منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الحلاق ومعركة النسيان (قصة قصيرة)

الحلاق ومعركة النسيان (قصة قصيرة)/ محمد فاضيلي

0

الحلاق ومعركة النسيان (قصة قصيرة)

بقلم: محمد فاضيلي

خصلات شعر ثكلى، يمتزج فيها البياض والسواد، بل ينتصر فيها البياض على السواد، تتساقط متثاقلة كأوراق الخريف الذابلة، لتتناثر في جنبات دكان بئيس، يعاني رغم أنفه مرارة الهجر و البؤس والحرمان، وسبحات مقص خجلى تتماوج وخلجات اسنان المشط وهي تعزف لحن الزمان الهارب وتنشد اغنية الخلود الواهم..

يد حانية اكثر برودة، تدغدغ بين الحين والحين جبينا، تسللت إليه تجاعيد خفيفة تنذر بانتهاء زمن العز والشباب وحلول مرحلة السهوم والهموم، فتخفف الوطء والحِمل والحرارة التي كانت تغلي تحت وهج الهم والغم وجحيم الحياة..

يتابع الخصلات التي كانت تنزل كطع الثلج في صمت وخمول، ثم يلتفت يمينا وشمالا، ويحدق طويلا في صورة بزاوية الدكان للفنان فريد الأطرش وهو يحمل عوده الخشبي والتجاعيد قد نهشت كل زوايا وجهه وجبينه..

تنهد تنهيدات متتالية، وعاد للمرآة..

سأل الحلاق: كم مرة زرتك في هذا الدكان!؟

لم يجبه، فأضاف مازحا:

اتبادلني الرأس وما وعى، والقلب وما هوى:

قال الحلاق: إنك لن تستطيع معهما صبرا.

طاطأ رأسه، وشرد قليلا، وتنهد، ثم قال:

اتذكر أياما خلت، كنتُ فيها سيد شباب الحي، وكانت حلاقتك لي حديث الألسن وصيد العيون !؟

رد الحلاق: أجل، وانت دائما كريم وسخي كالقائد الحسن.

ثم ابتسم ابتسامة خفيفة، وقال:

أتذكر قصة القائد الحسن.

رد: لقد صرت كثير النسيان يا صديقي..هذه الحكاية قصصتها علي أكثر من ألف مرة.

قال الحلاق: إنها حكاية لا تمل، واعجب ما فيها حكم القائد العدل على الزبون الذي طلب من الحلاق حلاقة كحلاقة القائد الحسن وهو لا يملك سخاء القائد الحسن، بأن يكرمه كرم القائد الحسن او السجن في سجن القائد الحسن..

كان الحلاق يقطع شغله بين الحين والحين، ويندفع نحو الباب ليسرق النظر في الخارج ويطل هنا وهناك، وكأنه يبحث عن شيء ثمين ضاع منه، ثم يحدث نفسه بهمهمات لا يتبين معالمها، ويسرد حكايته التي لا يمل من إعادتها:

لقد حرموني حب العمر، وحرموها إياي، حرمونا الجنة والسعادة!..لقد كان حبنا عظيما..بل اعظم من كل عظيم.. اعظم مما قرأناه في القصص وشاهدناه في الأفلام..لقد كان حبا حقيقيا..التقينا خفية وعلانية، دخلنا كل النوادي..حلمنا بغد أفضل..لكن أباها جنى عليها اكثر مما جنى علي..لم تتزوج لأنها تعلم أن الفؤاد لم يعد ملكا لها..صارت جسدا بلا قلب..قفصا بلا طائر..

وأجهش بالبكاء..وبكى الزبون..

ثم قال: إنه القدر، وإنه النصيب!

لحظة صمت طويلة خيمت على الفضاء، ثم عاد الحلاق إلى المقص والمشط ليستأنف لعبة التساقط ومعركة النسيان التي لا تنسى او تنتهي..

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.