منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الشّتاء ربيع المؤمن

الشّتاء ربيع المؤمن/ د. محمد سعيد بكر

0

الشّتاء ربيع المؤمن

د. محمد سعيد بكر

جعل الله تعالى للمطر والغيث فصلاً كاملاً ينتظره النَّاس والدواب وتتشوق له الأرض العطشى .. ذكره الله سبحانه في معرض تذكير قريش بنعمة الله عليهم: (لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (1) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (2) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَٰذَا الْبَيْتِ (3) الَّذي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ (4)) سورة قريش.

ورد اشتقاق كلمة (مطر) في كتاب الله تعالى (٣٠) مرة، وكلها في معرض العقوبة والعذاب؛ ومن تلك المواضع الشَّرّيفة:

  • مطر الماء عقوبة تغرق الفاجرين، قالَ تعالى: (وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنذَرِينَ) سورة النمل: 58.
  • مطر الحجارة عقوبة تحطمهم وتحرقهم، قالَ تعالى: (فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ) سورة هود: 82.

ورد اشتقاق كلمة (غيث) في القرآن (٩) مرات، وكلها في معرض النجدة والرحمة والخير، ومن تلك المواضع الشَّرّيفة:

  • الماء النازل من السَّماء بعد عطش، قالَ تعالى: (إِنَّ اللَّهَ عندَهُ عِلْمُ السَّاعة وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ.. ) سورة لقمان: 32 ، وقالَ تعالى: (وَهُوَ الَّذي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ ۚ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ) سورة الشورى: 28.
  • الفرج الشامل بعد عسر وحرج، قالَ تعالى: (ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاس وَفِيهِ يَعْصِرُونَ) سورة يوسف: 49.
  • المدد من جنود الله في المعارك، قالَ تعالى: (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ) سورة الأنفال: 9.

وهناك مواضع جاء فيها كلمة الاستغاثة للتهكم بأصحاب الجحيم، قالَ تعالى: (وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ) سورة الكهف: 29.

سبحان من جعل الغيث رزقاً ورحمة على عموم خلقه، وإن كان فيه شدة وقسوة على آخرين، فالله تعالى القدير الحكيم يعلم متى وأين وكيف ولماذا ينزل رحمته، وما الَّذي ينفع عباده، فلا اعتراض على ما يتسبب به المطر من أذى .. وشكرنا لله تعالى واجب على ما يتسبب فيه الغيث من بركات.

لو أننا ندقق النَّظر قليلاً لأرجعنا الأذى الَّذي يصاب به بعض الخلق للخلق وليس للخالق؛ فلو أن الأغنياء ستروا وساعدوا إخوانهم الفقراء ما أتى عليهم البرد، ولو أن حيتان السياسة والمال اتقوا الله في خلق الله ما تسبب غشهم وإهمالهم بموت النَّاس عندَ نزول رحمة الله المهداة لخلق الله، وصدق الله تعالى: (وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) سورة النحل: 118... فسبحان من كشف بالقدر عن غش وشرور وإيذاء البشر للبشر!!

‏مع كل قطرة من قطرات الغيث نستشعر دوام الصلة بين عالم الأرض والسَّماء .. ونستشعر رحمة الرحيم بعالَم غدَر وفجَر وكفَر وألحد وفسق وأعلن الحرب على الله .. فما أحلم الله وما أكرمه.

وما أعظم الله الَّذي جعل في نزول الغيث آية!، وصدق الله في بيان هذه الآية: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماء مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَاءُ ۖ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ) سورة النور: 43.

‏ويستحب التعرض للمطر ، فيصيب شيئًا من بدن الإنسان لما ثبت عَنْ أَنَسٍ رضيَ اللهُ عنهُ أنه قالَ: (أَصَابَنَا وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم مَطَرٌ ، قالَ: فَحَسَرَ رَسُولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم ثَوْبَهُ، حتَّى أَصَابَهُ مِنَ الْمَطَرِ ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ لِمَ صَنَعْتَ هَذَا؟ قالَ: (لِأَنَّهُ حَدِيثُ عَهْدٍ بِرَبِّهِ تَعَالَى) رواه مسلم.

ينبغي الحذر الشديد عندَ تداول ما يقوله الراصدون للأحوال الجوية، فهم مجرد متابعين لحركة السحاب والغيوم، ويقومون بتقدير توقعاتهم لا على سبيل الجزم والقطع، وينسب كثير منهم تقديره لقدرة الله وعظمته تأدباً منهم مع الله، فهو الخالق الرازق، ولا يملك العبد الجزم والقطع في مثل هذه الأمور، فعن زيد بن خالدٍ الجهني قالَ: صلى بنا رسول الله صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم صلاة الصبح بالحديبية في إثر السَّماء كانت من الليل، فلما انصرف أقبلَ على النَّاس فقالَ: (هل تدرون ماذا قالَ ربكم؟)، قالُوا : الله ورسوله أعلم، قالَ: (قالَ: أصبح من عبادي مؤمنٌ بي وكافرٌ، فأما مَن قالَ: مُطِرْنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمنٌ بي كافرٌ بالكوكب، وأما من قالَ: مطرنا بنَوْء (وقت أو سبب) كذا وكذا، فذلك كافرٌ بي مؤمنٌ بالكوكب) رواه البخاري ، ولمسلم من حديث ابن عباس: فنزلت هذه الآية: ( فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ ) سورة الواقعة: 75 ، حتَّى بلغ: (وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ) سورة الواقعة: 82.

قرر الإسلام لنزول الغيث أحكاماً تتعلق به، ويرتبط بعضها ببعض أركان الإسلام، ومن تلك الأحكام:

أولاً: فيما يتعلق بركن الصَّلاة: وهو ما يعرف بالجمع بين الصلوات، وملخصها عندَ أصحاب المذاهب الأربعة:

  • المالكية والحنابلة: يجوز جمع صلاتي المغرب والعشاء جمع تقديم بسبب المطر، ولا يصح جمع صلاتي الظهر والعصر للسبب نفسه، وقد استدلوا بعمل الصَّحابة وكبار التابعين على ذاك.
  • الشّافعية: يجوز الجمع لعذر المطر بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء، لما روى ابن عباس رضيَ اللهُ عنهُما قالَ: (صلى رسول الله صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم الظهر والعصر جميعًا، والمغرب والعشاء جميعًا في غير خوف ولا سفر ) رواه مسلم، قالَ الإمام الشافعي: أرى ذلك بعذر المطر.
  • الأحناف: لا يجوز الجمع بعذر السّفر والمطر.

وكلهم يقصد الاحتياط للدين، والتخفيف على عباد الله، فقد أراد النَّبيّ صلى الله ألا يحرج أمته، والأصل أن يختار الإمام الرخصة .. وله أن يختار العزيمة دون اعتراض من إخوانه المسلمين.

ثانياً: فيما يتعلق بركن الزكاة: فقد قررت الشَّريعة أن زكاة المزروعات الَّتي تسقى بماء المطر أكثر من غيرها، لما روي عن عَبْدِ اللَّهِ بن عمر رضيَ اللهُ عنهُما عَنْ النَّبيّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم قالَ: (فِيمَا سَقَتْ السَّماء وَالْعُيُونُ أَوْ كَانَ عَثَرِيًّا الْعُشْرُ، وَمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ نِصْفُ الْعُشْرِ) رواه البخاري.

ثالثاً: فيما يتعلق بالصيام .. استحب البعض الصيام في فصل الشّتاء لما روي عندَ الإمام أحمد من أن (الشِّتاء ربيعُ المؤمِن) رواه أحمد، وزاد البيهقيُّ وغيرُه: (طال ليلُه فقامَه، وقصُر نهارُه فصامَه)، وعلى الرغم من ضعف الحديث إلا أنه قد يُستدل به في فضائل الأعمال لصحة معناه، ومثل ذلك عن ابن مسعود رضيَ اللهُ عنهُ قالَ: (مرحبًا بالشِّتاء؛ تتنزَّل فيه البَرَكة، ويطول فيه الليلُ للقيام، ويقصُر فيه النهار للصِّيام).

رابعا: فيما يتعلق بالدُّعاء: كان من جميل دعاء رَسُولَ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم إِذَا رَأَى المَطَرَ قالَ: (اللَّهمَّ صَيِّبًا نَافِعًا) رواه البخاري، وكان صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم إذا اشتد المطر قالَ: (اللَّهمَّ حَوَالَيْنَا وَلاَ عَلَيْنَا ، اللَّهمَّ عَلَى الآكَامِ وَالظِّرَابِ ، وَبُطُونِ الأَوْدِيَةِ ، وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ) رواه البخاري، أما الدُّعاء عندَ سماع الرعد؛ فقد ثبت عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ رضيَ اللهُ عنهُ: (أَنَّهُ كَانَ إِذَا سَمِعَ الرَّعْدَ تَرَكَ الْحَدِيثَ، وَقالَ: سُبْحَانَ الَّذي يُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ) سورة الرعد: 13، ثُمَّ يَقُولُ : (إِنَّ هَذَا لَوَعِيدٌ شَدِيدٌ لِأَهْلِ الْأَرْضِ) رواه البخاري في “الأدب المفرد” وصححه الألباني، بل هناك ما يفيد إجابة الدُّعاء عندَ الغيث فقد قالَ النَّبيّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم: (ثِنتان ما تردان: الدُّعاء عندَ النداء، وتحت المطر) رواه الطبراني وهو صحيح.

خامساً: فيما يتعلق بالجهاد: يعد الموضع الوحيد الَّذي ليس فيه ذكر العذاب بالنسبة لكلمة المطر في القرآن هو ما ارتبط بمشقة نزول المطر على المجاهدين في المعركة وبيان أحكام متعلقة به، قالَ تعالى: (وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مَّرْضَىٰ أَن تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا) سورة النساء: 102.، كما أننا لا ننسى كيف كان المطر عامل تثبيت للمسلمين يوم غزوة بدر، وفي ذلك قالَ الله تعالى: (إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ السَّماء مَاءً لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيطان وَلِيَرْبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ) سورة الأنفال: 111.

جميع الاحتياطات التي يحضرون لها استعداداً للمنخفضات والثلوج لا قيمة لها ما لم تنتشر ثقافة اللجوء الصادق إلى الله؛ باستحضار نية التوبة عن ذنوبنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية .. على مستوى الفرد والدولة .. وذلك قبل تلك الاستعدادات المهمة وأثناءها وبعدها .. فيا رب .. يا من سميت نفسك اللطيف ألطف بنا .. ويا من سميت نفسك الرحيم ارحمنا .. ولا تؤاخذنا بما يفعله السفهاء منا.

لا يعرف النَّاس قيمة الغيث النازل من السَّماء إلا إذا توقف نزوله وامتنع، وعندَها يبدأ الوعاظ والخطباء بتذكير النَّاس بقيمة الاستغفار لقوله تعالى: (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّماء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا (11)) سورة نوح، ويدعونهم لأداء صلاء طلب الغيث (الاستسقاء)؛ فعن ابن عباس رضيَ اللهُ عنهُ قالَ: (خرج رسول الله صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم متبذلاً متواضعًا متضرعًا، حتَّى أتى المصلى، فرقِيَ المنبر فلم يخطب خطبتكم هذه، ولكن لم يزل في الدُّعاء والتضرع والتكبير، ثم صلى ركعتين كما يصلي في العيد) رواه أبو داود والترمذي والنسائي.

وختامًا

هذا هو الغيث بأحكامه وبركاته وأعماله، ومن غير اللائق ما نراه ونسمعه من تندُّر البعض وسخريتهم وتلفظهم بألفاظ تدل على الاعتراض على الله تعالى إن جاء الغيث أو امتنع .. وإن نزل الثلج أو لم ينزل، لاسيَّما إن تنوعت الأحوال الجوية في البلد الواحد، والحمد لله على ما كان وما هو كائن وما سوف يكون، وأهم من هذا وذاك أن يعرف المسلم واجب شكره لله تعالى تجاه هذا الخير .. وواجب إعانته تجاه إخوانٍ له يتضررون به .. ربنا بارك لنا في شتائنا .. ربنا اغسلنا من ذنوبنا وخطايانا بالماء والثلج والبرَد.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.