منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

السيدة أم اليُمن – سيرة مُصلحة من ريف المغرب إلى قصر السلطان المريني بحاضرة فاس

السيدة أم اليُمن - سيرة مُصلحة من ريف المغرب إلى قصر السلطان المريني بحاضرة فاس

0

السيدة أم اليُمن – سيرة مُصلحة من ريف المغرب

إلى قصر السلطان المريني بحاضرة فاس

محمد طايا

 

السيدة أم اليمن أو لالة مِيمُونْتْ المرأة التافرسيتية التي ازدان بها القصر المريني وربما أطلق عليها اسم أم اليمن بعد لحقوها بالقصر و إلا فيبعد على امرأة من تافرسيت¹ أن تحمل مثله، لهذا يسميها البعض لالة ميمونت وهذا الإسم شائع هاهنا وهو مأخوذ بدوره من الإسم العربي ميمونة الذي دخل الريف مع مجيء الإسلام  و عُرف على أنه إسم أم المؤمنين زوج الرسول صلى الله عليه وسلم.

و أيا كانت التسمية فإن الأمر يتعلق بامرأة عظيمة الشرف و النسب حتى لا أكاد أجد من أهل هذه المنطقة من وصفه المؤرخون بمثل ما وصفت به.

المزيد من المشاركات
1 من 60

ذكرها مؤرخوا الدولة المرينية و أثنوا عليها أيما ثناء و من هؤلاء المؤرخ علي ابن أبي زرع الفاسي في “الذخيرة السنية” قال عنها و هو يؤرخ لسنة 643 هجرية:

“وفي هذه السنة في شهر صفر منها سافرت الحرة الصالحة المباركة أم اليمن بنت محلي فحجت بيت الله الحرام و جاورت بمكة و المدينة و قعدت ببلاد المشرق أربعة أعوام و رجعت إلى المغرب فوصلت إلى مدينة فاس في شهر ربيع الآخر من سنة 647 هجرية(قال ابن أبي زرع: وفيها وصلت الحاجة المباركة أم اليمن من الحجاز) فأقامت بالمغرب إلى أن توجهت مرة ثانية للحج فخرجت في محرم عام 652 هجرية فدخلت إلى مكة و حجت ثانية و رجعت إلى مصر فتوفيت بها في ربيع الآخر من سنة 653 هجرية وحضر وفاتها الحاج موسى اللمائي و المعروف بأبي القاسم وهو الذي أخبر بموتها”

ونفس هذا الخبر ذكره ابن خلدون في كتاب العبر قال: “كانت امرأة صالحة خرجت إلى الحج سنة 643 هجرية فقضت فريضة الله عليها و عادت إلى المغرب رابعة من السنين سنة 647 هجرية ثم خرجت ثانية سنة 652 هجرية فتطوعت بحجة أخرى و هلكت بمصر منصرفها من تلك السنة سنة 653 هجرية”

و لا شك أن مكث السيدة أم اليمن أربعة أعوام بالحجاز في رحلتها الأولى أتاح لها فرصة التفقه في الدين خاصة أن مكة و المدينة هما أبرز مراكز الفقه إلى تلك الفترة، حتى وصفت بالورع و العقل و البركة و الزكاة .

و سيظهر أثر ذلك في قول ابن أبي زرع: “و كانت امرأة صالحة مقتصرة على أكل الحلال و لباسه و كانت مجابة الدعوة”.

و يقول عنها أبو العباس الناصري صاحب الاستقصا : “الحرة الزاكية المباركة أم اليمن بنت محلي البطوئي كانت من عقلاء النساء”.

بدأت حياتها في تافرسيت إبنة لكبير قومها علي بن محلي من بطون بطوية التي هي من بطون صنهاجة؛

إلى أن تزوجها السلطان عبد الحق المريني فولدت له أعظم سلاطين الدولة المرينية على الإطلاق: يعقوب المنصور المريني

فصار أهل تافرسيت أخوالا لبني مرين؛

ذكر الباحث نضال مؤيد أن السلطان”عبد الحق تزوج أم اليمن بنت محمد بن محمد البطوائي من تافرسيت”

و هو ما ذكره شيخ المؤرخين قال: “وأصهر عبد الحق أبو الأملاك إلى أبيهم – يقصد أولاد علي البطوئي – في ابنته أم اليمن، فكان من ولدها السلطان يعقوب بن عبد الحق”

عمل السلطان عبد الحق على تقريب أصهاره و هم إخوة السيدة أم اليمن فولاهم و استوزر منهم، فبعد سقوط مراكش و مقتل آخر خلفاء الموحدين الواثق بالله على يد يعقوب بن عبد الحق قبل توليه، أسند السلطان عبد الحق ولاية مراكش ل”محمد بن علي بن محلي” و هذا الذي ذكره ابن خلدون قال: “ولما استولى السلطان على حضرة الموحدين مراكش عقد لمحمد (أو اسمه طلحة على الأرجح ) بن علي بن محلي على جميع أعمالها” واستمر واليا على مراكش من 668 إلى 687 هجرية، غير أنه تمرد في آخر ولايته و فر إلى سوس و دعا هنالك إلى نفسه ثم أُردِف فقتل أيام يوسف بن يعقوب.

و نقل المؤرخون عن السيدة أم اليمن قصة عجيبة، يقول صاحب “الإستقصا” وهو يترجم للسلطان يعقوب المنصور: “رأت في منامها وهي بكر كأن القمر خرج من قُبُلِها فَعَلا و صعد حتى استوى في السماء فأشرق نوره على الأرض فقصت رؤياها على أبيها فسار إلى الشيخ الصالح أبي عثمان الورياغلي فقص عليه رؤياها فقال له إن صدقت رؤيا هذه الجارية (بمعنى البنت البكر) فإنها تلد ملكا عظيما مباركا يعم المسلمين خيره و تشملهم بركته فكان كذلك”

و نقل ابن أبي زرع نفس هذه القصة و زاد: “ولما تزوجها الأمير(أي قبل أن يصير سلطانا) عبد الحق قال له والدها محلي: بارك الله لك فيها، أما والله إنها ناصية مسعودة مباركة لم تزل الخيرات و النعم تتوالى علينا مذ نشأت في بيتنا، و إنك لتعرف بركتها و ستلد لك ملكا عظيما يكون عزا و فخرا لك و لقومك إلى آخر الدهر”

لم تنل السيدة أم اليمن -على غرار غيرها من من الأعلام و المعالم االتي بصمت تاريخ المغرب في العلوم و الثقافة و السياسة و غيرها- ما تستحقه من اهتمام من قبل الدارسين للتاريخ الإسلامي في قطب من أعرق أقطابه ألا وهو المغرب.

تعتبر السيدة أم اليمن -لما تتصف به من العلم و الدين- نموذج المرأة المسلمة الفاعلة في مجتعها إذ لم تنعزل عن الحياة العامة بل خاضت معتركها الثقافي و السياسي أيضا حيث اتجهت إلى تأسيس مدرسة رابطة للعلم في منطقة الريف بالموضع المعروف ببقوية و التي لا تزال قبتها قائمة إلى يومنا شاهدة على حركة اصلاحية تزعمتها امراة صالحة مصلحة لما كان عصرها يبوأ النساء من مكانة في المجتمع وما يسمح به لهن من التحرر الذي لم تكن تعرفه حتى اوروبا انذاك.

السيدة أم اليمن أدركتها المنية كما ذكرنا و هي عائدة من الحج في مصر و دفنت هنالك فجمع الله له حسن السيرة و حسن الخاتمة فرحمها الله رحمة واسعة.

و ما زال للباحث في بطون الكتب الكثير الكثير

والله من وراء القصد و الحمد لله رب العالمين.


 

المراجع:

– تاريخ ابن خلدون الموسوم ب العبر و ديوان المبتدأ و الخبر في تاريخ العرب و العجم و البربر و من عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر ، الجزء السابع

– الإستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى لأبي العباس الناصري ، الجزء الثالث

– الذخيرة السنية في تاريخ الدولة المرينية لعلي ابن أبي زرع الفاسي

– تاريخ الدولة المرينية على عهد السلطان يوسف بن يعقوب المنصور لنضال مؤيد

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.