منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

المدارس المغربية وأولوية تحسين العلاقة التربوية بين المُدرِّس والمتعلم

الدكتور عبد الباسط المستعين

0

نشر هذا المقال في كتاب: “العلاقات البيداغوجية في المنظومة التربوية المغربية

يمكن تحميل المقال(بدفpdf) من هذا الرابط

ملخص

استهدفت هذه الورقة إماطة اللثام عن طبيعة العلاقة التي تربط المدرسين بالمتعلمين، والمتراوحة بين السلامة والاختلال، ورامت استكشاف أبرز العوامل الحاسمة في تحديد نوعية تلك العلاقة، سواء منها ما ارتبط بالمدرِّس أو بالمتعلم أو بالظروف الموضوعية المحيطة بهما. كما خصص حيز آخر من هذه الدراسة لمسألة العنف في المدارس المغربية: عواملها، وآثارها وسبل الحد منها بوصفها أسوأ إفرازات اضطراب العلاقات التربوية داخل الفصول والمدارس. وأخيرا تم اقتراح جملة من التدابير الكفيلة بإصلاح ما اعترى الصلة بين مكونات العملية التعليمية التعلمية من شروخ وتصدعات، وما يلزم من إجراءات لتسترجع العلاقة بين المدرِّس والمتعلم ما افتقدته من توازن، وهو ما من شأنه أن ينعكس إيجابا على مردودية منظومتنا التعليمية.

كلمات مفتاحية: مدرس؛ متعلم؛ علاقات تربوية؛ مدارس مغربية؛ اختلال؛ توازن.

تمهيد:

المزيد من المشاركات
1 من 43

لقد ترادفت الإصلاحات والبرامج في قطاع التربية الوطنية التي تتضمن في بعض جوانبها الكثير من الأهداف الطموحة، مثل: التخفيف من الهدر المدرسي، والرفع من جودة التعليم ومردوديته، وغيرها؛ لكن إنجاح أيا من تلك المشاريع يتوقف على إعداد الوسط المناسب لذلك. ومن بين ما يستدعي التدخل العاجل كشرط حاسم، تبرز الخيوط الناظمة لعلاقة المدرِّس بالمتعلم، لما تكتسيه من أهمية قصوى في الارتقاء بالعملية التعليمية التعلمية، والأدوار التربوية للمدرسة المغربية.

وبالرجوع إلى الواقع التعليمي بمدارسنا، نجده يعج بالكثير من مظاهر الاختلال على هذ المستوى، بما ينذر بنتائج وخيمة تتطلب تضافر الجهود لاستدراك ما فات، ومعالجة ما يمكن معالجته. واقتصارنا في هذه الورقة على هذا الجانب من العلاقات البيداغوجية الرابطة بين المدرِّس والمتعلم، لا يلغي أهمية سلامة العلاقات التربوية العامة، سواء بين المدرسين والتلاميذ والإدارة التربوية والفضاء المحيط من جهة، أو بين مكونات المثلث البيداغوجي (المدرس / المتعلم / المعرفة) من جهة ثانية.

فما هي إذن أهم ملامح علاقة المدرِّس بالمتعلم في أوساطنا التعليمية؟ وما العوامل الكامنة وراء إفراز أي نمط من تلك العلاقات؟ ثم كيف السبيل لتحسينها وتجاوز ما قد يعتريها من خلل؟

ولعل أبرز وباء يصيب العلاقات التربوية في مقتل، ويعكر صفو الحياة الدراسية العادية هو العنف، سواء صدر عن المدرِّس تجاه المتعلم، أو من هذا الأخير نحو مُدرسه. والأكيد أن تفشي هذه الظاهرة يخلف آثارا لا تحمد عقباها، وتستلزم بحثا حثيثا عن سبل الحد من تداعياتها. فما المقصود بالعنف في علاقة المدرِّس بالمتعلم؟ وأية مضاعفات يمكن أن تنجم عن ذلك؟ ثم ما هي الحلول المقترحة للتخلص من هذه الظاهرة المقلقة داخل الفصول الدراسية؟

المبحث الأول: العلاقات التربوية داخل المؤسسات التعليمية بين الرشد والاختلال

تكتسي العلاقات التربوية عدة أبعاد، أهمها: البعد البيداغوجي/ الديداكتيكي، والبعد التنظيمي، ثم البعد العلائقي[1]؛ لكن مجموع هذه الأبعاد يمكن أن تتأثر بنفس المؤثرات، كما يمكن أن تتراوح خصائصها بين السلب والإيجاب تبعا لذلك. ومن تم سنحاول تسليط الضوء على مميزات هذه العلاقات وأبرز تمظهراتها، ومحاولة استكشاف العوامل الكامنة وراءها، ثم المساهمة في اقتراح ما من شأنه أن يحد من التبعات غير المرغوب فيها.

ويمكن التمييز في خصائص هذه العلاقات بين وضعيتين: الحالة الطبيعية والوضعية المضطربة.

مقالات أخرى للكاتب
1 من 7

1 – العلاقات السليمة بين المُدرس والمتعلم:

يصعب التوصل إلى حكم موضوعي وقطعي حول طبيعة العلاقة التي تربط الناشئة التعليمية بالمدرسين على طول البلاد وعرضها وبسائر المؤسسات ومختلف المستويات التعليمية في غياب دراسة ميدانية مبنية على إحصائيات مضبوطة، أو على الأقل استمارات واستطلاعات للرأي نموذجية. لكن سريان المعلومات في الأوساط التعليمية، إن عبر التداول أو بفعل الانتقالات المتوالية لرجال التعليم بين عدة مؤسسات ومدن ومناطق، أو عبر ما يرشح منها لوسائل الإعلام، ووسائط التواصل الاجتماعي. كل ذلك يعطينا صورة تقريبية، لا تخفى ملامحها على خاص أو عام.

وهنا تعترضنا صعوبة تحديد مؤشرات سلامة العلاقة بين المدرس والمتعلم، هل هي متوقفة على عدم حدوث توترات واصطدامات مباشرة وظاهرة للعيان، بدنية أو لفظية، بين طرفي هذه العلاقة؟ أم تتعلق بشيء أعمق من ذلك؛ بحيث تنفذ إلى تحقيق الاستقرار النفسي والارتياح الوجداني لكل طرف من هذه العلاقة نحو الآخر داخل الفصل الدراسي، وربما امتد ذلك خارجه أيضا؟

وعموما، يمكن التمييز في هذا الصدد، بين مستويين أساسيين:

أولا: العلاقات السليمة العادية، وهي التي تنجح في عدم إثارة انتباه أي طرف خارجي (إدارة تربوية، أسر وغيرها) إلى تشنج ما، حاد أو بسيط، بين المدرس وأحد متعلميه.

ثانيا: علاقات سليمة ممتازة، تتجاوز حدود النجاح في تفادي الاصطدام بين الطرفين إلى مستوى أمتن من التعاون وتبادل الود والاحترام.

وإذا كان بإمكاننا أن نحكم بدون تردد على أن معظم العلاقات التربوية البيداغوجية في مؤسساتنا التعليمية عادية؛ فإنه على العكس من ذلك يمكن أن نجزم بأن العلاقات الممتازة نادرة وعزيزة الوجود، بغض النظر عن العوامل الكامنة وراء هذه النتيجة.

 2 – مظاهر الاختلال في العلاقة بين المدرس والمتعلم:

إن جانبا كبيرا من التوتر في العلاقة بين طرفي العملية التعليمية التعلمية لا يمكن إخفاؤه، بل إن صداه يتردد عبر الصحافة الوطنية المرئية والمكتوبة، وأحيانا أخرى يتعدى ذلك إلى ردهات المحاكم. ولا ريب أن هذا هو المستوى الملموس لتردي العلاقة بين الطرفين، والتي يمكن إبداء قلق شديد في ظلها على مستقبل المنظومة التعليمية التربوية برمتها.

وبما أننا نفتقد لدراسات وإحصائيات مضبوطة وكافية، وتغطي حقبة زمنية طويلة تسمح بالمقارنة والتحليل حول هذه الظواهر؛ فإننا سنبقى نجهل حقيقة هذا النوع من العلاقات ومداه على وجه الدقة في واقع مؤسساتنا التعليمية؛ لكن عموما، نرى أنها تحتل حيزا معتبرا لا يمكن بحال تجاهله، وينذر فعلا بعواقب وخيمة.

تجدر الإشارة أيضا، وكما نبهنا إلى ذلك سابقا، إلى أن محدودية مظاهر الاصطدام المعلن والواضح بين المدرسين والمتعلمين، لا يعني انتفاءه من الواقع. فالكثير من الفصول الدراسة تخفي جملة من المشاحنات والضغوط النفسية، وتنطوي على علاقات متوترة وأجواء مسمَّمة، قد لا تصل إلى الحد الذي يطلع عليه فيها الرأي العام داخل المؤسسة التعليمية أو خارجها، لكنها طبعا ليست النموذج المحتذى.

وعموما، تكون للعلاقات غير السليمة آثارا سلبية على الجانبين، بالإضافة إلى الأضرار المادية والمعنوية التي يمكن أن تلحقها بشكل مباشر بالمعني، وتكمن خطورتها في حجم المضاعفات التي تترتب عليها بالنسبة للمدرس الضحية وانعكاسها السلبي على أدائه المهني المستقبلي، أو بالنسبة للمتعلم الضحية الذي يمكن أن تولّد لديه عقدا نفسية أو تلحق به عاهة مادية تلازمه طيلة حياته، إن لم تؤد إلى إنهاء مساره الدراسي. والمدرسة الجديرة بأداء وظيفتها التربوية، ينبغي أن تنأى عن تلك الظواهر وتسعى إلى اجتثاث الأسباب المؤدية إليها.

المبحث الثاني: عوامل نجاح أو اضطراب العلاقة بين المدرس والمتعلم

تتعدد الأسباب الكامنة وراء اختلال العلاقة بين طرفي العملية التعليمية التعلمية وتستعصي على الحصر، وبالضمن فإن تفادي تلك الأسباب سوف يقلل حتما من تردي هذه العلاقة ويحد من مظاهر العنف وسائر الانحرافات التي يمكن أن تطالها، ومن تم يوفر أحد أهم شروط نجاح المدرسة ووظائفها.

في محاولة لرصد هذه العوامل، قمنا بتصنيفها إلى ثلاثة عناصر رئيسية هي:

1 – عوامل مرتبطة بالمدرس:

تسهم طبيعة شخصية المدرس بشكل حاسم في تحديد مسار ونوعية العلاقة التي تربطه بالمتعلمين، إذ تتوقف نسبة سلامة تلك العلاقة في حدود كبيرة على الأستاذ من عدة وجوه:

أ – الكفاءة: تعتبر كفاءة الأستاذ عنصرا فعالا لنجاحه في مهمته، وتحدد طبيعة ردود أفعال متعلميه تجاهه. وتشمل هذه الكفاءة جانبين أساسيين، أولهما: التمكن من مادة تخصصه؛ بحيث يلمس فيه تلامذته ذلك أثناء إنجاز الدروس، أو عند مواجهة الإشكالات التي يثيرها ذلك الإنجاز، أو وقت الحاجة لحسم الخلاف التعليمي وغيرها من القضايا التي من شأنها تلبية الحاجات المعرفية للمتعلمين. وثانيهما: ضبط مناهج الأداء البيداغوجي والديداكتيكي بشكل يغني التلاميذ عن الشعور بأي فراغ أو ملل أو رتابة أو ثقل…

ويجدر التنبيه هنا إلى أن هذه المسألة تبقى نسبية وتتفاوت حظوظ رجال التعليم منها. ولا يضير هذا التفاوت بقدر ما يؤثر نقص وتدني مستوى الأداء والعطاء حتى يصبح باديا لأكثر التلاميذ تأخرا دراسيا، ويتفاقم بردود أفعال شاذة أو عنيفة، غير متوقعة من لدن المتعلمين.

ب – المسؤولية: تتحدد من خلال:

الضبط: نقصد به هنا الدقة في الأداء ووضوح بصمة الإتقان في تدبير العملية التعليمية التعلمية. وهذه السمة أيضا مما تحرص عليه عيون المتعلمين وتزيد من احترامهم للمدرس، والعكس صحيح. فهي مدخل أساسي للتقليل من احتمالات تشنج العلاقات بين الطرفين.

الانضباط: نقصد به التقيد الحرفي بما يتم الالتزام به أمام التلاميذ وبما يقتضيه الواجب المهني من جدية في إنجاز الدروس، والحضور في الوقت، وتفادي التأخرات والغيابات، وعدم إخلاف الوعد مع المتعلمين…

إن انضباط المدرس سبيل أمثل لانضباط المتعلمين، وبالتالي صفاء العلاقة بين الطرفين.

ج – تقدير المتعلمين: هذه الخصلة ضرورية لكسب ود المتعلمين وإشاعة روح التنافس الخلاق بينهم. وتتجلى في احترام الجميع وعدم الإساءة إليهم، فرديا أو جماعيا، لفظيا أو بدنيا، وفتح فرص التعبير عن الرأي أمامهم، والإشادة بالمتفوقين منهم، وتشجيع المتأخرين، والرفق بالمرضى وذوي الأعذار وتفقد أحوالهم، وعدم التمييز بينهم على أي أساس كان (عرقي، أو جنسي، أو إيديولوجي…).

إن هذه المبادئ والخصال كفيلة بتذويب الاحتقان الذي يميز بعض العلاقات التربوية في العديد من مؤسساتنا التعليمية.

د – المرونة والإنسانية: ينضاف لكل ما سبق عامل التفهم لدى المدرس الذي لا ينبغي أن ينمط علاقته بالمتعلمين بحيث تصير حديدية لا رحمة فيها. فواجبه التربوي يفرض عليه التماس الأعذار ما أمكن لمن حوله من المتعلمين، والحرص على مصلحتهم، وعدم تصيد أخطائهم إلا إذا بدى أنها صادرة عن سوء نية وسبق إصرار.

إن لغة الحقوق والواجبات قاعدة أساسية بين المدرس والمتعلم، لكن التحجر معها دون استحضار العوامل النفسية ومؤثرات المحيط الخارجي المتحكمة في سلوك المتعلم من شأنه أن يدخل المدرس في دوامة من التجاذب لا تنتهي مع كم هائل ممن يشرف على تعليمهم.

فإذا توافرت هذه الشروط مجتمعة في المدرس، فإن تحجيم نسبة الاصطدام مع المتعلمين ستتقلص إلى أدنى مستوياتها. وإذا كان تحصيلها بهذه الصورة يبدو مثاليا، فهو غير متعذر، وبإمكان أكبر نسبة من رجال التعليم التحلي به شريطة حضور العزم والإرادة، ويقظة الضمير، واستحضار الرقابة الإلهية والمصلحة العليا للوطن.

 2 – عوامل مرتبطة بالمتعلم:

تتعدد أيضا العوامل المتحكمة في طبيعة العلاقة بين طرفي العملية التعليمية التعلمية من جانب المتعلم، ويمكن إجمالها في العناصر الآتية:

أ – الجدية: هذا المؤشر يختلف من تلميذ لآخر حسب ذكائه وإقباله وحبه للمادة وللمدرس، وكذلك حسب الظروف الاجتماعية والمادية؛ غير أن تدني هذا المتغير إلى مستوى الإخلال العمد بكل الواجبات بشكل متواصل أو متكرر، قد يعكر صفو علاقة المدرس المجد بالمتعلم المتمادي في الاستهتار. وتشمل هذه الجدية عدة واجبات يطلب للمتعلم الالتزام بها، نذكر منها:

“- الاجتهاد والتحصيل وأداء الواجبات الدراسية على أحسن وجه؛

– اجتياز الامتحانات والاختبارات وفروض المراقبة المستمرة بانضباط وجدية ونزاهة اعتمادا على التنافس الشريف؛ (…)

– إحضار جميع الكتب والأدوات واللوازم المدرسية التي تتطلبها الدروس بدون استثناء أو تمييز؛ (…)

– العمل على ترسيخ روح التعاون البناء وإبعاد كل ما يعرقل صفو الدراسة وسيرها الطبيعي؛ (…)”[2].

كما تظهر هذه الجدية من خلال تحضير الأعمال المنزلية، والمشاركة الصفية داخل الفصل، والانتباه أثناء الشرح، وتجنب السلوكات المريبة وغيرها.

ب – الانضباط: من واجب المتعلم أن يتحلى بروح الانضباط عبر الحضور في الوقت وعدم عرقلة سير الحصص الدراسية بالتصرفات الهامشية والسلوكات المنافية لمقتضيات التربية والتعليم. إن النزاعات التي تطفو على السطح بين المدرس والمتعلم غالبا ما تكون ناجمة عن مثل هذه التصرفات التي تفتقد إلى الحد الأدنى من الانضباط.

وهنا وجب التنبيه إلى أن الانضباط لا يتعارض مع التعبير عن المواقف المسؤولة والتمتع بكافة الحقوق التي تضمنها التشريعات المدرسية، مثل: “- الحق في التعلم واكتساب القيم والمعارف والمهارات التي تؤهله للاندماج في الحياة العملية…؛

– تمكينه من إبراز التميز بحسب مؤهلاته وقدراته واجتهاداته؛

– تمتيعه بالحقوق المصرح بها للطفل والمرأة والإنسان بوجه عام…؛

– تمتيعه بالمساواة وتكافؤ الفرص ذكرا كان أو أنثى طبقا لما يكفله دستور المملكة؛

– الاهتمام بمصالحه ومعالجة قضاياه التربوية…؛ (…)

– حمايته من كل أشكال الامتهان والمعاملة السيئة والعنف المادي والمعنوي.”[3].

وفي نفس الآن وجب عليه الالتزام بمجموعة من الواجبات، من بينها:

“- العناية بالتجهيزات والمعدات والمراجع والكتب والمحافظة على كل ممتلكات المؤسسة؛ (…)

– الابتعاد عن كل مظاهر العنف أو الفوضى المخلة بالنظام الداخلي العام للمؤسسة؛

– معالجة القضايا المطروحة بالاحتكام إلى مبدأ الحوار البناء والتسامح، وقبول الاختلاف، وتبني الممارسة الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان وتدعيم كرامته؛ (…)

– إيلاء عناية خاصة للهندام داخل المؤسسة التعليمية…”[4].

إن واجب الانضباط يحول دون إخلال المتعلم بالتزاماته تجاه أصدقائه وأستاذه، ويمثل جسرا لبناء الثقة داخل الفصل الدراسي.

ج – الاحترام: إن المهمة التربوية للمدرس تتطلب قدرا كبيرا من الاحترام من لدن من يعلمهم، احترام يفرضه شعور كل ذي حاجة تجاه من يسدي إليه معروفا[5]، كما تقتضيه الظروف الموضوعية لإنجاح المهمة التعليمية للمدرس. وقد يبدو أن حدود مبدأ الاحترام هذا تتداخل مع حرية تصرف المتعلم. فمتى يعتبر سلوكا صدر عن المتعلم مخلا بواجب الاحترام نحو المدرس؟

إن احترام المدرس لا يتعارض، كما سلفت الإشارة، مع حق إبداء الرأي وضمان حرية المتعلم كاملة في التمتع بحقوقه المشروعة؛ إلا أن جنوح تلك الممارسة نحو الإساءة المادية أو المعنوية للمدرس يكون إيذانا بخرق فعلي لميثاق الاحترام هذا.

ويمكن التمييز في ردود الأفعال المنافية للاحترام حسب أسبابها بين أسباب منطقية دفعت التلميذ دفعا إلى ارتكاب مخالفة عدم الاحترام، وأسباب جنحية ناتجة عن انحراف شخصية المتعلم وتقديره غير السليم للأمور. كما أن هذه الأسباب نفسها قد تكون آنية وليدة اللحظة التي وقعت فيها، أو تراكمية ناتجة عن أفعال متكررة أفضت إلى نفاذ صبر المتعلم. ويمكن التمييز بينها أيضا من حيث مستواها بين ردود أفعال بسيطة وأخرى عنيفة وخطيرة، وحسب مداها بين تلك الاستثنائية المتوقفة على لحظة حدوثها، وبين المستعصية الممتدة زمنيا والمتكررة باستمرار…

نخلص إلى أن مسألة الاحترام ضرورية، وحتى إن اقتضى سلوك المدرس غير ذلك، فإن مواجهته ينبغي أن تتم بالوسائل القانونية إلى حين إنصاف المتعلم.

وعموما، يعد المتعلم شريكا في إنجاح أو إفشال العلاقة فيما بينه وبين المدرس، وله نصيب من المسؤولية في تفادي كل العوائق التي تعترضها، كما يمكنه أن يسهم سلبا في انحطاطها إلى أسفل الدركات.

3 – عوامل مرتبطة بالمحيط العام:

لا يمكن حصر مؤثرات العلاقة التربوية داخل الفصل الدراسي فيما يرتبط بالمدرس والمتعلم فحسب، لأن هذين العنصرين يتأثران بعوامل خارجية كثيرة تتداخل فيها أدوار كل من الأسر والمجتمع وهيأة الإدارة والتأطير التربوي، وغيرها من الأطراف؛ إلا أن تأثيرها يكون في الغالب غير مباشر، ولا يعرف ملابساته سوى الشخص المعني الذي بدوره يمكن أن يقع تحت تأثير لاشعوري لأشياء عديدة دون أن يدرك تماما ذلك.

ومن بين المؤثرات الحاسمة في تحديد طبيعة علاقة المدرس بالمتعلم، نجد ما يلي:

أ – المادة التعليمية: تختلف المقررات الدراسية بين مواد ذات طابع مهني، وأخرى ذات بعد تعليمي ترفيهي مثل الرياضة والتربية التشكيلية، وثالثة ذات طابع علمي أو أدبي…إلخ.

ولأن التخصصات والشعب لا تلغي التقاطع بين هذه المكونات، فإنه من الطبيعي أن نجد عددا مهما من المتعلمين لا يتفاعلون إيجابا مع بعض المواد التي لا يميلون إليها. وقد ينطبق هذا على التلاميذ العلميين مع المواد الأدبية، والتلاميذ الأدبيين مع المواد العلمية. إلا أن هذا المعطى لا يشكل قاعدة. ويولد الاختلاف في الميولات والذكاء ومستويات التفاعل مع المواد الدراسية أحكاما جاهزة لدى بعض التلاميذ حيال مواد معينة، ويجعل كل جهود أساتذتهم للنهوض بهم في تلك المواد تبوء بالفشل، وهذا ما قد يفتح الباب على مصراعيه أحيانا لشد الحبل بين هؤلاء وأولئك.

ب – الوسط الأسري: لا شك أن الاستقرار العائلي لكل من المدرس والمتعلم يساهم بشكل فعال في استقرارهما النفسي وارتفاع مردوديتهما. في حين أن المشاكل والتصدعات العائلية لأحد الطرفين تحطم معنوياته وتجعل منه في الكثير من الأحيان فتيلا قابلا للاشتعال في أية لحظة ولأتفه الأسباب.

وتكمن خطورة هذا العامل في كونه في الغالب الأعم غير معلوم لدى الطرف الآخر. فلا المدرس يمكنه التنبؤ بالظروف العائلية لكل متعلم ومتعلمة على حدة، ولا هؤلاء قادرين على معرفة المعطيات الكافية حول مدرسيهم، وإن كان سن القصور لدى شطر كبير من المتعلمين يجعلهم لا يكترثون حتى في حالة علمهم بوضعية صعبة لمدرس معين، إن لم يكن ذلك دافعا لمزيد من الاستفزاز. ومن تم؛ فإن مسؤولية المدرس في هذا الباب كبيرة من حيث التوقع والأخذ بعين الاعتبار كل الاحتمالات، واستفسار التلميذ نفسه محل الشك، أو استطلاع المعطيات المتوفرة حوله لدى باقي زملائه أو إدارة المؤسسة.

ج – الظروف المادية: إن عددا غير قليل من التلاميذ ينحدرون من أوساط فقيرة، منها ما يفتقد لأبسط شروط العيش. كما تنزلق الأوضاع المادية لعدد من رجال التعليم إلى وضع حرج. وفي هذه الحالة، فإن ما قلناه سابقا عن انعكاسات الوسط الأسري المضطرب على العلاقة بين طرفي العملية التعليمية التعلمية ينطبق على آثار الظروف المادية المزرية لأحد الجانبين، ويجعل تلك العلاقة على شفا جرف وشيك الانهيار.

ولقد أثبتت بعض الدراسات الميدانية “أهمية العلاقة بين الظروف الاجتماعية والاقتصادية للطالب وتحصيله الدراسي حيث أن مستوى تحصيل الطلاب الذين ينتمون إلى الطبقة المتوسطة يزيد على مستوى تحصيل طلاب الطبقة دون المتوسطة والفقيرة؛ وسبب ذلك يعود أساسا إلى الدافع. فالدافع إلى التعليم والاستزادة منه يزيد كلما ارتقينا في مستوى السلم الاجتماعي والاقتصادي للطالب…”[6].

وفي هذا الصدد، يمكن لمبادرات توسيع الاستفادة من المنح الدراسية والداخليات، لاسيما بالنسبة للأطفال المنحدرين من الأوساط القروية الفقيرة، وكذا توزيع الأدوات المدرسية في المواسم الأخيرة على عدد مهم من شريحة المتعلمين، وإطلاق بعض برامج المساعدة (مليون محفظة / برنامج “تيسير”…)، كل ذلك من شأنه أن يخفف من معاناتهم خاصة إذا رافقها تشجيع ومصاحبة نفسية من لدن المدرسين.

أما المدرس وبحكم وضعه الاعتباري، ورشده ومرجعيته، فالأولى به أن ينأى بنفسه، إلى أقصى حد ممكن، من أن يفرغ شحنات ما قد تعترضه من عوارض مادية على شريحة تعد بمثابة أمانة في ذمته، مسؤول على حسن رعايتها وحمايتها، فبالأحرى إيذائها.

د – الإعلام: لا يختلف اثنان على أن الإعلام اليوم أصبح أكثر تغلغلا وتأثيرا في حياة الأفراد والشعوب، وبشكل لم يسبق له مثيل على مستوى الكم والنوع، وبالأخص القنوات التلفزيونية وشبكة الإنترنت والوسائل والمعلومات الرقمية المتاحة، فضلا عن مواقع التواصل الاجتماعي المتعددة.

كل هذا يجعل مساحة تأثر المتعلم بالإعلام أوسع من غيره، ولأن عددا مهما من التلاميذ يجعلون من المواضيع الإعلامية الساقطة وثقافة الرذيلة والانحراف المادة الاستهلاكية الرئيسية لديهم، فإن ذلك ينعكس بشكل كبير على شخصياتهم، ويجسدون ما تحصل لديهم في تصرفات وسلوكات طائشة تؤثث الفصول الدراسية من حين لآخر، ومن بينها ظاهرة العنف.

ولا يسلم المدرس بدوره من تلاطم أمواج وسائل الإعلام العاتية، إلا أن تجليات هذا التأثير تكون أبلغ وأكثر حدة لدى المتعلمين باعتبار سنهم ووضعهم في مرحلة النمو العقلي وتشكل الشخصية.

وهنا لا بد من استحضار أهمية التوجيه السليم سواء داخل المؤسسة، وبخاصة من قبل الأسرة، والذي يمكنه أن يحول زخم المادة الإعلامية إلى أداة لمراكمة المعارف وانتقاء النافع منها، والاستفادة من المادة الجيدة، وتجنب المواد الإعلامية الموبوءة.

لا يمكن الاقتصار على ما ذكر من عوامل، بل هناك العديد من المؤثرات الأخرى التي لها صلة بأحد طرفي العملية التعليمية التعلمية، وتؤثر بالتالي على سلوكه تجاه الآخر، منها مضاعفات الحالة الصحية خاصة الأمراض المزمنة، وأهمية الوسط الاجتماعي، وانعكاسات فضاء المؤسسة، ودور الإدارة التربوية والفاعلين التربويين، وامتدادات الشركاء الاقتصاديين والاجتماعيين وغيرهم. فلكل من هذه الأوساط وأولئك الفاعلين سهم معين في صياغة طبيعة العلاقة داخل الفصل الدراسي بين المدرس والمتعلم، ولا يمكن تجاهل تأثيرها حتى وإن كان غير مباشر.

المبحث الثالث: ظاهرة العنف بين المدرس والمتعلم

1 – ماهية العنف:

يتجلى العنف في كل الممارسات العدوانية الصادرة عن الطرف الأول (المدرس أو المتعلم)، وذات طبيعة مادية أو لفظية أو إيمائية، تنتهي بإلحاق الضرر المادي أو المعنوي بالطرف الثاني.

إن ظاهرة العنف بهذا التفسير، يتعسر مراقبتها والإحاطة بها، ويبقى مستوى الإيذاء البدني هو الأبرز من بين باقي الممارسات العنيفة، والأكثر إثارة للانتباه بوصفه سلوكا ماديا ملموسا وآثاره تظهر للعيان على الفور.

إن مفهوم العنف أوسع مما نتصور وأكبر من أن نحصره في الضرر البدني (ضرب، جرح، إكراه على عمل فوق الطاقة…)، إذ تتعدد مظاهره لتشمل بالإضافة لما سبق كل أشكال السخرية والتجريح والضرب والسب والحدة وغيرها من السلوكات المنافية لمبادئ الاحترام والتفاهم والحوار…

ونخلص إلى أن التصرف العنيف يشمل جانبين لا يقل أحدهما أهمية عن الآخر، هما: الجانب الجسمي والجانب النفسي، ويتم بواسطة اليد أو اللسان أو الحركات… فما هي إذن العوامل التي تفرز التصرف العنيف؟

2 – العوامل التي تقف وراء ظاهرة العنف:

تختلف هذه العوامل باختلاف الممارسات العنيفة وتتعدد تبعا لذلك. ولكي يسهل علينا فهم دوافع السلوك العنيف، يمكن تصنيفها كالآتي:

 أ – عوامل ذاتية: يرتبط هذا الصنف من الدوافع بشخصية المدرس والمتعلم وتركيب كل منهما النفسي، حيث تتباين بشكل كبير خصائص وطبائع الأفراد، بين من يميل إلى المرح، ومن يغلب عليه التجهم، وبين الشخصية المرنة والشخصية ذات الطابع الحاد، وهناك الشخص المتفهم إلى جانب المتشدد، إلى غيرها من المميزات التي تلعب دورا كبيرا في تحديد طبيعة ونوعية التواصل بين الناس عموما، وهو ما ينطبق على علاقة المدرس بالمتعلمين داخل الفصول الدراسية. فالتفاعل بين نوعية شخصيتي الطرفين هو الذي يرسم حدود ومستويات السلوكات العنيفة. ومن تم تختلف أنصبة المتعلمين فيما بينهم والمدرسين كذلك من حيث الممارسات المندرجة في خانة العنف، وكثيرا ما نجد المدرس الذي يصطدم مع معظم تلامذته، والمتعلم الذي يصطدم مع معظم مدرسيه.

وبالإضافة لما سبق، يمكن للمدرس أو المتعلم أن يتحول إلى شخص عدواني نتيجة انحراف شخصيته خاصة لمن يتعاطى المسكرات والمخدرات، فيصبح فاقدا لميزان التصويب والتمييز في تصرفاته.

ب – عوامل موضوعية: لا يمكن حصر دوافع السلوك العنيف في مميزات شخصية المدرس أو المتعلم فحسب، بل إن كل طرف منهما يقع تحت تأثير عدة عوامل أخرى، بعضها يكون وليد البيئة الأسرية والاجتماعية التي يعيشون في ظلها أو مرتبط بالأوضاع المادية المزرية لهما.

إن كثيرا من الممارسات العنيفة تدخل في لاشعور الممارس لها، كأن يكون المدرس نفسه قد تعرض لنفس الأفعال في مشواره الدراسي، أو عانى منها داخل أسرته في مرحلة طفولته. كما يمكن أن تكون لدى المتعلم وليدة الضغط القوي الذي يمارس عليه في أسرته. فهي في النهاية تمثل لسلوكات قديمة تقمصها من سبق له المعاناة منها – كأنه هنا يقوم بعملية قصاص -. وقد تكون تمثلا لاشعوريا أيضا للعنف السائد في الحي وفي العلاقات الأسرية، أو المميز للمشاهد التلفزيونية؛ حيث تجعل بعض القنوات التلفزية من أفلام الرعب والعنف مادتها الرئيسية، وتلقى إقبالا كبيرا من الشباب والمراهقين والأطفال، ويجنح الكثير منهم إلى محاكاة تلك المشاهد داخل الأقسام.

هذه العوامل الموضوعية قد تتجلى أيضا في مشاكل وصعوبات يعيشها الشخص الممارس للعنف في أسرته، أو يعاني منها في حياته، كالمشاكل بين والدي المتعلم، والمشاكل مع الزوج أو الزوجة فيما يخص المدرسين، أو ربما المشاكل المادية مع المؤسسات القروض المالية بالنسبة للمدرس، والفقر والعوز بالنسبة للمتعلم…

كما يمكن أن تكون صعوبة المادة التعليمية أو ضعف تفاعل المتلقي معها مصدرا لكثير من صور العنف المدرسي. وكذلك الصحبة السيئة، فصداقة المتعلم المهذب للمنحرف قد تجر الأول إلى الاقتداء بصديقه والتضامن معه في نهج سبيل العنف. وتبقى اللائحة مفتوحة لكل العوامل التي تؤثر مباشرة على المتعلم والمدرس، عن وعي أو بدونه، وتدفعه لاقتراف إحدى الممارسات العنيفة.

من جهة أخرى، يمكن التمييز في السلوكات العنيفة بين مستويين مختلفين:

– الأفعال العنيفة: يتم ارتكابها تحت تأثير أحد الأسباب المذكورة سابقا.

– ردود الأفعال العنيفة: وهي المتولدة عن السلوك العنيف نفسه. فالعنف يولد العنف المضاد، والشخص المعرض للعنف، سواء كان مدرسا أم متعلما، قد يقوم بدوره برد فعل عنيف. فالعنف إذن يمكن اعتباره سببا مباشرا للعنف.

3 – الآثار المترتبة عن ظاهرة العنف:

إن عواقب العنف متعددة، كما أن الآثار التي تترتب عن السلوك العنيف ليست متجانسة، وتشمل:

أ – آثار بدنية: يتسبب العنف البدني خاصة في إلحاق الضرر بجسم الطرف المعتدى عليه. وتتباين حدة هذا الضرر حسب الحالات ما بين الآثار البسيطة والتي تنقضي معالمها وآلامها بسرعة، وبين الأضرار الجسيمة التي يمكن أن تتسبب في عاهات مستديمة، تترك بصماتها موشومة على جسد المعتدى عليه، ولا قدر الله قد تصل في بعض الأحيان إلى الاعتداءات المميتة.

وفي غالب هذه الحالات يحال الطرف الجاني على العدالة ويتعرض لعقوبات حبسية تترتب عليها مضاعفات أخرى، إن على المدرس أو المتعلم؛ كل ذلك بفعل التهور في الإقدام على العنف، إن لم يكن إدمانا عليه.

يتضح مما سبق أن هذه العواقب ذات أبعاد خطيرة، لا تقتصر على الشخص المعنف أو المرتكب للعنف فحسب، بل تتجاوز ذلك إلى أسرهما، وطبعا تنعكس على المجتمع برمته.

ب – آثار نفسية: لا يقل العنف المعنوي خطرا عن سابقه، فآثاره أيضا تكون بليغة على نفسية الواقع تحت طائلته. فالبناء السليم لشخصية الإنسان عامة، والطفل بشكل خاص، يحتاج إلى معاملة سوية. أما إذا تعرض للقمع والإكراه والإهانة والضغوط النفسية، وهي ممارسات تستهدف كرامته، فإن ذلك سينعكس سلبا على سلوكه وتوازن شخصيته، وقد يتسبب له في أمراض نفسية كالاكتئاب والوسواس القهري، وقد يشعره بالضعف إزاء الآخر طوال حياته، ويصاب بالعجز عن الاندماج في وسطه التعليمي أو الاجتماعي بشكل عام.

ما قلناه هنا ينطبق على المدرس والمتعلم، فكلاهما قد يقع تحت التأثير النفسي للآخر.

يتضح أن هذه الآثار النفسية غير قابلة للقياس، ولا يتوقف مفعولها على وقت صدورها، بل تتفاقم مع مرور الزمن، وقد لا تظهر حقيقة عواقبها إلا بعد مدة يسيرة.

وبشكل حتمي، فإن خضوع المدرس لتأثير العنف المعنوي قد يؤدي إلى انهيار مستوى إنجازه التربوي التعليمي، كما أن ذلك يؤثر على العطاء الدراسي للمتعلم، ويقتل فيه روح المبادرة والإبداع والاجتهاد.

ج – آثار بعيدة المدى: لا تتوقف آثار العنف بين المدرس والمتعلم على البعدين البدني والنفسي، بل تتعداها إلى المجتمع بأسره الذي ليس سوى مجموعة من المتعلمين السابقين، فضلا عن البعد الاقتصادي وحتى الحضاري لهذه الظاهرة.

على المستوى الاجتماعي، يمكن للعنف أن يصبح مدرسة لتخريج الجناة والمنحرفين الذين يتخذون منه نمطا لسلوك دائم تتطاير شراراته في المدارس والأسر والأحياء والملاعب الرياضية وغيرها، وتؤدي في النهاية إلى كثرة الجرائم واكتظاظ السجون. كما يمكن للعنف أن يكون مصدر اضطرابات نفسية مآلها مستشفيات المجانين والأمراض العقلية.

وعلى المستوى الاقتصادي، وارتباطا بالعامل السابق، فالعنصر العنيف والمتضرر من العنف قد تتعرض مردوديته للشلل، ويعجز بالتالي عن الإسهام في تفعيل دواليب الاقتصاد الوطني، بل يصير عالة على غيره، وعبئا على المجتمع. وكلما ارتفعت نسبة هذه الفئة، تزداد خطورة انعكاسها على الإنتاج الاقتصادي.

ويمكن للعنف أن يكتسي بعدا أكبر بشموله للجانب الحضاري وانعكاسه على مستوى تقبل الآخر والقدرة على التعايش والحوار والقبول بالاختلاف. وهذا البعد أيضا قد تكون له مضاعفات أشد خطورة.

 4 – سبل الحد من ظاهرة العنف:

ليس هناك حلا سحريا لظاهرة العنف المتجذرة في عدة مؤسسات ومناطق، والتي ترتبط بالواقع المعيش وتمثل انعكاسا طبيعيا لما يعج به من اختلالات على عدة مستويات؛ ويعد الانحدار في القيم والأخلاق أحد أخطر مظاهرها؛ ويبقى التخلص منها رهين بتنقية وسطنا المدرسي والمجتمعي من مسبباتها.

وكل ذلك، لا يسوغ الاستقالة من ساحة الفعل والاستسلام للأمر الواقع؛ بقدر ما يستوجب المساهمة في استفراغ الوسع للتخفيف من ظاهرة العنف المدرسي إن عزت إمكانية القضاء التام عليها.

وهنا وجب تضافر جهود كل المعنيين، وعلى رأسهم المدرس والمتعلم ثم إدارة المؤسسة التعليمية، والأسر عبر جمعيات آباء وأولياء التلاميذ، والمجتمع المدني، كل من موقعه لنبذ السلوكات العنيفة والقضاء على مصادرها والتعجيل بالتصدي لأي مظهر، ولو كان بسيطا منها، حتى لا تستفحل ويستعصي داؤها على العلاج.

إن التشريعات المدرسية تكفل لكل من المدرس والمتعلم حقوقا وواجبات إذا تم التقيد بها، فإن نسبة التصرفات العنيفة ستقل، غير أن مدى وعي هذين الطرفين بهذه الحقوق والواجبات أولا، ومستوى استعداد كل منهما للامتثال إليها ثانيا، ودرجة استبعاد المؤثرات الخارجية ثالثا، يجعل أمر التصدي للعنف أكثر تعقيدا، وأحوج إلى مثابرة جبارة ومستديمة قصد استئصال هذه النبتة السامة من مؤسساتنا التعليمية. وفي هذا السبيل يمكن الاستعانة ببعض الوسائل الناجعة، مثل:

– تكثيف التعبئة داخل المؤسسات التعليمية لتعريف المتعلمين بحقوقهم والطرق المشروعة للدفاع عنها، والتزاماتهم، والعواقب الوخيمة المترتبة عن خرقها.

– تجسيد رجال ونساء التعليم للقدوة من أنفسهم. فإذا كانوا يدعون من في “كفالتهم” من متعلمين إلى تجنب السلوك العنيف، فالأولى بهم الانطلاق من أنفسهم وإشعار الآخرين بمسؤوليتهم.

– تفعيل مجالس الأقسام في معالجة الحالات الشاذة في المراحل الأولى لتسجيلها وقبل أن تتطور إلى سلوكات غير مرغوب فيها تتطلب تدخلا لإخماد نيرانها، عن طريق دورية قارة لمتابعة أحوال الأقسام الدراسية المشتركة، فلا يعقل ألا تنعقد هذه المجالس إلا بوصفها “مجالس تأديبية”، لأن معالجة الظاهرة في مهدها وقبل فوات الأوان أفضل بكثير من عقد المجالس الطارئة للنظر في تداعياتها.

– رفع مستوى اليقظة والحذر في صفوف الإدارة التربوية لمراقبة ومواكبة سلوك التلاميذ والإنصات إليهم؛ لأن العنف داخل الفصول الدراسية يفد إليها من الخارج، من فضاء المؤسسة، بل أبعد منه.

– التواصل مع أولياء أمور التلاميذ لا ينبغي أن يكون بدوره في وقت الأزمات فقط، بإشعارهم بالسلوك المشين لأبنائهم، ولكن يجب إخبارهم بأدنى تغير سلبي في سلوك الأبناء، وإشراكهم الفعلي في اقتراح الحلول والسهر على تنفيذها، ومراقبة وتقويم تلك السلوكات.

– تأسيس نوادي وجمعيات تنصب جهودها على ترسيخ معاني الود والاحترام ونبذ العنف داخل المؤسسات التعليمية.

هذا غيض من فيض، فليست هذه الاقتراحات منتهى ما يمكن الوصول إليه، وإنما هي مجرد مساهمة متواضعة دافعها الغيرة في البحث عن حلول واقعية لظاهرة لا يعقل أن تقف عائقا في بروز الوجه المشرق للعلاقات التربوية.

خلاصة وتوصيات:

من الناحية الواقعية، لا يمكن تخيل وسط تعليمي خال من المشاكل وعلاقات تعليمية سليمة بشكل كلي وأبدي. فهذا من المحال، لكن القبول بالوضع الراهن يعد بمثابة إهمال لواحدة من أشد الأخطار التي تهدد التعليم ببلادنا.

فالمطلوب إذن، حصر ظاهرة الاصطدام بين المدرس والمتعلم لتصبح حالة استثنائية نادرة، لا أن تظل في تصاعد مستمر، مشكِّلة بذلك وضعية مقلقة لا تتناسب ومؤشرات الجودة المأمولة.

وبدون شك، فالمسؤولية هنا ملقاة على عاتق مختلف المتدخلين في الحياة المدرسية، كل من جانبه. السلطة الحكومية المكلفة بالتعليم، والمدرس، والمتعلم، ثم هيأة الإدارة و المراقبة التربوية، وآباء و أولياء التلاميذ، والمجتمع المدني….

هذه المسؤولية الجماعية لا تغني عن أسبقية مسؤولية الطرفين الرئيسيين، وهما المدرس والمتعلم.

إن الحلول المقترحة لا يمكن أن تبتعد عن نوعية الخلل. فحيثما أشرنا إلى سبب من أسباب اختلال العلاقة بين المدرس والمتعلم؛ فإن العلاج يكمن في تفادي تلك الأسباب، إلا أنه لا بد من الإشارة إلى عدة قضايا في هذا الباب، منها:

– عدم استغلال المكانة الاعتبارية للمدرس في فرض سلطة تضيق بها أنفاس المتعلمين وترغمهم على السكوت والاستسلام.

– تجنب الوصاية التامة بتتبع كافة حركات وسكنات التلاميذ، والاستعاضة عنها بأسلوب وسط خال من الإفراط أو التفريط.

– فتح المدرس المجال لتفتق مهارات المتعلمين وفق المقرر الدراسي وحسب المتاح من الوقت.

– تجنب المدرس استعمال وسائل الإكراه المادية والمعنوية ما لم يصدر من التلميذ سلوك مشين، فيحتكم عندئذ إلى التشريعات الجارية.

– القبول بالتعدد والاختلاف واحترام آراء الغير، وتربية المتعلمين على ذلك “بغرس المواقف والسلوكيات التي تسمح للناس بالمشاركة في حياة مجتمعاتها المحلية والوطنية بطريقة بناءة يحترمون بها أنفسهم والآخرين”[7].

– استثمار الاختيار التربوي لبيداغوجيا الكفايات القائم على التعلم الذاتي في الارتقاء بالمهارات المعرفية والمنهجية للمتعلم وحفزه على إعداد مشروعه الشخصي[8]، واتخاذ مواقف إيجابية من القضايا التي تواجهه في الحياة العامة.

– تفعيل مبدأ التعاقد البيداغوجي القائم على حقوق والتزامات كل من المدرس والمتعلم، منذ مطلع الموسم الدراسي، وإذا دعت الضرورة يمكن تطعيمه بعد ذلك، ويتم الاحتكام إليه على مدار السنة[9].

– مراعاة ما أمكن نفسية المتعلمين، واستحضار تباين حظوظهم من التربية وتنوع ظروفهم الأسرية والمادية، والتماس الأعذار لهم والصفح عن المخطئين قدر الإمكان.

– ومن جانب آخر لا ينبغي التساهل في التجاوزات الخطيرة التي تضر بكرامة رجل التعليم، لأن حوادث الاعتداء على المدرسين، سواء داخل المؤسسات التعليمية أو خارجها، ما تزال في تصاعد مستمر؛ ومن شأن أي تساهل معها أن يفتح المجال للمزيد منها، فضلا عن انعكاساتها السلبية على سلوك وأداء الضحية.

– اعتماد “…البحث الأكاديمي والميداني لتحليل الظواهر التربوية والبيداغوجية…”[10]، حيث يمكن استثمار البحوث التربوية في تلمس الحلول لشتى قضايا التربية والتكوين.

– قبل هذا وذاك لا بد من إعمال الضمير واستحضار رقابة الله عز وجل على أعمالنا؛ لأن المدرس بالمفهوم الشرعي راع وهو مسؤول عن رعيته، وهو من الناحية القانونية موظف يتقاضى مرتبا مقابل أتعابه، فوجب أن يؤدي وظيفته على أحسن وجه، وبمنتهى التفاني والإخلاص ليكون كسبه حلالا، وإذا أخل بواجبه، فإنه بذلك يغمط الناس حقوقهم ويخوض في أكل السحت؛ فعليه إذن، أن يتفادى الممارسات اللامسؤولة، ويتنزه عن مواطن الاتهام، وكل ما يسيء إلى المهنة وإلى الشرفاء من رجالها ونسائها.

وإذا كنا من خلال هذه الاقتراحات قد ألقينا بثقل المسؤولية على كاهل المدرس، باعتبار أغلبها يتمحور حول شخصه، فلكونه فعلا محور العملية التعليمية التعلمية، ويمثل النموذج الراشد في طرفيها. فلا ضير إذن أن يتحمل القسم الأكبر من ذلك الحمل.

وتبقى هذه الاقتراحات، المستندة إلى التجربة والواقع، على سبيل الاستئناس لا الحصر. كما أن التغيير الحقيقي لهذه الوضعية المختلة يقتضي إصلاحات أعمق لا يتوقف مداها على التعليم الذي يتأثر بشكل مباشر بالإعلام وغيره من المجالات الأخرى التي ينبغي أن تنسجم مع ما نرومه من أهداف في حقل التربية والتعليم.

خاتمة:

في الختام، تبعث مظاهر الاختلال التي تعتري التعليم ببلادنا على الحسرة، كما أن الانخراط في النهوض به يعد مسؤولية جماعية تتقاسمها الدولة والمجتمع قاطبة والمواطنين فردا فردا، مما يقتضي مساهمة كل من جانبه في القيام بواجبه تجاه هذا الميدان الحساس الذي يعتبر مجال تنافس شرس بين الشعوب والدول، وسلما مهما لنهوضها الحضاري والتنموي، وأحد سبل إكسابها القوة والمنعة بين الأمم. وهذه الأهداف الكبرى لا يمكن تحقيقها ما لم تبنى العلاقات الرابطة بين المدرس والمتعلم على أسس متينة قوامها الصفاء والمحبة والتعاون والاحترام المتبادل وخدمة المصلحة العامة، ومن شأن أي خلل أو تقصير في هذه المعاني، أو انقلابها إلى واقع موبوء بالنزاع والاصطدامات أن يفشل أنجع البرامج وأرقى الإصلاحات. فهذه العلاقات فعلا تشكل نقطة انطلاق مهمة وتستحق دعم الجميع.

كما أن العنف لا يشرف أي منتسب لمهنة التدريس، ولا بد أن تحظى العلاقات التربوية التعليمية، خاصة بين المدرس والمتعلم، بالقدر اللازم من العناية لتوفير مناخ مناسب للاستفادة والتحصيل، وهي أمانة ملقاة على عاتق كل من تربطه صلة بالمؤسسات التعليمية سواء كان مدرسا، أو متعلما، أو من هيأة المراقبة والتأطير أو من أطر الإدارة التربوية، أو من الآباء و أولياء الأمور، وغيرهم من المتدخلين.

بيبليوغرافيا:

  1. – آيت موحى، محمد. العلاقات التربوية: طبيعتها وأبعادها، مجلة دفاتر التربية والتكوين، ع 1، 11-17، (نونبر 2009)
  2. – دادي، عبد العزيز. دور العلاقات التربوية والبيداغوجية في تحقيق جودة الأداء المدرسي، مجلة دفاتر التربية والتكوين، ع 1، 18-29، (نونبر 2009)
  3. – دليل التواصل البيداغوجي وتقنيات التنشيط التربوي منشورات وزارة التربية الوطنية والتعليم العالي وتكوين الأطر والبحث العلمي، (غشت 2009)
  4. – دليل الحياة المدرسية، منشورات وزارة التربية الوطنية والشباب، المغرب، شتنبر 2003
  5. – السكتاوي، محمد. نوادي حقوق الإنسان في المؤسسات التعليمية، المرشد التضامني. (2007 – 2008)
  6. – سلامي، عبد القادر. التحصيل الدراسي في ظل المناحي النفسية، دراسة ميدانية، مجلة علوم التربية، ع 36، 62-81. (فبراير 2008)
  7. – الضاقية، عبد الرحيم. التدريس بالمجزوءات (المرجعيات – العدد البيداغوجية والديداكتيكية)، منشورات الجمعية المغربية لمفتشي التعليم الثانوي، مطبعة المتقي برينتر، المحمدية، الطبعة الأولى، 2003
  8. – الغزالي، أبو حامد محمد إحياء علوم الدين، دار الشعب، القاهرة. (بدون سنة)
  9. – الكتاني، بدر الدين أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن جماعة الشافعي (2005) تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم، تحقيق: عمر علي، عبد السلام، دار الآثار للنشر والتوزيع، القاهرة، الطبعة الأولى.
  10. MADRANE, Mourad (2009), Relation éducatives et pédagogiques au sein de la classe : Importance et conditions d’une exploitation pédagogique optimale, Cahiers de l’éducation et de la formation, N1.

 


[1] دفاتر التربية والتكوين (نونبر 2009)، ع1، ص 13.

[2] دليل الحياة المدرسية (شتنبر 2003)، ص 7.

[3] المرجع نفسه، ص 6 – 7.

[4] دليل الحياة المدرسية، (2003)، ص 7.

[5] نحفظ جميعا قول الشاعر: قم للمعلم وفه التبجيلا ««« كاد المعلم أن يكون رسولا. ولقد كان لعلمائنا الأجلاء في تاريخ المسلمين عناية فائقة بهذا الجانب حتى أفردت له أبواب خاصة في كتبهم. انظر مثلا: كتاب العلم ضمن: إحياء علوم الدين، للغزالي. كما صنفت بشأنه مصنفات كثيرة، مثل: “تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم” للكتاني، و”آداب العالم والمتعلم والمفتي والمستفتي وفضل طلب العلم” للنووي، و”آداب المعلمين” لابن سحنون…

[6] علوم التربية (2008)، ع 36، ص 66.

[7] هكذا تعرف اليونسكو تعليم حقوق الإنسان. انظر: المرشد التضامني (2007 – 2008)، ص 39.

[8] بشأن المشروع الشخصي للتلميذ، انظر: الضاقية (2003)، ص ص 82 – 86.

[9] يمكن الاستئناس ببطاقة تقنية لبناء العقد الديدكتيكي في السنة الأولى من التعليم الابتدائي، انظر: دليل التواصل البيداغوجي وتقنيات التنشيط التربوي (2009)، ص ص 30 – 32.

[10] دفاتر التربية والتكوين (نونبر 2009)، ع 1، ص 26. انظر أيضا: MADRANE, Mourad (2009) , N1, pp 14 – 15.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.