منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

نصاب النقود

عبد الله بنطاهر / نصاب النقود

0

نصاب النقود
عبد الله بنطاهر

يتجدد السؤال كل عام عن نصاب النقود هل يقدر بالذهب أو الفضة؟ وسواء كان بالذهب أم بالفضة هل يقدر بسعر القديم أم بسعر الجديد؟ وهل بالمصنع أم بالخام؟
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.
وبعد؛ فإن القاعدة في تحديد النصاب والله أعلم: أن نقارن بين أثمنة الفضة بأنواعها والذهب بأشكاله كذلك، ثم نأخذ بالأقل ثمنا منها فضة أو ذهبا؛ ومن المعلوم في هذا العصر أن الفضة أقل ثمنا، فيستخرج منها النصاب احتياطا؛ وبذلك يكون أكبر عدد ممكن من الناس قد أدى زكاة ماله تبرئة للذمة، وهذا أولى من الدخول في متاهات الخلاف المتشعب في تحديد النصاب الذي يثير جدلا كل سنة…
وفي مثل هذا جاء الحديث الشريف: «إن الحلال بينٌ وإن الحرام بينٌ وبينهما مشتبهاتٌ لا يعلمهن كثيرٌ من الناس فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه…».

ثم كذلك القاعدة: “من شك في ركن بنى على اليقين”، واليقين الذي لا شك فيه هنا هو الأخذ بالأقل…
ثم إن المسلم يجب عليه أن يذعن للنص الذي يتناول حالته وهو هنا الأقل ثمنا؛ فمن اعتبر النصاب بالذهب فقد عطل النصوص الصحيحة الواردة في الفضة وهي الأصح من نصوص الذهب كما سنرى، وهي كذلك اليوم الأقل ثمنا…
وهذا ما رجحه الفقيه سيدي اليزيد الراضي من علماء المغرب ورئيس المجلس العلمي بتارودانت ؛ جاء في كتابه “زكاة رواتب الموظفين وكسب أصحاب المهن الحرة” (ص:13) ما يلي:

“ذهب أكثرية الباحثين المعاصرين إلى تقدير نصاب الزكاة في النقود المتداولة اعتمادا على الفضة أي: أن النصاب هو ما بلغ قيمة(595غ) من الفضة؛ وهذا الرأي يبدو لي أرجح من غيره لما يلي:

لأن النصوص الشرعية التي تحدد نصاب الفضة بخمس أواق أو مائتي درهم، أكثر وأصح، أما النصوص التي تحدد نصاب الذهب بعشرين مثقالا أو عشرين دينارا فهي قليلة، وفوق قلتها لم تسلم أسانيدها من مقال.
قال ابن عبد البر: “لم يثبت عن النبيﷺ في الذهب شيء من جهة نقل الآحاد الثقات”(1). وقال النووي: “ولم يأت في الصحيح بيان نصاب الذهب وقد جاء فيه أحاديث بتحديد نصابه بعشرين مثقالا وهي ضعاف”(2). وقال ابن تيمية متحدثا عن ترتيب مالك لأحاديث الزكاة في الموطأ: “افتتح مالك −رحمه الله− كتاب الزكاة في موطئه بذكر حديث أبى سعيد لأنه أصح ما روى في الباب، وكذلك فعل مسلم في صحيحه، وفيه ذكر نصاب الورق، ونصاب الإبل، ونصاب الحب والثمر، ثم الماشية والعين…، ثم ذكر نصاب الذهب، والحجة فيه أضعف من الورق، فلهذا أخره”(3).
ولا شك أن ما سلمت أسانيده من مقال، وبلغ أعلى درجات الصحة، يقدم -عند التعارض والترجيح- على ما لم تسلم أسانيده.

ولأن التقويم بالفضة يمكن المزكي من الاحتياط لدينه، لأن من ملك مائتي درهم شرعية -أو ما يعادلها من النقود- اعتبره الشرع غنيا وأوجب عليه الزكاة، وإذا أعفيناه نحن من الزكاة بدعوى أنه لم يبلغ النصاب على أساس قيمة الذهب، نتناقض مع النصوص الصحيحة الصريحة التي حددت نصاب الفضة، ونجازف ونغامر ونلعب بالنار”. انتهى كلام الشيخ ذ. اليزيد الراضي حفظه الله.

وبهذا أفتي العلامة الفقيه محمد التاويل رحمه الله فقال: “لابد من تقويم الأوراق النقدية المتعامل بها لمعرفة النصاب فيها وهو ما اجمع عليه القائلون بزكاتها إلا أنهم اختلفوا فيما تقوم به هل تقوم بالذهب أو بالفضة او بغيرها؟
الاتجاه الأول وهو الحق والصواب أن تقوم بالفضة وهو وزن 624 غرام على الخلاف في مقدار الدرهم هل هو وزن 3.12غرام أو 2.975 غرام؟ فان ملك الإنسان من الأوراق النقدية ما يساوي نصاب الفضة وجبت عليه زكاته وإن لم يبلغ نصاب الذهب الذي هو 85 غراما”. ذكره تلميذه امحمد العمراوي في كتابه “المبين عن أدله المرشد المعين” الذي قدم له د. محمد التاويل رحمه الله و د. فريد الانصاري رحمهما الله؛ ص: 275.

أما تحديد ثمن الذهب والفضة فيرجع فيه إلى قدره في البورصات العالمية وليس إلى ما عليه الثمن في المحلات التجارية بالتقسيط… والله أعلم وأحكم.
وبالاعتماد على ما تقرر أعلاه يكون نصاب المال في المغرب حاليا كما عد ذلك عبد السلام أجرير بقوله:
مع بداية السنة الهجرية الجديدة 1443، وبالنظر إلى أسعار الذهب والفضة بالمغرب فإن نصاب الزكاة هو كالآتي :
_ بناء على مقياس الفضة 595 غرام فالنصاب في حدود 5.000 درهما (خمسمائة ألف سنتيم) .
_ وبناء على الذهب الخالص 85 عيار رقم 24 85 غرام فالنصاب حوالي 40.000 درهما (أربعة ملايين سنتيم).
والأولى والأحوط اعتبار أقل المقدرات عند الاختلاف، وهي نصاب الفضة هنا، فرغم أنه لا يدل على الغنى بمعناه العرفي، لكنه يدل عليه بالمعنى الشرعي.
ومن اعتبر الذهب، وهو مرتفع الثمن جدا كما نرى، فقد عمل بما جرت به الفتوى والعمل في الأزمان المتأخرة في بلادنا.
ومن أخذ بالذهب المختلط (دون مراعاة الفروق) كعيار رقم 14 أو 16 يكون قد توسط.
والله أعلم .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الهوامش:
(1)ـ سبل السلام 2/129.
(2)ـ إحكام الأحكام لابن دقيق العيد 2/186.
(3)ـ فتاوي ابن تيمية: (ج 25 ـ ص 9).

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.