منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

هل شوهت المقامة الشعر؟

هل شوهت المقامة الشعر؟/ محمد بوعنونو

0

 

هل شوهت المقامة الشعر؟

محمد بوعنونو

كثيرة هي الأجناس الأدبية التي ساهمت في حفظ اللغة العربية وتطويرها والتمكين لها بين لغات العالم، ولعل فنّ المقامة من هذا الصنف الحسن الذي كان له أبلغ الأثر في إقامة صرح الأدب العربي وإثراء المكتبات العربية بمؤلفات نفيسة وأسفار عجيبة أعطت للقارئ صورة متكاملة الأركان عن الحضارة العربية وأوضاعها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية.

ظهر هذا الجنس الأدبي المتميز خلال القرن الرابع الهجري كفنّ مستقلّ بذاته يقوم على سرد حكايات ووقائع متنوعة المشارب ومختلفة المآرب، تشبه إلى حد كبير ما يعرف اليوم بالرواية أو القصة القصيرة، غير أن الذي يميز المقامة عن هذين الأخيرين أن القائم بالسرد شخص وهمي، كما أن البطل في المقامة شخصية وهمية، يختار لهما الكاتب اسما معينا لا يتغير، علاوة على الأسلوب الذي تصاغ به المقامة والذي يتميز بمجموعة من الخصائص الفنية، تجعل منه أسلوبا راقيا مشحونا عن قصد بمصطلحات قوية وكلمات جزلة تحتاج في كثير من الأحيان إلى القاموس لبيان مبهماتها وحلّ ألغازها. بالإضافة إلى مزج المقامة بين الشعر الرائق والنثر الفائق الشيء الذي جعل منها فنّا أدبيا لا يستغني عنه الباحث في الأدب العربي.

المزيد من المشاركات
1 من 14

وللمقامة أربعة أركان لا بد أن تجتمع حتى نستطيع القول إننا بصدد مقامة :

1- البطل : وهو الشخص الذي تدور عليه الحكاية، البارع في خداع الناس، القادر على التخلص من كل الصعاب والخروج من كل مأزق.

2- الراوي : وهو الشخص الذي يروي المقامة.

3- الموضوع : وهو الحدث الذي تدور عليه المقامة.

4- فن الخداع : وهو العنصر الرئيس الذي يميز المقامة عن غيرها من الأجناس الأدبية الأخرى، فلا بد أن يخدع البطل الناس ويتحايل عليهم ويتلوّن أمامهم بألوان مختلفة لأخذ ما في يدهم أو التخلص من بطشهم.

ويجمع أهل الأدب أن رواد هذا الفن رجلان، أحدهما بديع الزمان الهمذاني الذي يعتبر المؤسس الفعلي لهذا الجنس الأدبي، والثاني الحريري الذي سار على نهج بديع الزمان ونسج على منواله واقتفى أثره في هذا المضمار.

لكن الذي أريد أن أحدثك عنه في هذا المقال هو ذلك التشويه الذي لحق الشعر، وتلك المهانة والحقارة التي مثلها الشاعر داخل المقامة، حيث حوّل ملكته الشعرية وقدراته اللغوية وإحساسه المرهف إلى وسيلة لاستجداء الناس واستعطافهم والاحتيال عليهم طمعا في ما لديهم وسرقة ما في أيديهم، مما يتنافى مع قداسة الشعر العربي والرقيّ الذي يمتاز به، خصوصا الشعر القديم الذي يمارسه إلا صفوة الناس وأعيانهم وخيارهم، ولم ينطق به إلا الحكماء والعظماء ونحوهم.

مقالات أخرى للكاتب
1 من 9

إن هذا التشويه الذي لحق الشعر والشاعر داخل المقامة يجعلنا نتبنى أطروحة فكرية مفادها أن هناك تحولا كبيرا في أغراض الشعر العربي في مطلع القرن الرابع الهجري، تحولا كانت المقامة مسرحا له، ذلك ما يؤكده صاحب المقدمة عبد الرحمن بن خلدون حيث يقول في هذا السياق : { فصار غرض الشعر في الغالب إنما هو الكذب والاستجداء لذهاب المنافع التي كانت فيه للأولين كما ذكرناه آنفا، وأنف منه لذلك أهل الهمم والمراتب من المتأخرين وتغير الحال وأصبح تعاطيه هجنة في الرئاسة ومذمة لأهل المناصب الكبيرة …} .(1)

فهذا نص نفيس يؤكد ما ذكرناه ويعضد ما أثبتناه من تحول الشعر العربي في القرن الرابع الهجري من أغراض سامية ومقاصد راقية إلى وسيلة لاستجداء الناس وتجرع ذل السؤال في الغالب.

قلت في الغالب كي لا يعتقد القارئ الكريم أن كل شعراء القرن الرابع الهجري كانوا على هذا النحو الذي ذكرت ومثلوا هذا التحول الذي إليه أشرت، لا ينبغي أن يفهم هذا أبدا، لأننا وجدنا شعراء ينتمون إلى هذه الفترة، لكن لم ينساقوا وراء هذا التيار، بل شرّفوا الشعر العربي أيما تشريف بتوظيفه  في أغراض نافعة ومقاصد سامية وأهداف راقية، نذكر منهم على سبيل المثال أبا العلاء المعري والمتنبي ..

يقول الأستاذ عبد الفتاح كيليطو متحدثا عن الوضع الجديد الذي الذي طبع الشعر العربي : { هذا الوضع الجديد هو الذي ربما يفسر في القرن الرابع ظهور المقامات التي تدور معظمها حول الكدية، فأبو الفتح الإسكندري شاعر لا شغل له سوى استجداء الناس في الأندية والطرق، ولا يأنف أبدا من ذل السؤال، فالمقامات إذن تجسيد للتصور الذي أصبح يحيط بالشاعر …}. (5)

ولعل من المفيد أن نذكر أنموذجا من المقامات تؤكد ما ذكرناه آنفا من تجسيد صورة الشاعر الذي لا يأنف من ذل السؤال.

نقرأ في المقامة البلخية لبديع الزمان الهمذاني أن عيسى بن هشام ( الراوي ) كان يستعد للسفر إلى مدينة بلخ ، فصادف شابا ذكر من أوصافه كيت وكيت، وجرى بينهما حديث، ثم لم يأنف هذا الشاب الذي هو أبو الفتح الإسكندري ( البطل ) من ذل السؤال فقال للراوي مستعطفا إياه : { إذا أرجعك الله سالما من هذا الطريق، فاستصحب لي عدوا في بردة صديق، من نجار الصفر، يدعو إلى الكفر ويرقص على الظفر كدارة العين يحط ثقل الدين وينافق بوجهين } قال عيسى بن هشام : { فعلمت أنه يلتمس دينارا، فقلت لك ذلك نقدا ومثله وعدا، فأنشأ يقول :

               رأيك مما خطبت أعــــلى      لا زلت للمكرمــــات أهلا

              صلبت عودا ودمت جــودا      وفقت فرعا وطبت أصـلا} (3)

 

وفي آخر المقامة الإبليسية يقول عيسى بن هشام : { وبينا انا على تلك الحال في الغياض من أدب الخمر إذا بأبي الفتح الإسكندري تلقاني بالسلام، فقلت ما حداك ويحك إلى هذا المقام؟ فقال : جور الأيام في الأحكام وعدم الكرام في الأنام.

قلت : فاحكم حكمك يا أبا الفتح، فقال : احملني على قعود وأرق لي ماء في عود، فقلت : لك ذلك، فأنشأ يقول :

                 نفسي فداء مـــــحكم       كلفته شطــــــطا فاسجح

                ما حك لحــــــيته ولا       مسج المخاط ولا تنحنح} (4)

 

فهذان الأنموذجان يمثلان بشكل واضح المهانة التي لحقت الشاعر داخل المقامة، والتدهور الذي آل إليه الشعر في عصر المقامات، باعتبار هذه الأخيرة مرآة تعكس صورة المجتمع وأحواله الأدبية والفنية والاقتصادية والسياسية.

وهناك مسألة أخرى ينبغي أن نشير إليها حتى لا يصدم القارئ عند مطالعته للمقامات، إنها بعض الألفاظ النابية والأساليب الخادشة للحياء والكلمات التي تعاف الأذن سماعه، مما اشتملت عليه بعض مقامات بديع الزمان على ندرتها، الشيء الذي يتنافى مع دلالات الأدب في أصل وضعها اللغوي أوّلا، وفي ما انتهت إليه معاني الأدب واستقرت عليه ثانيا من معان راقية وأحاسيس مقدسة.

هذه الكلمات والأساليب الشنيعة فضّل بعض من شرح المقامات ألا يوردها استحياء وإكراما للقارئ، ففي المقامة الشيرازية لم يستطع الأستاذ محمد محيي الدين عبد الحميد إتمامها فقال معتذرا: { .. ثم ذكر كلاما يندى له وجه الأدب فتعففنا عن ذكره والخوض فيه. } (5)، وفي المقامة الرصافية قال : { … وذكر كلاما غير متناسب مع الآداب نتركه تعففا. } (6).

ومن حق القارئ الآن أن يقول : إذا كانت هذه صفات المقامات وأحوالها، فلا فائدة فيها ولا نفع في مطالعتها ! فدعني أخي الكريم أنتشلك من تفكيرك هذا بأن أقول : إن سيئات المقامة قد غرقت في بحر حسناتها، وسلبياتها تلاشت في صحراء إيجابياتها، فهي قد أعطت صورة لا غبش فيها عن واقع الأمة العربية في عصر من العصور، والواقع فيه الغثّ والسمين، القبيح والجميل، وليس من الإنصاف الاقتصار على الجميل وإنكار القبيح، وللقارئ حق التمييز بين الصالح والطالح، وله حق النخل واختزال المقامات كلها فيما يلائم توجهاته ومعتقداته ومسلماته.

غير أننا نلفت انتباهه إلى شيء مهم، فالمقامة إنما اشتملت على ما تقدم لأسباب منها :

1 – أنها موجهة للكل، عكس بعض الأجناس الأدبية الأخرى التي كانت لخواص الخواص، وما كان هذا شأنه فحتما فيه الغث والسمين.

2 – أن الخداع ركن أساس من أركانها، وإلا لكانت قصة قصيرة أو رواية.

3 – أنها مثلت لفترة زمنية اختلط فيها العرب بغيرهم وتباينت الثقافات والمذاهب.

4 – أنها أعطت صورة طبق الأصل لما كان يضج به المجتمع العربي وقتئذ.

وفي الختام نوجه الدعوة إلى الباحثين في الأدب العربي لتأكيد هذه القضية التي عالجناها أو نفيها بالبرهان والدليل، فإني لا أبرئ نفسي عن الخطأ، وإنما الموفق من وفقه الله.

رغم كل ما تقدم نعيد التساؤل مجددا : هل شوهت المقامة الشعر؟ أم هو تأريخ لتحوّل في أغراض القريض؟

إلى هنا أضع نقطة لهذا المقال، تاركا للقارئ العربي حق صياغة الجواب.


الهوامش

1- المقدمة لابن خلدون، ص : 581

2- الأدب والغرابة، الأستاذ عبد الفتاح كيليطو، نشرته دار توبقال، الدار البيضاء المغرب، الطبعة السابعة 2010 م، ص : 58.

3- مقامات أبي الفضل بديع الزمان الهمذاني، بشرح الأستاذ محمد محيي الدين عبد الحميد، نشرته المكتبة العصرية، صيدا، بيروت.الطبعة الأولى 2012 م ص : 18

4- مقامات أبي الفضل بديع الزمان الهمذاني، ص : 173

5- المصدر السابق ، ص : 157

6- المصدر السابق، ص : 148

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.