).

8 – “وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ، ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ، ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ”. (سورة المؤمنون، الآية: 12 – 14).

بالتأمل في هذه الآيات القرآنية، نجد تكرارا لافتا للانتباه إلى أن الله تعالى خلق الإنسان من نطفة، فهي أصل خلقة الإنسان الفرد، كما أن التراب أصل خلقة الإنسان النوع، وإذا استحضرنا قوله تعالى: “ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ، ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ”. (سورة السجدة، الآية: 8). تبين لنا الآتي:

** النطفة هي أصل خلقة الإنسان، والتخليق لا يقع إلا بعدها، أي: مرحلة العلقة والمضغة.

** النطفة وصفت بالماء المهين، والمهين هو الضعيف الحقير كما نص على ذلك المفسرون، والمراحل اللاحقة لم توصف بذلك، بل وصفت بوصف أرقى، منها وصف التسوية كما في الآية السابعة، وفي آية سورة السجدة.

** وُصفت النطفة بـ(مهين) لأنها قبل التخليق، والتخليق والتسوية تشريف، وهذا ما جعل الفقهاء يستعملون في شأن النطفة عبارات من قبيل “النطفة لا حرمة لها”، وهي عبارات لم تُذكر بخصوص العلقة وما بعدها، قال القاضي عياض: “إن للملك ملازمة ومراعاة لحال النطفة… عند تحركها من النطفة إلى العلقة، وهو أول انتقال أحوالها إلى حال الحمل، وعلم الملك بأنه ولد؛ إذ ليس كل نطفة تكون ولداً؛ ولهذا رأى أهل العلم أنه ليس لها في الأربعين حكم السقط، ورأى بعضهم أنها ليس لها حرمة ولا لها حكم المراد فى الأربعين”[98]، وقال القرافي: “ومتى تقدم للمرأة أربعون يوما من يوم زنت انتظر حملها، وإلاّ حُدّت، لأنه قبل الأربعين مضغة لا حرمة لها[99]، وقال الدكتور البوطي: “لا تعد النطفة ذات حياة محترمة،…[وإذا تحولت إلى علقة] ظهرت موجبات واعتبارات جديدة للنظر والبحث”[100]، واشتهر عن المالكية التمييز بين النطفة والعلقة في الأحكام، قال العلامة الأبي: “تصير علقة بأول الأربعين الثانية، ويستفاد منه أن وضع المرأة النطفة في الأربعين الأول، ليس بوضع حمل، لأن الرحم قد يدفع النطفة قبل أن تصير علقة، وإنما لها حكم الحمل، ويبرأ بها الرحم، وتنقضي بها العدة، وتكون الأمة بها أم ولد، إذا وضعتها علقة فما فوقها، هذا مذهب مالك وأصحابه”[101].

ويمكن تعدية هذا التمايز بين النطفة والعلقة إلى حكم الإجهاض، فلا نسوي بينهما فيه، فيباح في الأولى، ويحرم في الثانية.

5* في مسألة الإجهاض، لا بد من مراعاة حق الجنين، وحق الأبوين، وحق المجتمع، والذين يقولون بالحرمة المطلقة راعوا حق الجنين وأغفلوا حقوق الآخرين، وهذا إجحاف، ومن قال بإباحة الإجهاض بعد الأربعين يوما للحفاظ على رشاقة المرأة وصحتها، أو لظروف اجتماعية أو اقتصادية، فإنه راعى حقوق الأبوين ولم يراع حق الجنين، وهو إجحاف أيضا، وفي حالة إسقاط النطفة قبل الأربعين يوما، نستحضر ما قلناه سابقا (أنها مرحلة قبل التخليق، وأنها ماء مهين لا حرمة لها بتعبير الفقهاء، وأنها ليست نفسا ولا ينطبق عليها معنى القتل) ونخلص إلى أن حق الجنين مفقود، لذا لا نراعيه في صناعة الحكم الفقهي وبلورته، قال الدكتور البوطي رحمه الله: “وإذا لم يكن ثمة أي وجود شرعي لواحد من هذه الحقوق في حالة من الحالات التي تتعلق بهذا الموضوع، روعي الحقّان الآخران، وأُهمل المفقود من النظر والاعتبار”[102].

6* القياس على العزل: لا فرق بين العزل وإسقاط النطفة قبل التخليق، وهما من بابة واحدة، لذا ناقش كثير من العلماء مسألتنا أثناء مناقشاتهم لمسألة العزل، قال العلامة الأمير الصنعاني: “معالجة المرأة لإسقاط النطفة قبل نفخ الروح يتفرع جوازه وعدمه على الخلاف في العزل، ومن أجازه أجاز المعالجة، ومن حرمه حرم هذا بالأولى”[103]، قال الدكتور البوطي في سياق انتقاده للغزالي الذي أباح العزل وحرم إسقاط النطفة: “الأحاديث الواردة في حق العزل دالةٌ في جملتها على الجواز، فهي نفسها دالة بوساطة القياس الجلي على جواز إسقاط النطفة ما لم تدخل في طور التخلق بعد”[104].

7* من الناحية المقاصدية، يربط كثير من الباحثين بين الإجهاض والزنا ربطاً ميكانيكيا، ويفرِّعون عليه أقوالا متعددة، منها أن ممارسة الإجهاض وإباحته مساعدةٌ كبيرة للزناة وتشجيع لهم، وهذا قصور في النظر، إذ الزنا موجود بنسب متزايدة في البلدان الإسلامية رغم المنع القانوني للإجهاض في أغلبها، وهذا واقع لا يرتفع.

إذا تبين لنا أن المنع القانوني للإجهاض لم يحقق لنا مصلحة العفة والحد من آفة الزنا، وجب علينا أن نتساءل عن المقاصد التي حققها هذا المنع.

لقد حقق لنا المنع القانوني للإجهاض مفاسد متعددة، منها:

** استغلال الأطباء لهذا المنع، وابتزازهم للراغبات في إسقاط الحمل، بذريعة أنهم يغامرون معهن بممارسة عمل غير قانوني.

** لجوء نسوة كثيرات إلى ما يصطلح عليه بالإجهاض غير الآمن، الذي يتم بواسطة مساعد غير مؤهل، أو الإجهاض الذاتي باستعمال أعشاب أو ووسائل بدائية، وقد نبهت منظمة الصحة العالمية في دراسة أنجزتها في الموضوع، ونشرت يوم 28 سبتمبر 2017، أن ما يقرب من 25 مليون حالة إجهاض غير آمن حدثت حول العالم سنويا في الفترة بين عامي 2010 و2014، وخلصت الدراسة إلى أن تقييد سبل الحصول على خدمات الإجهاض لا يقلل من عدد حالاته[105]، وورد في تقرير لمنظمة أطباء بلا حدود: “من الواضح بالدليل أن عدد حالات الإجهاض لا يتغير إلا قليلا بوجود قيود قانونية، لكن يرجح أن يكون الإجهاض غير آمن حيثما يكون القانون أكثر تقييدا، أما حين يكون الإجهاض قانونيا وتتوفر خدمات آمنة لإجرائه، فإن أعداد الوفيات والإعاقات الناجمة عن الإجهاض تنخفض بشكل كبير”[106]. هذا الإجهاض غير الآمن تترتب عليه عواقب وخيمة، منها أن حوالي 22000 امرأة يفارقن الحياة سنويا بسبب الإجهاض غير الآمن، ووفق بعض المصادر فإن الوفيات تتجاوز 40000، ومن النسوة من يصبن بإعاقات دائمة، ومنهن من لا تتمكنّ من الحمل مرة أخرى…

** من لا تستطيع من النسوة والفتيات إسقاط الحمل غير الشرعي، تعيش ظروفا صعبة جدا، ومنهنّ من يغادرن بيوت ذويهن إلى مدن أخرى، ويكون ذلك سببا لانخراطهن في عالم الدعارة الذي لا يرحم، وكثير من الفتيات اللواتي يسقطن –لزيغهن أو لصغر سنهن – في غواية شاب ما، لو أتيح لهن الإجهاض في بداية الحمل مع ستر حالهن، لكان ذلك الحادث درسا بليغا لهن، ولمَا رجعن إلى الزنى، وهذا مشاهد واقع، مما يدل على أن تقنين منع الإجهاض هو الذي يسهم في الزج ببعض الفتيات في عوالم الزنا والفاحشة وليس العكس.

** بعد الوضع، تلجأ بعض الوالدات إلى رمي أولادهن غير الشرعيين في القمامة أو في أماكن هامشية بهدف التخلص منهم، وهذه المفسدة كثيرة الوقوع، لم تتراجع نسبتها رغم وجود قوانين زجرية رادعة لمثل هذه التصرفات.

** من عاش من هؤلاء المواليد، يعيش حياة الضنك النفسي، وتلاحقه الأزمات طيلة حياته، سواء عاش مع والدته أو عاش في الملاجئ والمراكز الخاصة.

** الإجهاض في مجتمعاتنا المعاصرة لا ينحصر في الزانيات فقط، بل ترغب فيه كثير من النسوة المتزوجات بتوافق مع أزواجهن[107]، وذلك لاعتبارات متعددة، منها:

  • رغبة الزوجين في تأخير الحمل مدةً ما لأسباب اقتصادية أو اجتماعية أو مرتبطة بالشغل، وكثير من العاطلين عن العمل يقْدِمون على الزواج للإحصان والعفاف كما نص على ذلك الحديث، ويقطنون في مساكن لا تحفظ الكرامة الإنسانية، أو يشاركون ذويهم في المسكن الذي قد يكون غير متسع، ومن الأزواج من يقيم كل واحد منهم في إقامة والديه، فكيف يعملون على حفظ النسل وهم لم يحققوا حفظ النفس في مرتبته الحاجية؟
  • عدم رغبتهما في الإنجاب بعد طفل واحد أو اثنين، خصوصا أن الأسر الفقيرة أو المتوسطة الدخل تعاني من مشاكل متعددة، منها ضيق السكن فيما يسمى السكن الاقتصادي، وعدم القدرة على توفير غرفة للأبناء وأخرى للبنات، وعدم القدرة على الإنفاق على التمدرس أو التطبيب، خصوصا في المدن الكبرى، أو لكبر السن أو لمرض أو عدم القدرة على تربية الأبناء، أو لغيرها من الأعذار التي يتوسل بها المتزوجون للإجهاض بعد أن فشلت وسائل منع الحمل في دورها الذي استُعملت لأجله.

من خلال ما سبق من المعطيات المؤيدة بالوقائع اليومية المشاهدة، يتبين لنا أن تقنين منع الإجهاض له مصلحة غير متحققة [محاربة الزنى]، وله مفاسد متحققة، وبعبارة أخرى، تقنين منع الإجهاض يحقق في بلداننا (جلب المفسدة وعدم تحقق المصلحة).

لقد كان حريا بمانعي الإجهاض ومحرّمي كل صوره أن يبادروا إلى المطالبة باستئصال أسبابه الحقيقية: تشجيع الشباب على الزواج، إعطاء منحة معقولة عن كل مولود، السكن اللائق، تطوير قطاعي الصحة والتعليم، ضمان التشغيل، وبالموازاة مع ذلك أو بعد تحققه، يطالبون بمنع الإجهاض.

ومما يتذرع به بعض المعتمدين على المقاصد في التحريم، أن تقنين الإجهاض وإباحته سيكون بمثابة فتح الباب أمام العملية، وستكثر في المجتمع، وهذا أمر متخيل، ولا علاقة له بالواقع، ويكفي أن ننظر إلى تركيا التي أباحت الإجهاض منذ سنة 1983، انتقلت نسب الإجهاض فيها بطريقة تنازلية من حالة واحدة من أصل أربع حالات حمل سنة 1983، إلى 18 بالمائة عام 1993، ثم 11 بالمائة عام 2008، إلى 5 بالمائة عام 2013[108].

هذه النسب المتدنية مقارنة مع نظيرتها في أوربا، ترجع إلى التركيز على البعد التربوي والتأطيري، إضافة إلى تحسن الوضع الاقتصادي والاجتماعي بتركيا منذ بداية الألفية الثالثة، أما الارتكاز على المنع القانوني وحده فلا يكفي، لأن الناس عادة ما تتجاوز القوانين بطرق وحيل معهودة وغير معهودة.

8* من الناحية الطبية: ثبت من الناحية العلمية أن الجنين يأخذ الشكل البشري بعد الأربعين يوما من الحمل، وفي الفترة بين اليوم 42 واليوم 44 تتميز رجلاه ويداه، وتبدأ فتحة العينين في التشكل، وكذا الفم والأذنان، ويكون طوله بين سنتمتر واحد وسنتمتر ونصف، أما قبل اليوم 41، فلا نكاد نرى سوى قطعة لحم صغيرة جدا.

وفي الأسبوع الثاني عشر، أي بعد اليوم الثمانين، نكون أمام مرحلة بداية نمو الدماغ، وبداية اشتغال الكليتين، لذا أستبعد الرأي الفقهي الذي يقول بالإباحة داخل 120 يوما، لأننا نكون أمام جنين مكتمل متطور لا ينتظر سوى نفخ الروح، أما داخل الأربعين يوما فلا أثر لصورته البشرية كما أسلفنا، وهذا سبب وجيه للتمييز في الحكم بين قسمي مرحلة ما قبل النفخ: قسم ما قبل التشكل (قبل الأربعين)، وقسم ما بعد التشكل (بعد الأربعين).

9* الجمع بين الحديث النبوي والإفادة الطبية: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة، بعث الله إليها ملكا، فصوّرها وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها، ثم قال: يا رب أذكر أم أنثى؟ فيقضي ربك ما شاء، ويكتب الملك، ثم يقول: يا رب أجله، فيقول ربك ما شاء، ويكتب الملك، ثم يقول: يا رب رزقه، فيقضي ربك ما شاء، ويكتب الملك، ثم يخرج الملك بالصحيفة في يده، فلا يزيد على ما أمر ولا ينقص”[109]. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما، ثم يكون في ذلك علقة مثل ذلك، ثم يكون في ذلك مضغة مثل ذلك، ثم يرسل الملك فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد”[110].

نستفيد من الحديثين أن الجنين يمر بمحطتين رئيستين:

المحطة الأولى: إرسال ملك بُعيد الليلة الأربعين.

المحطة الثانية: نفخ الروح في الليلة المائة والعشرين.

ونستفيد من الطب الحديث، أن الجنين يأخذ بداية هيأته البشرية بُعيد الأربعين.

من الناحية الفقهية، لا يمكن إغفال هذا التطور الحاصل في التكوين والنمو، والارتكاز فقط على نفخ الروح، لذا ترجح لدي أن إباحة الإجهاض قبل الثمانين يوما أو قبل المائة وعشرين يوما رأي مرجوح، لأنه لم يَلتفت إلى هذه النقلة الثابتة حديثيا وطبيا.

وفي الآن نفسه، نرى أن الجنين لم يُعتن به قبل الأربعين يوما، ولم يرسل إليه ملك، مما يفرض علينا التساؤل عن السبب.

قد نجيب عن هذا بعد استحضار مسألة قرآنية، وهي وصف هذه المرحلة بالماء المهين، مع التركيز على معنى المهانة، وما كان مهينا لا يُلتفت إليه ولا يعتنى به ولا يرسل إليه ملك، من هنا كان للقول بإباحة إسقاطه وجه.

بناء على هذه الأدلة والقرائن المعتضدة، نقول بإباحة إسقاط النطفة في مراحلها الأولى دون تجاوز الأربعين يوما، وهو الحكم الذي نطمئن إليه ونعتقده، وإذا استحضرنا ما قاله المخالفون فقد لا نتجاوز القول بالكراهة رعيا للخلاف.

تذييل: إسقاط حمل سفاح.

دافع العلامة الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي عن الرأي القائل بإباحة إسقاط الحمل في الأربعين يوما الأولى، لكنه اشترط له شروطا، هي[111]:

  • أن يكون الحمل ثمرة نكاح صحيح؛
  • أن يكون الإسقاط برضى الزوج؛
  • أن يثبت لدى الطبيب الموثوق عدم استلزام ذلك ضررا بالأم.

لا يمكننا إلا التسليم بالشرطين الأخيرين، بخلاف الشرط الأول الذي نتحفظ عليه، لأن القول بجواز إسقاط حمل الزنى أولى من غيره، لما يتعرض إليه في حياته من المفاسد التي لا يتعرض لها غيره، وقد انتبه إلى هذا بعض الفقهاء، قال الزركشي بعد حكاية أقوال في الموضوع: “نعم، لو كانت النطفة من زنا فقد يتخيل الجواز. فلو تركت حتى نفخ فيها فلا شك في التحريم”[112]، لذلك ميز بعض الفقهاء في الزانية التي يقام عليها الحد بين من كانت في بداية الحمل أو في مراحل متأخرة منه، فقالوا بإقامة الحد عليها جلدا أو رجما إن كان في الأربعين الأولى، قال المواق: “أما قبل أربعين يوما فيقام عليها الحد، ودع المني يفسد”[113].

أما الدكتور البوطي فاستدل لرأيه بأدلة هي[114]:

1* قوله تعالى: “وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى”[115].

2* حديث الغامدية التي رجمت حدّاً.

3* جواز الإسقاط داخل الأربعين يوما رخصة، والرخصة لا تناط بالمعاصي.

4* يشترط في الإسقاط موافقة الزوج، والزوج في حالة السفاح غير موجود، فيكون الحاكم هو الولي على الطفل الذي لم يولد بعد، وبما أنه لا يملك كل ما يملكه الوالد من تخير ونظر، فإن المصلحة تقتضي ألا يأذن للحامل بالإجهاض، “إذ لا مصلحة للطفل في ذلك، ولو كان الوالد موجودا لوسعه أن يأذن به، لأن سلطانه على الطفل بحكم أبوته أقوى من سلطان الحاكم بمجرد ولايته العامة”، أما الأم فلا يحق لها اتخاذ قرار الإجهاض، لعدم وجود الزوج الذي يشاركها في النظر والحكم، “ولأنها لا تملك أي ولاية على الطفل، لا بحكم كونه جنينا، ولا بحكم كونه وليدا”.

5* إسقاط حمل السفاح مناقض لقاعدة سد الذرائع، والله تعالى حرم الزنى وكل الوسائل التي تشجعه وتساعد عليه، والإجهاض من الوسائل التي تشجع على الزنى وتيسير أمره.

مناقشة:

هذه أدلة الدكتور البوطي التي استدل بها لتحريم إسقاط حمل السفاح منذ يومه الأول.

وغني عن البيان أننا تعرضنا في دراستنا لبعض ما استدل به رحمه الله، خصوصا حديث الغامدية، وقاعدة سد الذرائع، وبيّنا أن إسقاط الحمل في بدايته الأولى قد يحُول دون الاستمرار في الرذيلة، بخلاف إبقاء الحمل ووضعه، فإنه قد يرمي بالفتاة في أتون الدعارة، كما يعرض الطفل لمفاسد لا يد له فيها.

أما الآية الكريمة فإيرادها في الاستدلال غير مستساغ، لأن إسقاط الحمل إن كان وزرا، فإنه لا يجوز في حالتي النكاح والسفاح، والدكتور البوطي بهذا الاستدلال ينقض كل بنيانه الذي تحمس له.

وقاعدة إناطة الرخصة بالمعاصي مختلف فيها بين الفقهاء، وقد أشار البوطي إلى عدم تبني الحنفية لها، وقد بيّن وهاءها العلامة الأصولي عبد الحي بن الصديق الغماري، وذلك من وجوه متعددة[116]:

** هي قاعدة لا دليل عليها.

** لو كان العاصي لا يستفيد من الرخص كقصر الصلاة لبيّن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولمّا سكت عن الأمر كان ذلك من باب “وما سكت عنه فهو عفو، فاقبلوا من الله عافيته”.

** منع العاصي من الرخص تحجير لفضل الله سبحانه ورحمته.

** عدم انضباط كثير من أقوال الفقهاء لهذه القاعدة المقررة عندهم، مثل قولهم بأن غاصب الخف يجوز له المسح عليه.

وبما أن المسح على الخف رخصة استفاد منها الغاصب العاصي، كذلك إسقاط النطفة رخصة يمكن للزانية العاصية أن تستفيد منها، وبيان ذلك أن معصية الغصب وصف خارج عن المسح المشروع، بدليل وجود المسح على الخف بدون غصب، وكذلك معصية الزنا وصف خارج عن إسقاط الحمل المباح، بدليل وجود الإسقاط بدون زنا.

ويمكننا أن نرجح خلاف ما ذهب إليه الجمهور إذا أمعنا النظر في بعض فروع الشريعة، لأننا نجدها مخالفة لهذه القاعدة، وأن العاصي يستفيد من رخص متعددة، مثل المعترف على نفسه بالزنى، فإن النبي صلى الله عليه وسلم رده، حتى إذا لم يعُد إلى النبي صلى الله عليه وسلم أو تراجع عن اعترافه استفاد من رخصة عدم إقامة الحد عليه، وكذلك القاتل عمدا، فإنه يستفيد من رخصة العفو مقابل الدية، أو العفو العام بدون مقابل، إن عفا عنه أولياء القتيل. والقول بعدم إناطة الرخص بالمعاصي لا أراه إلا تشددا، بخلاف صنيع الشارع ونهجه.

وبالنسبة لاشتراط موافقة الزوج، فهذا أمر بدهي، وإذا كان منعدما، فلماذا نبحث عن بديل له؟ إن ولي الطفل في تلك اللحظة هو أمه لا غير، هي من تتحمل نفقته ورعايته وتنشئته إن وُلد، ولن يعرفه الحاكم في شيء، فلماذا نبحث عنه ونضعه مكان الوالد في هذه النازلة؟ هذا تشدد لا أرى له وجها.

ونختم هذه المدارسة بملاحظتين اثنتين، وفتوى فقهية وقفنا عليه بعد إنجاز هذا البحث.

الملاحظة الأولى: واجَهَنا بعض المعترضين الذين وقفوا على ما نقلناه عن فقهائنا المجوزين للإجهاض، سواء الموسعون منهم أو المضيقون، بدعوى أن مثل هذه القضايا يجب ألا نعتمد فيها على أقوال السابقين، وأن القول المعتمد فيها هو قول الطب الحديث، وأن فقهاءنا لو عاشوا إلى الآن لتراجعوا عن أقوالهم السابقة.

وهذا تحكم من جهة، وخرص وتخمين من جهة ثانية، والطب الحديث ليس له قول واحد في الموضوع، والاختلاف فيه وبين أربابه كالاختلاف بين الفقهاء سواء بسواء، والادعاء بأن الطب يقول بمنعه تحكّم ليس إلا، بل يمكن القول بالعكس، لأن جمهور الأطباء يقولون بالإجهاض، ومنهم من يتوسع في مدّته، وحتى المنظمات الدولية كمنظمة الصحة العالمية ومنظمة أطباء بلا حدود وغيرهما يتحدثون عن الإجهاض الطبي ويحذرون من الإجهاض غير الآمن.

أما الخرص والتخمين، فلا يمكن مواجهته إلا بخرص مثله، وهو أن فقهاءنا الذين أفتوا بالجواز في العصور المتقدمة حيث كان الإجهاض لا يُستعمَل إلا بالوسائل المتاحة آنذاك (القطران أو تناول بعض الأعشاب أو الضرب المتعمد على أماكن في الجسد أو السقوط المتعمد العنيف على الأرض أو إدخال بعض الأدوات في الرحم…) مع ما فيها من مخاطر، لو عاشوا في عصرنا ورأوا الإجهاض الطبي الآمن لما ترددوا في القول بالإباحة. والله أعلم.

الملاحظة الثانية: القول بالإباحة لا يعني أننا نفرض على الدولة ومؤسساتها رأيا إلزاميا، لأن للمباح خصوصية ليست للأحكام الأخرى كالحرام والواجب، فالدولة ليست ملزمة باعتماد المباح، كما يحق لها حظره أو تقييده، ومما تقرر عند العلماء، أن تصرف الحاكم منوط بالمصلحة، وإذا قررت المؤسسة التشريعية للدولة منع الإجهاض، فإنه لا يحق للأفراد؛ من أطباء أو مرتفقي قطاع الصحة؛ تجاوز القانون وتحدّيه[117].

الفتوى: أصدرت لجنة الفتوى بدولة الكويت يوم 29 سبتمبر 1984 الفتوى الآتية:

[يحظر على الطبيب إجهاض امرأة حامل أتمت مائة وعشرين يوما من حين العلوق إلا لإنقاذ حياتها من خطر محقق من الحمل.

ويجوز الإجهاض برضا الزوجين إن لم يكن قد تمّ للحمل أربعون يوما من حين العلوق.

وإذا تجاوز الحمل أربعين يوما، ولم يتجاوز مائة وعشرين يوما، لا يجوز الإجهاض إلا في الحالتين الآتيتين:

1 – إذا كان بقاء الحمل يضر بصحة الأم ضررا جسيما لا يمكن احتماله، أو يدوم بعد الولادة.

2 – وإذا ثبت أن الجنين سيولد مصابا على نحو جسيم بتشوه بدني أو قصور عقلي لا يرجى البرء منهما.

ويجب أن تجرى عملية الإجهاض في غير حالات الضرورة العاجلة في مستشفى حكومي، ولا تجرى فيما بعد الأربعين يوما إلا بقرار من لجنة علمية مشكلة من ثلاثة أطباء اختصاصيين، أحدهم على الأقل متخصص في أمراض النساء والتوليد، على أن يوافق على القرار اثنان من الأطباء المسلمين الظاهري العدالة][118].

المراجع المعتمدة

الأبي، أبو عبد الله محمد بن خلفة الوشتاني.
1. إكمال إكمال المعلم. دار الكتب العلمية.
البجيرمي، سليمان بن محمد.
2. تحفة الحبيب على شرح الخطيب، (حاشية البجيرمي على الخطيب). دار الفكر، 1415 – 1995.
البوطي، محمد سعيد رمضان.
3. مسألة تحديد النسل وقاية وعلاجا. مكتبة الفارابي.
الجمل، سليمان بن عمر العجيلي.
4. فتوحات الوهاب بتوضيح شرح منهاج الطلاب (حاشية الجمل). دار الفكر. (د.ت).
ابن الجوزي، أبو الفرج عبد الرحمن.
5. أحكام النساء. مكتبة ابن تيمية. القاهرة. ط: 1. 1417 – 1997.
الجويني، أبو المعالي عبد الملك.
6. نهاية المطلب في دراية المذهب. دار المنهاج، ط: 1. 1428 – 2007.
ابن حجر ، أبو الفضل أحمد بن علي العسقلاني.
7. التلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير. مؤسسة قرطبة. ط: 1. 1416 – 1995.
ابن حجر، أحمد بن محمد الهيتمي.
8. تحفة المحتاج في شرح المنهاج. المكتبة التجارية الكبرى بمصر، 1357 – 1938.
الحصكفي، علاء الدين محمد بن علي.
9. الدر المختار شرح تنوير الأبصار وجامع البحار. دار الكتب العلمية، ط: 1. 1423 – 2002.
الحطاب، أبو عبد الله محمد الرعيني.
10. مواهب الجليل في شرح مختصر خليل. دار الفكر، ط: 3. 1412 – 1992.
الخرقي، أبو القاسم عمر بن الحسين.
11. متن الخرقي على مذهب الإمام أحمد. دار الصحابة. 1413 – 1993.
الدجيلي، سراج الدين.
12. الوجيز في فقه الإمام أحمد بن حنبل. مكتبة الرشد، ط: 1. 1425 – 2004.
الدردير، أحمد.
13. الشرح الكبير على مختصر خليل. (معه حاشية الدسوقي). دار الفكر. (د.ت).
الدسوقي، محمد بن أحمد.
14. حاشية الدسوقي على الشرح الكبير. (مطبوع مع شرح الدردير). دار الفكر. (د.ت).
الرازي، زين الدين أبو عبد الله، الحنفي.
15. تحفة الملوك. دار البشائر الإسلامية. ط: 1. 1417.
الرازي، فخر الدين أبو عبد الله محمد بن عمر.
16. مفاتيح الغيب. دار إحياء التراث العربي. ط: 3. 1420.
ابن رجب، عبد الرحمن الحنبلي.
17. جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثا من جوامع الكلم. دار السلام للطباعة والنشر. ط: 2. 1424 – 2004.
الرملي، شهاب الدين أحمد.
18. الفتاوى. جمع ابنه شمس الدين محمد. المكتبة الإسلامية.
الرملي، شمس الدين محمد.
19. نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج. دار الفكر، 1404 – 1984.
الزبيدي، أبو الفيض محمد الحسيني.
20. تاج العروس من جواهر القاموس. دار الهداية.
الزحيلي، وهبة.
21. الفقه الإسلامي وأدلته. دار الفكر، دمشق. ط: 12.
الزركشي، شمس الدين محمد بن عبد الله
22. شرح الزركشي على مختصر الخرقي. دار العبيكان. ط: 1. 1413 – 1993.
سحنون، ابن سعيد التنوخي.
23. المدونة الكبرى. دار الكتب العلمية، ط: 1. 1415 – 1994.
الشافعي، الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس.
24. الأم. دار المعرفة. 1410 – 1990.
الصاوي، أحمد بن محمد.
25. بلغة السالك لأقرب المسالك إلى مذهب الإمام مالك. (حاشية الصاوي). مكتبة مصطفى البابي الحلبي، 1372 – 1952.
ابن الصديق، أحمد بن محمد الغماري.
26. المداوي لعلل الجامع الصغير وشرحي المناوي. دار الكتبي، ط: 1. 1996.
27. الهداية في تخريج أحاديث البداية. عالم الكتب. ط: 1. 1407 – 1987.
ابن الصديق، عبد العزيز بن محمد الغماري.
28. حكم تحديد النسل. المطبعة المهدية، تطوان، 1390.
الصنعاني، محمد بن إسماعيل الأمير.
29. سبل السلام شرح بلوغ المرام. دار الحديث. (د.ت).
ابن عاشور، محمد الطاهر.
30. التحرير والتنوير. الدار التونسية للنشر. 1984.
ابن العربي، أبو بكر محمد بن عبد الله.
31. المسالك في شرح موطأ مالك. دار الغرب الإسلامي، ط: 1. 1428 – 2007.
32. القبس في شرح موطأ مالك بن أنس. دار الغرب الإسلامي، ط: 1. 1992.
ابن عرفة، محمد الورغمي التونسي
33. المختصر الفقهي. نشر مؤسسة خلف أحمد الخبتور للأعمال الخيرية. ط: 1. 1435 – 2014.
عز الدين بن عبد السلام، أبو محمد السلمي.
34. تفسير العز بن عبد السلام. دار ابن حزم. ط: 1. 1416 – 1996.
عليش، محمد بن أحمد.
35. فتح العلي المالك في الفتوى على مذهب الإمام مالك. دار المعرفة. (د.ت).
عياض، القاضي اليحصبي السبتي.
36. إكمال المعلم، بفوائد مسلم. دار الوفاء، ط: 1. 1419 – 1998.
العيني، بدر الدين محمود بن أحمد.
37. منحة السلوك في شرح تحفة الملوك، نشر وزارة الأوقاف، قطر. ط: 1. 1428 – 2007.
الغزالي، أبو حامد محمد الطوسي.
38. إحياء علوم الدين. دار المعرفة، بيروت.
القرافي، أبو العباس أحمد بن إدريس.
39. الذخيرة. دار الغرب الإسلامي. ط: 1. 1994.
القرضاوي، يوسف.
40. الاجتهاد في الشريعة الإسلامية. دار القلم، الكويت. ط: 3. 1420 – 1999.
41. الحلال والحرام في الإسلام. مكتبة وهبة. ط: 1. 1433 – 2012.
القرطبي، أبو عبد الله محمد ابن فرح الأنصاري.
42. الجامع لأحكام القرآن. دار الكتب المصرية. ط: 2. 1384 – 1964.
الكرمي، مرعي بن يوسف.
43. غاية المنتهى، في جمع الإقناع والمنتهى. مؤسسة غراس، الكويت. ط: 1. 1428 – 2007.
اللخمي، علي بن محمد الربعي.
44. التبصرة. نشر وزارة الأوقاف، قطر. ط: 1. 1432 – 2001.
ابن مازة، محمود بن أحمد البخاري الحنفي.
45. المحيط البرهاني في الفقه النعماني. دار الكتب العلمية. ط: 1. 1424 – 2004.
الماوردي، أبو الحسن علي.
46. الحاوي الكبير. دار الكتب العلمية، ط: 1. 1419 – 1999.
ابن مفلح، أبو عبد الله محمد الصالحي.
47. الفروع. مؤسسة الرسالة، ط: 1. 1424 – 2003.
ابن مفلح، أبو إسحاق إبراهيم.
48. المبدع في شرح المقنع. دار الكتب العلمية. ط: 1. 1418 – 1997.
ابن المرتضى، أحمد بن يحيى
49. البحر الزخار الجامع لمذاهب علماء الأمصار. دار الحكمة اليمانية. ط: 1. 1366 – 1947.
المرداوي، علاء الدين.
50. الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف. بيت الأفكار الدولية، 2004.
المرغيناني، علي بن أبي بكر الفرغاني.
51. الهداية في شرح بداية المبتدي. دار إحياء التراث العربي.
ابن الملقن، سراج الدين أبو حفص ابن النحوي.
52. عجالة المحتاج إلى توجيه المنهاج. دار الكتاب، الأردن، 1421 – 2001.
المنذري، عبد العظيم زكي الدين.
53. الترغيب والترهيب. دار الكتب العلمية، ط: 1. 1417.
ابن النجار، تقي الدين محمد.
54. منتهى الإرادات. مؤسسة الرسالة. ط: 1. 1419 – 1999.
ابن نجيم، سراج الدين عمر.
55. النهر الفائق شرح كنز الدقائق. دار الكتب العلمية. ط: 1. 1422 – 2002.
ابن الهمام، كمال الدين محمد.
56. فتح القدير. دار الفكر. (د.ت).
الهيثمي، نور الدين علي بن أبي بكر.
57. مجمع الزوائد ومنبع الفوائد. مكتبة القدسي، 1414 – 1994.
الونشريسي، أبو العباس أحمد.
58. المعيار المعرب والجامع المغرب عن فتاوى أهل إفريقية والأندلس والمغرب. نشر وزارة الأوقاف، المغرب. 1401 – 1981.


[1] ورد الإجهاض في قسم أبو قراط،

[2] الدردير، الشرح الكبير: 2/267. الصاوي، بلغة السالك لأقرب المسالك: 1/420.

[3] الدسوقي، الحاشية على الشرح الكبير للدردير: 2/267.

[4] اشتهر عن ابن العربي إنكاره وتشنيعه على الفقهاء والوعاظ بسبب استدلالهم بالحديث الضعيف، وتبنى الرأي القائل بمنع الاستدلال إلا بما صح، وتشدد في ذلك، لكنه من الناحية التطبيقية، استدل بالضعيف كثيرا، ومنه هذا الحديث.

[5] ابن العربي، المسالك: 5/664. القبس: 2/763. وحكى الحطاب في مواهب الجليل (3/477) عن ابن ناجي قوله: “وأما التسبب في إسقاط الماء قبل أربعين يوما من الوطء فقال اللخمي: جائز، وقال ابن العربي في القبس: لا يجوز باتفاق”. وهذا نقل غير دقيق، لأن ابن العربي لم يحك اتفاقا على المنع فيما قبل الأربعين يوما، وإنما نفى الخلاف في حالة الإسقاط بعد نفخ الروح.

[6] الغزالي، إحياء علوم الدين: 2/51.

[7] ابن حجر الهيتمي، تحفة المحتاج: 7/186.

[8] ابن الجوزي، أحكام النساء: 306.

[9] القرضاوي، الحلال والحرام: 232.

[10] وهبة الزحيلي، الفقه الإسلامي وأدلته: 4/2647.

[11] ابن مازة البخاري الحنفي، المحيط البرهاني: 5/374.

[12] سورة المؤمنون، الآية: 12 – 14.

[13] ابن مفلح، الفروع: 1/393. تعمدت تصدير الفقرة بالفعل المبني للمجهول، لأنني بحثت عن قول ابن عقيل (ت: 513هـ) في كتاب الفنون ولم أعثر عليه، وبحثت عنه في كتاب التذكرة في الفقه ولم أجده هناك أيضا، وعدم وقوفي على النص في مظانه جعلني أحيد عن الجزم بنسبة القول إلى ابن عقيل، كما توقفت في عبارة “وله وجه”، هل هي قول ابن عقيل؟ أم هي من تعليق ابن مفلح (ت: 763هـ) على قول ابن عقيل؟.

ولما رجعت إلى كتاب الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف للمرداوي (ت:885هـ) وجدت ما قد يُفهَم منه نسبة العبارة إلى ابن مفلح صاحب الفروع، ونصه: “وقال في الفروع: وظاهر كلام ابن عقيل في الفنون أنه يجوز إسقاطه قبل أن ينفخ فيه الروح. قال: وله وجه“. [الإنصاف: 1/167]، وإذا ترجح أنه قول ابن مفلح، يمكننا أن ننسب إليه القول بجواز إسقاط الحمل قبل نفخ الروح. والله أعلم.

[14] ابن الهمام، فتح القدير: 3/401.

[15] ابن مازة البخاري الحنفي، المحيط البرهاني: 5/374.

[16] الرازي الحنفي، تحفة الملوك: 239.

[17] العيني، منحة السلوك في شرح تحفة الملوك: 424.

[18] ابن نجيم، النهر الفائق شرح كنز الدقائق: 1/141.

[19] الحصكفي، الدر المختار: 197.

[20] الرملي، الفتاوى: 4/203.

[21] البجيرمي، تحفة الحبيب على شرح الخطيب: 3/360.

[22] الجويني، نهاية المطلب: 16/594.

[23] الجويني، نهاية المطلب: 16/595.

[24] ابن المرتضى، البحر الزخار: 5/257.

[25] ابن حجر، تحفة المحتاج: 7/186. والنسبة إلى أبي حنيفة لا تثبت.

[26] الشيخ الجمل، فتوحات الوهاب: 5/490.

[27] الماوردي، الحاوي الكبير: 12/387.

[28] ابن رجب، جامع العلوم والحكم: 1/161.

[29] سراج الدين الدجيلي، الوجيز في فقه الإمام أحمد بن حنبل: 399.

[30] ابن مفلح، الفروع: 1/393.

[31] ابن مفلح، المبدع في شرح المقنع: 1/258.

[32] المرداوي، الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف: 1/166.

[33] ابن النجار، منتهى الإرادات: 1/132.

[34] الكرمي، غاية المنتهى، في جمع الإقناع والمنتهى: 1/123.

[35] وهبة الزحيلي، الفقه الإسلامي وأدلته: 4/2648.

[36] الخرقي، متن الخرقي: 128.

[37] الزركشي، شرح الزركشي على مختصر الخرقي: 6/150. والزركشي هو شمس الدين محمد بن عبد الله الحنبلي (ت: 772هـ)، وليس هو بدر الدين الزركشي الشافعي (ت: 794هـ).

[38] ابن الملقن، عجالة المحتاج: 3/1263. الشيخ الجمل، فتوحات الوهاب: 5/490. الرملي، نهاية المحتاج: 8/442.

[39] في المطبوع من إكمال المعلم كلمة “المراد”، وبعد مراجعة مصنفات المالكية التي أوردت نص القاضي، تبين لي أن الكلمة مصحفة، والصواب “الولد”، وهو ما أثبته. ينظر: المواق، التاج والإكليل: 8/398.

[40] القاضي عياض، إكمال المعلم، بفوائد مسلم: 8/127.

[41] الدسوقي، الحاشية على الشرح الكبير للدردير: 2/267.

[42] نقل الإمام الحطاب في مواهب الجليل (3/477) قولَ ابن ناجي في شرح المدونة: “وحكى عياض في الإكمال قولين في ذلك للعلماء، وظاهره أنهما خارج المذهب”. مما يدل على أن علماء المذهب متفقون على الحرمة، وهذا غير مسلّم، أما الإمام عليش فكانت عبارته أدق حين قال: “وإذا أمسك الرحم المني فلا يجوز للزوجين ولا لأحدهما ولا للسيد التسبب في إسقاطه، قبل التخلق على المشهور، ولا بعده اتفاقا“. فتح العلي المالك: 1/399. وفيه حكاية اتفاق علماء المذهب على منع إسقاط النطفة بعد التخلق، أما قبل التخلق فلم يحك اتفاقا، وكون القول مشهورا لا يكفي لنفي الاختلاف.

[43] اللخمي، التبصرة: 13/6219.

[44] ابن عرفة، المختصر الفقهي: 10/209.

[45] الوالدة: الرحم.

[46] الونشريسي، المعيار: 4/235.

[47] الونشريسي، المعيار: 3/370.

[48] عبد العزيز بن الصديق، حكم تحديد النسل: 25.

[49] سورة المؤمنون، الآية: 12 – 14.

[50] عبارة “بدون خلاف” لا يقصد بها نفي الخلاف في المسألة، وإنما يقصد بها أن الأمر إذا أحكمنا دراسته وإرجاعه إلى أدلته، فإنه سيرفع الخلاف الواقع، وهو ما يفهم من قوله في مقدمة رسالته بعد أن حكى الخلاف في مسألة تحديد النسل، أن الأمر يمكن الاحتكام فيه إلى الحكم الأصلي من النكاح، ثم إلى المقصد منه، “ولعلنا إذا ألقينا نظرة خاطفة عابرة على هذين الأمرين يظهر لنا جليا وبسهولة حكم تنظيم النسل أو تحديده بصورة تسد علينا باب الخلاف والنزاع بالمرة” ص: 4. وإسقاط النطفة عنده مندرج ضمن وسائل تنظيم النسل، وهو صريح قوله: “وخلاصة البحث أن للرجل الحق الكامل في تنظيم نسله أو تحديده إذا رأى مصلحته في ذلك، وذلك إما باستعمال الأدوية التي تفسد النطفة عند وصولها إلى الرحم،…” ص: 23.

[51] عبد العزيز بن الصديق، حكم تحديد النسل: 26.

[52] الغزالي، إحياء علوم الدين: 2/51.

[53] محمد سعيد البوطي، مسألة تحديد النسل وقاية وعلاجا: 86.

[54] محمد سعيد البوطي، مسألة تحديد النسل وقاية وعلاجا: 87.

[55] متفق عليه.

[56] رواه الترمذي والنسائي.

[57] رواه الطبراني في المعجم الأوسط [7/332- 8/335] بإسنادين كلاهما عن يزيد الرقاشي عن أنس بن مالك، ويزيد ضعيف وُثّق.

[58] الغزالي، إحياء علوم الدين: 2/22.

[59] رواه مسلم.

[60] رواه الطبراني بإسناد جيد. (الترغيب والترهيب للمنذري: 2/256 – 3/28).

[61] قال الحافظ المنذري: رواه أحمد بإسناد صحيح. وقال الحافظ الهيثمي: رجال أحمد رجال الصحيح (الترغيب والترهيب: 3/28. مجمع الزوائد: 4/272).

[62] رواه ابن ماجه عن أبي أمامة، وقال الحافظ أحمد بن الصديق: “وهذا الحديث له شواهد من حديث أبي هريرة وعبد اللَّه بن عمر وعبد اللَّه بن سلام، على أن سنده لا بأس به وفي كل رجاله خلاف”. المداوي: 5/426.

[63] سورة الروم، الآية: 21.

[64] سورة الأعراف، الآية: 189.

[65] رواه الترمذي والنسائي.

[66] عبد العزيز بن الصديق، حكم تحديد النسل: 9.

[67] في صحيح مسلم رواية أخرى عن أبي سعيد الخدري أنهم لم يوثقوه ولم يحفروا له حفرة. ولعل ذكر الحفرة غلط تسرب إلى حديث ماعز من حديث الغامدية كما قال الحافظ أحمد بن الصديق في الهداية: 8/559.

[68] رواه مسلم.

[69] رواه الإمام أحمد في مسنده وأبو داود في سننه والنسائي في الكبرى والحاكم في المستدرك وقال صحيح الإسناد، وأقره الحافظان الذهبي وأحمد بن الصديق. الهداية: 8/565. وحسن إسناده الحافظ ابن حجر في التلخيص: 4/107.

[70] رواه أبو داود. ورواه الإمام أحمد في المسند بلفظ: “كنا نتحدث أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بيننا أن ماعز بن مالك لو جلس في رحله بعد اعترافه ثلاث مرار لم يطلبه، وإنما رجمه عند الرابعة”. المسند، تتمة مسند الأنصار، حديث بريدة الأسلمي.

[71] عبد العزيز بن الصديق، حكم تحديد النسل: 25.

[72] القرطبي، الجامع لأحكام القرآن: 18/72.

[73] ابن عاشور، التحرير والتنوير: 28/166.

[74] سورة الأنعام، الآية: 151.

[75] سورة الممتحنة، الآية: 12.

[76] الرازي، مفاتيح الغيب: 29/524.

[77] يمكن الرجوع إلى أقوال الحفاظ المحققين في هذا الحديث، مثل: ابن حجر، التلخيص الحبير: 2/522. أحمد بن الصديق، الهداية في تخريج أحاديث البداية: 5/446.

[78] الشافعي، الأم: 2/209.

[79] ابن مازة البخاري الحنفي، المحيط البرهاني: 2/442.

[80][80] المرغيناني، الهداية: 1/167.

[81] الإمام مالك قاس بيض الصيد على جنين المرأة، والقمي قاس جنين المرأة على بيض الصيد !! فتنبه.

[82] سحنون، المدونة: 1/446.

[83] سورة الحج، الآية: 5.

[84] متفق عليه.

[85] سورة النجم، الآية: 44.

[86] ابن عاشور، التحرير والتنوير: 27/144.

[87] سورة غافر، الآية: 11.

[88] ابن عاشور، التحرير والتنوير: 24/97.

[89] القرطبي، الجامع لأحكام القرآن: 18/207.

[90] سورة البقرة، الآية: 28.

[91] ابن عاشور، التحرير والتنوير: 1/375.

[92] سورة الروم، الآية: 19.

[93] العز بن عبد السلام، تفسير العز بن عبد السلام: 2/524.

[94] سورة الإسراء، الآية: 33.

[95] سورة الزمر، الآية: 56.

[96] سورة المائدة، الآية: 45.

[97] الزبيدي، تاج العروس: 16/570.

[98] عياض، إكمال المعلم: 8/127.

[99] القرافي، الذخيرة: 12/84.

[100] البوطي، مسألة تحديد النسل: 69 – 70.

[101] الأبي، إكمال إكمال المعلم: 7/77. دار الكتب العلمية

[102] البوطي، مسألة تحديد النسل: 71.

[103] الصنعاني، سبل السلام: 2/214.

[104] البوطي، مسألة تحديد النسل: 87.

[105] مقتبس يوم 7 دجنبر 2019 من النسخة العربية لموقع منظمة الصحة العالمية news.un.org/ar.

[106] مقتبس يوم 7 دجنبر 2019 من النسخة العربية لموقع أطباء بلا حدود msf.org/ar.

[107] أشرف الدكتور الحبيب السعيدي (أستاذ بكلية الطيب بسوسة/ تونس) على دراسة حول الإجهاض الدوائي بتونس، وبينت الدراسة أن غير المتزوجات لم تتجاوز نسبتهن 25 بالمائة في مصحة فرحات حشاد بسوسة، وفي نابل لم تتجاوز نسبتهن 12.5 بالمائة، وهذه الدراسة تؤكد ما ذكرته من أن الإجهاض ليس محصورا في غير المتزوجات، كما تؤكد على أنهن لسن الأكثر. (منشور في جريدة الشروق يوم 18 – 6 – 2005. واقتبسته يوم 9 دجنبر 2019 من الرابط: turess.com/alchourouk).

[108] معلومات مقتبسة يوم 9 – 12 – 2019 من موقع alaraby.co.uk، تاريخ النشر: 6 – 9 – 2015.

[109] رواه مسلم.

[110] متفق عليه.

[111] البوطي، مسألة تحديد النسل: 89.

[112] شمس الدين الرملي، نهاية المحتاج: 8/442.

[113] الونشريسي، المعيار: 4/235.

[114] البوطي، مسألة نحديد النسل: 137 وما بعدها.

[115] سورة الأنعام، الآية: 164.

[116] عبد الحي بن الصديق، رخص الطهارة وتشديدات الفقهاء: 38 – 102.

[117] كثير من الناس في الدول المانعة لا يتحدَّوْن القوانين داخل دولهم، ويتوجهون إلى دول أوربية أو إلى تونس أو تركيا لممارسة الإجهاض دون خوف من رجال الأمن الذين قد يباغتون المصحات في لحظات ما، لذلك اندرجت خدمات الإجهاض ضمن الخدمات السياحية التي تقدمها وكالات السياحة لزبنائها، وقد وقفت على إشهارات خاصة بالسياحة إلى تركيا للإجهاض.

[118] يوسف القرضاوي، الاجتهاد في الشريعة الإسلامية: 165.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.