منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

(2) مقصد حفظ المال| سلسلة مقالات؛ المقاصد الشرعية من تداول الأموال

الدكتور أحمد الإدريـــسي

0

 

(2) مقصد حفظ المال

سلسلة مقالات؛ المقاصد الشرعية من تداول الأموال

بقلم: الدكتور أحمد الإدريـــسي

 

من مقاصد الشرع الحكيم في وضع الشريعة؛ تحقيق مصالح العباد في الدارين، ولكي يتمكنوا من القيام بهذه التكاليف الشرعية، قصد الشارع أن تكون مفهومة لهم، وأن يكون المكلَّفون قادرين على تطبيق هذه التكاليف، يقول الإمام الشاطبي: (تكاليف الشريعة ترجعُ إلى حفظ مقاصدها في الخلق، وهذه المقاصد لا تعدو ثلاثة أقسام: أحدها: أن تكون ضرورية، والثاني: أن تكون حاجية، والثالث: أن تكون تحسينية)[1].

فالمقاصد الضرورية؛ هي التي تقوم عليها حياة الناس، ويتوقَّف عليها وجودهم في الدنيا، وهي كما يقول محمد الطاهر بن عاشور؛ “التي تكون الأمة بمجموعها وآحادها في ضرورةٍ إلى تحصيلها، بحيث لا يستقيم النظام باختلالها”، بحيث إذا انخرمت تؤول حالةُ الأمة إلى فساد واقع أو متوقع. وهذه الضروريات خمسة، وهي:

حفظ الدين والنفس والعقل والنسل (أو العرض)، والمال.

أما مقصد حفظ المال فيكون بأمرين[2]:

1- حفظه من جانب الوجود، بتنميتِه تنميةً مشروعة؛ ولذا شرع الله تعالى طرقًا لكسبه، وإنفاقه، وتنميته.

2- حفظه من جانب العدم، بتحريم السرقة والغش، والرشوة، بل إن الشارع أقام عليها عقوبات مقدرة وغير مقدرة، فقال تعالى في حد السرقة: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾(المائدة: 38)، وترك العقوبات غير المقدرة للحاكم يتصرف فيها وَفْق ما تقتضيه المصلحة.

أولا: مقصد حفظ المال؛

حفظ المال من الضروريات الخمس، ويقصد به حفظ المال العام والخاص، قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾(النساء: 29). وعن أبي بكرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا)[3].

وقد بين الإمام الغزالي وغيره من أئمة الأصول والمقاصد، أن مقاصد الشرع والمتعلقة بمصالح العباد في الحال والمآل، ثم بينوا أن مصالح العباد رهينة بحفظها، وبالمقابل يعتبر تركها إضرارا بمصالحهم، مستدلين بعموم نصوص الشريعة الإسلامية. يقول الإمام الغزالي رحمه الله: (إن مقصود الشرع من المال خمسة؛ أن يحفظ عليهم دينهم ونفسهم وعقلهم ونسلهم ومالهم، فكل ما يتضمن حفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة، وكل ما يفوت هذه الأصول فهو مفسدة ودفعها مصلحة)[4].

وبالنسبة ل”حفظ المال”؛ أوجب الحفاظ عليه صيانة لمصالح العباد تحريم ما يهدد وجوده حرم تبذيره وأكل أموال الناس بالباطل الأمر بكل ما يؤدي إلى تعزيزه وتنميته الكسب الحلال وتنميته في الاستثمارات المباحة وإنفاقه في الوجوه التي رغب الشرع فيها. وأكد الطاهر بن عاشور على ما اتفق عليه الأصولين، لتحقيق مقصد حفظ المال أنه يكون بإيجاد المعدوم وحفظ الموجود؛ وذلك بثلاثة أمور أساسية، وهي:

1- حفظ مال الأمة من الإتلاف.

2- وحفظ أجزاء المال المعتبرة من التلف بدون عوض.

3- حفظه من الخروج إلي أيدي غير الأمة بدون عوض.

وحفظ المال يكون أيضا من جهة الوجود ومن جهة العدم:

  • أولا: حفظ المال من جهة الوجود؛

وهو أصل الإثراء البشري و أصل الحضارة البشرية، فقال رحمه الله: ولإثراء الأمة وأفرادها طريقان هما التملك والتكسب.

1- أحكام لحفظ المال من جهة الوجود:

من الأحكام التي شرعت لحفظ المال من جهة الوجود هو الحث على العمل، والكسب الحلال، والبحث عن الرزق، وإجلاله، وجعله عبادة وقربة يثاب عليها صاحبها. قال تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾(الجمعة:10). وقال عز وجل: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾(الملك:15).

– إباحة البيوعات والإجارات وكما يسهم بطريق مشروع في تبادل الأموال وترويجها بين الناس.

– التكسب وهو إيجاد ما يسد  الحاجة إما بعمل أو بدن أو بالمرضاة مع الغير.

– العمل في الشيء مع مالكه، كالمغارسة و القراض والشركة. والتبادل بالعوض عن طريق انتقال المال بالتبرع أو الإرث.

إحياء الأرض الموات.

2- وسائل حفظ المال؛ كثيرة ومتنوعة، ومنها:

– الأرض.

– رأس المال لأنه وسيلة لإدامة العمل،

– العمل لأنه وسيلة التنمية والاستثمار.

– ضبط نظام السوق.

– ضبط مصاريف الزكاة ونظام الأوقاف.

ثالثا: حفظ المال من جهة العدم؛ ويكون بدرء الفساد الواقع فيه والمتوقع.

1- أحكام لحفظ المال من جهة العدم:

من أهم الأحكام التي شرعت لحفظ المال من جهة العدم:

– تحريم السرقة والرشوة والغصب، وتشريع العقوبات والزواجر والجوابر المترتبة على ذلك.

– تحريم تبذير المال وإضاعته، ولو في المباح المشروع.

– ضمان المتلفات، ولو ممن اضطر غلى ذلك الإتلاف.

2- أهم الوسائل لحفظ المال من جهة العدم:

– منع الاعتداء على الأموال.

– منع الإسراف والتبذير.

– تامين ثقة المكتسب بالأمن على ماله.

– غرم المتلفات.

– تحريم الربا.

فلتق الله في أموالنا وفي أموال الآخرين، كسبا واستهلاكا وإنفاقا، وفي معاملاتنا المالية، أفرادا ودولة ومؤسسات، فإن الله سائل كل إنسان عن ماله؛ فيما كسبه وفيما أنفقه، روى ابن حبان والترمذي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا تزولُ قَدَمَا عبدٍ يومَ القيامةِ حتَّى يُسألَ عن أربعٍ؛ عَن عُمُرِه فيما أفناهُ وعن جسدِهِ فيما أبلاهُ وعن عِلمِهِ ماذا عَمِلَ فيهِ وعن مالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وفيما أنفقَهُ).

والحمد لله رب العالمين.


[1] – الشاطبي؛ أبو إسحاق، الموافقات. (دار الحديث القاهرة، طبعة: 1427هـ-2006م). ج: 2 / ص:265.

[2] – الشاطبي؛ أبو إسحاق، الموافقات. (مرجع سابق). ج: 2 / ص:266.

[3] – حديث متفق عليه.

[4] – الغزالي؛ أبي حامد. المستصفى. تحقيق وتعليق: محمد سليمان بن الأشقر. (مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى، 1417هـ-1997م). ج:2 / ص: 284.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.