منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الكالئ بالكالئ

الكالئ بالكالئ/ د. محمد جعواني

0

الكالئ بالكالئ

د. محمد جعواني

 

من كتاب “الصيغ التمويلية في البنوك التشاركية، دراسة فقهية تأصيلية”،

يمكنكم الاطلاع عليه وتحميله من الرابط التالي

من أدلة المانعيـن للمرابحة أنها تدخل في بيع الكالئ بالكالئ المنهي عنه. وقد سبق بيان أن البنك لا يبيع العيـن للمتعامل إلا بعد تملكها وقبضها حقيقة أو حكما.

وسنبيـن معنى “الكالئ بالكالئ” وحكمه ومشمولاته.

عن ابن عمر -رضي الله عنهما-: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الكالئ بالكالئ.[1]

وهذا الحديث على الرغم مما قيل فيه من جهة سنده، فقد تلقته الأمة بالقبول واعتبـره الأئمة واعتمدوه في العمل.

قال ابن عرفة:” تلقي الأئمة هذا الحديث بالقبول يغني عن طلب الإسناد فيه، كما قالوا في (لا وصية لوارث)”.[2]

وقال الإمام مالك:” وقد نُهي عن الكالئ بالكالئ”.[3]

وقال ابن رشد:” فأما النسيئة من الطرفيـن فلا يجوز بإجماع، لا في العيـن ولا في الذمة، لأنه الديـن بالديـن المنهي عنه”.[4]

معنى الكالئ بالكالئ:

الكالئ من الكلاءة -بكسر الكاف- وهي: الحفظ والحراسة.

وقيل في تفسيـره: إنه مجاز في إسناد معنى الفعل للملابسة، فحق الكلاءة أن تسند للشخص، بأن يقال: وكدَيـن كالئ صاحبُه، فأسندت للدّيـن للملابسة التي بيـن الديـن وصاحبه. وقيل: هو بمعنى مكلوء، فهو مجاز مرسل من إطلاق اسم الفاعل وإرادة اسم المفعول لعلاقة اللزوم، لأنه يلزم من الحافظ المحفوظ وعكسه.

وقيل: في الكلام حذف، وتقديـره: بيع مال الكالئ.[5]

والكالئ بالكالئ في اللغة، معناه: النسيئة بالنسيئة. والنسيئة هي التأخيـر.[6]

وحقيقته: بيع شيء في ذمة، بشيء في ذمة، سابق تقرر أحدهما على الآخر.[7]

وصوره ثلاثة: بيع الديـن بالديـن، وابتداء الديـن بالديـن، وفسخ الديـن في الديـن.

– بيع الديـن بالديـن: وهو بيع ديـن مؤخر سابق التقرر في الذمة لغيـر المديـن، بثمن موصوف في الذمة مؤجل.

ومن صوره كما قال الإمام مالك:” أن يبيع الرجل ديـنا له على رجل بديـن على رجل آخر”.[8]

وعلة منعه كونه يوصل إلى المنازعة والمخاصمة التي يبغضها الشارع، والناجمة عن عدم القدرة على التسليم.

قال الشهاب القرافي في بيان شروط السلم:

“المسألة الأولى: الحذر من بيع الديـن بالديـن، وأصله نهيه عليه السلام عن بيع الكالئ بالكالئ.

وهاهنا قاعدة: وهي أن مطلوب صاحب الشرع صلاح ذات البيـن، وحسم مادة الفساد والفتن، حتى بالغ في ذلك بقوله عليه السلام:” لن تدخلوا الجنة حتى تحابوا” وإذا اشتملت المعاملة على شغل الذمتيـن توجهت المطالبة من الجهتيـن، فكان ذلك سببا لكثـرة الخصومات والعداوات، فمنع الشرع ما يفضي لذلك، وهو بيع الديـن بالديـن”.[9]

– ابتداء الديـن بالديـن: وهو بيع ديـن مؤخر لم يكن ثابتا في الذمة بديـن مؤخر كذلك. وصورته تأخيـر رأس مال السلم العيـن أكثـر من ثلاثة أيام.

والمشهور في المذهب جواز تأخيـر اليوميـن والثلاثة كما سيأتي بيانه في صيغة السلم.

ويـرى د. نزيه حماد جواز ابتداء الديـن بالديـن في عصرنا الحاضر، للحاجة إليه خصوصا بالنسبة لطائفة التجار والصناعييـن والمقاوليـن.

واستدل بأن الحاجة الخاصة تنزل منزلة الضرورة في إباحة المحظور، وذلك ما دام قائما بمعياره الشرعي، فإذا انتفى عاد الحكم الأصلي للعقد وهو الحرمة والمنع.[10]

– فسخ الديـن بالديـن: وهو أشد الثلاثة تحريما، لأنه من ربا الجاهلية المحرم.

وهو: بيع ديـن مؤخر سابق التقرر في الذمة للمديـن إلى أجل آخر بزيادة عليه.[11] فتبيـن مما سبق سلامة “المرابحة” من هذا المحذور الشرعي، فعلى الرغم من كون الثمن مؤجلا في الذمة، فإن المثمون عيـن مُتملَّكة مَحوزة وليست في الذمة.

خلاصة صيغة «المرابحة»:

بعد هذه الوقفات الفقهية يتبيـن أن “المرابحة للآمر بالشراء” كما قنّنه قانون مؤسسات الائتمان لم يخرج عن الاجتهاد الفقهي المعتبـر، سواء تعلق الأمر بالمدرسة المالكية، أم بغيـرها من المدارس المعتدّ بها في التفقه والفتوى قديما وحديثا.

وتجدر الإشارة إلى أن المشرّع المغربي تحوّط في بعض القضايا والمسائل، وحاول تجنب “الخلاف” ما أمكن. لكن بالمقابل نجده اختار رأيا مخالفا لما عليه جماهيـر أهل العلم، كما في مسألة “التعويض عن توقف سداد الثمن”.

بعد هذه الإشارة أسجل هذه الملاحظات:

الأولى: حاجة صيغة “المرابحة” إلى مواكبة تشريعية عاجلة، تساعد في تخفيض “التكلفة” وتشجع الإقبال على المالية التشاركية، وتسهم في تلبية رغبات فئات واسعة من الذيـن أرهقهم سندان “الغلاء” ومطرقة “الربا”.

الثانية: العمل على تسريع تفعيل “التأميـن التكافلي” رفعا ودفعا لغرر التأميـن التجاري المنهي عنه شرعا.

الثالثة: على الرغم مما حققته صيغة “المرابحة للآمر بالشراء” من فوائد وثمرات، فلا يـنبغي أن يقتصر عليها في التمويل التشاركي -كما هو واقع الحال العملي في التجربة المغربية- بل يـنبغي فتح المجال لباقي الصيغ التي قننها المنشور لأخذ مكانها في المالية التشاركية.

من كتاب “الصيغ التمويلية في البنوك التشاركية، دراسة فقهية تأصيلية”،

يمكنكم الاطلاع عليه وتحميله من الرابط التالي


[1]–  رواه الحاكم في المستدرك، كتاب البيوع.ح2342، ورواه الدارقطني في السنن، كتاب البيوع.ح269، ورواه ابن أبي شيبة في المصنف، كتاب البيوع والأقضية، من كره أجلا بأجل.ح22127. قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، وقال ابن حجر: ووقع في رواية الدارقطني موسى بن عقبة وهو غلط واغتر بذلك الحاكم فصحح الحديث. انظر: ابن حجر، الدراية في تخريج أحاديث الهداية، تحقيق عبد الله هاشم اليماني. وهذا الحديث ضعفه علماء الحديث. انظر: الزيلعي، نصب الراية لأحاديث الهداية مع حاشيته بغية الألمعي في تخريج الزيلعي، تحقيق محمد عوامة، مؤسسة الريان،بيـروت، ط1، 1418هـ/1997م

[2]–  انظر: المواق، التاج والإكليل 4/367، دار الفكر، بيـروت، ط2 / 1398هـ

[3]–  الموطأ، كتاب البيوع، باب جامع بيع الثمر.

[4]–  بداية المجتهد 2/102 الإجماع لابن المنذر ص117

[5]–  انظر: حاشية الدسوقي 3/61، الفروق للقرافي 3/1075

[6]–  انظر: مادة (كلأ) في لسان العرب، مقاييس اللغة، النهاية في غريب الحديث4/194

[7]–  انظر: حدود ابن عرفة مع شرح الرصاع 2/348

[8]–  انظر: الموطأ 4/954، والمنتقى شرح الموطأ للباجي 5/33

[9]–  الفروق للقرافي 3/1075

[10]–  نزيه كمال حماد، بيع الكالئ بالكالئ في الفقه الإسلامي ص31.29، مطابع جامعة الملك عبد العزيز، ط1، 1406هـ/1986م

[11]–  القاضي عياض، مشارق الأنوار على صحاح الآثار 1/340

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.