منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

 الأبناك التشاركية بالمغرب. إغراق في الاستهلاك أم دعم للتنمية.؟

0

بسم الله الرحمن الرحيم

انتظر المغاربة طويلا منتجات البنوك الإسلامية التي أريد لها أن تطوف العالم كله شرقا وغربا باسمها وهويتها وتدخل المغرب على استحياء متجردة من اسمها ونسبها.

وبعد انصرام أزيد من سنتين عن بداية التجربة بالمغرب يحق لكل متتبع تناول هذه التجربة الفتية بالدراسة والنقد الذي تتعدد واجهاته وجوانبه.

أتناول في هذه الورقة تقييم الجانب الاجتماعي في عمل البنوك التشاركية من خلال رصد عمل هذه المؤسسات في دعم التنمية الاجتماعية وتمويل المشروعات الصغيرة وتمويل المقاولات وتحسين المستوى المعيشي للفئات الفقيرة ومحدودة الدخل من خلال عنصرين أساسيين:

 1ـ البعد التنموي التضامني في نشأة وتأسيس البنوك الإسلامية.

قد تكون البداية سليمة والانطلاقة موفقة لكن قد يحدث الخلل ويقع الانحراف مع توالي السير وتراكم الإكراهات، ولا بد ونحن نقوم تجربة البنوك التشاركية ببلدنا أن نعود إلى الانطلاقة الأولى لرصد الأهداف الحقيقية التي من أجلها أسست البنوك الإسلامية.

وأنقل هنا كلاما صادقا من رجل صادق كان له حظ ونصيب في بناء وتطوير عمل البنوك الإسلامية، وواكب بخبرته نشأة التجربة بل عاشها وهي كلام يبث في الأثير ومدادا يخط على الورق ونموذجا يقام على الأرض، وكان شاهدا آنذاك على الطموح والأهداف التي لربما قد تنحرف مع حركة الزمن وتحديات الواقع.

يقول الدكتور أحمد النجار(1) مقدما لكتاب الأهرام الاقتصادي: ” نيفا وخمسة وعشرين عاما مضت منذ انشغالي بحركة البنوك والمؤسسات المالية الإسلامية.

وربما يعن لي أن أضيف اليوم بكل الصدق والصراحة أن حماسي ودعوتي لهذا النمط من البنوك لا ينطلق فحسب من شرعية الصلة بينها وبين مبادئ الإسلام وأصوله.

وإنما وبمقدار كبير لكونها أفضل نماذج المؤسسات المالية التي يمكن أن تحقق تنمية مالية شاملة حقيقية في جميع المجالات.

فهي مؤسسة تتوافر فيها بشكل نموذجي كل الاشتراطات التي يتحتم أن تتوافر في مؤسسة تمويلية تتصدى للتنمية وبخاصة في عالمنا الثالث، فهي تضمن التفاعل بين الأمة والغايات المستهدفة من التنمية…

وهي قادرة على أن تقدم أشكالا وصيغا متعددة للتمويل تتناسب مع مختلف الظروف والمواقف. وملتزمة – بحكم المبادئ التي تقوم عليها…-على أن تكون سندا ومظلة وعونا لكل صاحب خبرة قادر على العمل والعطاء…

وارجو ألا أكون مبالغا إن قلت أن هذه المؤسسات باستراتيجياتها المتميزة والمنفردة للتنمية…لو لم يوجه الإسلام إليها لكانت جديرة أن تنسب إلى عظمته وخلوده. ولعل ما تقدمه من علاج للمجتمعات التي تعمل فيها هو رمز لعظمة التعاليم التي تستمدها في عملها من الإسلام. ” 2

أقول: إن المسؤولية الاجتماعية للبنوك الإسلامية لم تكن طارئة فرضها تطور المجتمع، وزيادة حاجاته، وإنما كانت مصاحبة لنشأة هذه البنوك وهدفا من أهدافها الرئيسة حاضرة في عزيمة من كان لهم شرف وضع اللبنات الأولى في هذا الصرح. فرضها واقع استغلال البنوك التقليدية لحاجة الناس في منأى عن القيم الأخلاقية وأهداف التنمية، وأملتها حاجة الناس الملحة للانعتاق من واقع الاستغلال الذي فرض على الأمة لزمن ليس باليسير

وبصرف النظر عن هذا الأمر فإن البنوك الإسلامية وبالنظر إلى مرجعيتها لا يمكن أن تعفى من هذه المسؤولية. لأنها تبرز الوجه الحقيقي للاقتصاد الإسلامي القائم على الاستثمار بذل الاستهلاك، وعلى توظيف النقود عوض المتاجرة فيها. ولذلك فهي مطالبة بأن تكون لها استراتيجية محكمة للمشاركة في تحقيق التنمية والرفاه للمجتمع.

هذا هو المبدأ والأصل الذي لا يسقط  بالتقادم، ولا يخلق على كثرة الرد، ولا مسوغ للعدول عنه تحت أي ذريعة كانت.

لكن للأسف نجد بعض البنوك الإسلامية تتملص من مسؤوليتها الاجتماعية رغم أن نصوص القانون المنظم لها يؤكد على مسؤوليتها في هذا الباب، والطامة الكبرى أنك قد تجد بعض القوانين المنظمة لعمل البنوك الإسلامية تجاهلت تماما المسؤولية الاجتماعية للبنوك .. فما موقع تجربة البنوك التشاركية المغربية من ذلك؟

2ـ البعد الاجتماعي في القانون المنظم لعمل البنوك التشاركية.

دخل القانون المنظم للبنوك التشاركية حيز التنفيذ بصدور الظهير الشريف رقم 1.14.139 في فاتح ربيع الأول 1436 ه ( 24 ديسمبر 2014) القاضي بتنفيذ القانون رقم 12.103 المتعلق بمؤسسات الائتمان والهيئات المعتبرة في حكمها.( 3 )

وقد خصص القانون المذكور لما سماه بالبنوك التشاركية القسم الثالث. من المادة54 إلى المادة 70.

واستبشر عموم المغاربة خيرا بمولود جديد طال انتظاره، رأى النور، وخرج إلى الوجود بعد ولادة عسيرة.

فهل كانت البنوك التشاركية في مستوى تطلعات المغاربة وهل لبت هذه البنوك حاجة المغاربة للتنمية وتمويل المقاولات الصغيرة، وتحريك عجلة الاقتصاد الراكنة في وحل الأزمات المتتالية..؟

إن الحسم في هذه الاشكالية يتطلب دراسة القانون المنظم لعمل البنوك التشاركية، وتتبع الممارسة العملية لهذه البنوك في الواقع.

من المفروض في أي قانون جديد أن يصدر بديباجة تشير إلى الأهداف الكبرى التي يسعى إلى تحقيقها، وإلى المرجعية التي يرتكز عليها وتؤطر عمله. هذا لم يتحقق في القانون المنظم للبنوك التشاركية التي جاءت نصوصه ضمن القانون 12ـ 103 الخاص بمؤسسات الائتمان والهيئات المعتبرة في حكمها.

وفي الشق الخاص بتنظيم الأبناك التشاركية لم تشر النصوص القانونية المنظمة ولو إشارة غير مباشرة للأهداف الكبرى والغايات من وراء هذا القانون، ولا ندري أهذا استصغار من المشرع لشأن البنوك الإسلامية. أم تجاهل لحقيقتها. أم خوف من منافسة منتظرة. قد تنجح أمثلة هذه الإجراءات في التخفيف من وطأتها.

وأمام هذا الوضع لا مفر من تتبع نصوص هذا القانون لاستقصاء الجوانب الاجتماعية في صلبها.

عرفت المادة 54 من القانون رقم 12.103 البنوك التشاركية بما يلي:” تعتبر بنوكا تشاركية الأشخاص الاعتبارية الخاضعة لأحكام هذا القسم والمؤهلة لمزاولة الأنشطة المشار إليها في المادة الأولى والمادتين 55و 58 من هذا القانون وكذا العمليات التجارية والمالية والاستثمارية بصفة اعتيادية بعد الرأي بالمطابقة الصادر عن المجلس العلمي الأعلى وفقا لمقتضيات المادة 62 أدناه.

يجب ألا تؤدي هذه الأنشطة والعمليات المشار إليها أعلاه إلى تحصيل أو دفع فائدة أو هما معا.”

يحيل التعريف إلى المادة الأولى والمادتين 55و58 من القانون103.12 لتحديد الأنشطة التي تدخل في اختصاصات الأبناك التشاركية، وهي في نص هذه المواد كما يلي:

  • تلقي الأموال من الجمهور.
  • عمليات الائتمان.
  • وضع جميع وسائل الأداء رهن تصرف العملاء أو القيام بتدبيرها.

هذا ما نصت عليه المادة الأولى.

  • تلقي الودائع الاستثمارية من الجمهور والتي يرتبط عائدها بناتج الاستثمارات المتفق عليها مع العملاء.( المادة 55)
  • أما المادة 58 فقد حددت المنتوجات التي يمكن أن تكون محل تمويل من طرف الأبناك التشاركية وقد حصرتها في ستة، وهي: المرابحة، والإجارة، والمشاركة، والمضاربة، والسلم، والاستصناع.

كما نصت المادة 58 على امكانية انفتاح الأبناك التشاركية على أي منتوج جديد لا يتعارض مع الشروط الواردة في المادة 54 أعلاه.

القراءة المتأنية لما ورد في هذه المواد يؤكد ما يلي:

  • أنها لم تشر بشكل مباشر أو غير مباشر لإمكانية تحمل البنوك التشاركية للمسؤولية الاجتماعية ضمن وظائفها وأنشطتها.
  • أشارت المادة 55 إلى أن تلقي الودائع الاستثمارية من الجمهور يدخل ضمن اختصاص وأنشطة البنوك التشاركية. وهذا الاختصاص وإن كان له بعد تنموي إلا أنه يبقى تأثيره محدودا بالنظر إلى حداثة التجربة وضعف ثقة العملاء. وخضوع البنوك التشاركية للقوانين نفسها التي تحكم عمل البنوك التقليدية فيما يتعلق بالعلاقة بالبنك المركزي وهذا يضعف قوتها الاستثمارية.
  • يمكن تقسيم المنتجات التي رخص القانون 103.12 للبنوك التشاركية في تقديمها للعملاء إلى منتجات ذات طبيعة استهلاكية. وهي: المرابحة والإجارة. ومنتجات ذات طابع تمويلي استثماري وهي: المشاركة والمضاربة والسلم والاستصناع.

ولا ندري سبب تأخر البنوك التشاركية في تنزيل هذه المنتجات إلى الواقع. مما أعطى انطباعا سلبيا لدى فئة عريضة من الناس عن طبيعة هذه البنوك وتكريسها للتوجه الاستهلاكي الذي دشنته البنوك الربوية. وغياب الطابع التنموي الاستثماري الذي يفصح عن الوجه الحقيقي لهذه البنوك وهدفها الذي لا يمكن اختزاله في الربح فحسب.

وهناك وظائف وأنشطة أخرى ذات بعد اجتماعي لا نجد لها أثرا في المواد المنظمة لاختصاصات البنوك التشاركية، من قبيل إدارة صناديق الزكاة والوقف، خلق صناديق للمساعدة الاجتماعية وتنمية التكافل داخل المجتمع، القرض الحسن. إدارة الممتلكات والوصايا والتركات، وغيرها مما نجده مسطرا في القوانين المنظمة للبنوك الاسلامية في الكثير من الدول التي سبقتنا إلى التجربة .

خلاصات:

ـ البنوك التشاركية بالمغرب لحد الساعة لم ترق خدماتها إلى كامل ما كان منتظرا منها ولا إلى نصيفه. لتجاهل قانونها الجوانب الاجتماعية وتركيزه على تمويل الاستهلاك عوض دعم الاستثمار.

ـ الاستثناء المغربي كما يروج له البعض. قد تفوق جوانبه السلبية ما هو إيجابي فيه. وبقراءة خاطفة للقوانين المنظمة لعمل البنوك الإسلامية في الدول التي سبقتنا تجربة يكتشف الفرق العريض والبون الشاسع بين الاستثناء المغربي والأصل الذي تروم الحفاظ عليه الكثير من القوانين المنظمة لعمل البنوك الإسلامية.

ـ ما قيمة أن تنسب تجربة البنوك التشاركية للإسلام وهي متجردة من قيم التضامن والتعاون وروح التنمية المجتمعية والمقاصد الإسلامية في المال؟

ـ البنوك التشاركية بتجردها من المسؤولية الاجتماعية تجاه المتعاملين معها والمجتمع بأكمله. تكون بذلك فوتت على نفسها أموال فئات عريضة من المجتمع التي لم تقتنع لحد الساعة بالآداء التنموي والاجتماعي لهذه البنوك. وفي المقابل لم تنجح هذه البنوك في مد جسور الثقة لهذه الفئات.

على سبيل الختام

البعض من فرط انتظاره لتجربة البنوك الإسلامية عمي عن مساوئ التجربة، وتغافل عن قصد أو عن غير قصد عن مكامن الخلل. والأكثر منه حماسة يجابهك بقوله: وهل تريد من البنوك الإسلامية أن تكون مؤسسات خيرية للتضامن والقرض الحسن ووو؟

والحاصل أننا لا نطلب من هذه البنوك أكثر من الانسجام مع هويتها ومرجعيتها بل نذكرها بهدفها الأول الذي يفترض أن يكون شعارا في كل عملياتها. فهي كما قال الدكتور أحمد النجار: “قادرة على أن تقدم أشكالا وصيغا متعددة للتمويل تتناسب مع مختلف الظروف والمواقف. وملتزمة – بحكم المبادئ التي تقوم عليها…-على أن تكون سندا ومظلة وعونا لكل صاحب خبرة قادر على العمل والعطاء…”


1 -الدكتور أحمد النجار ولد بمايو 1932 بمحافظة الغربية. من المؤسسين لبنوك الادخار التي تعتبر النموذج الأول لانطلاق المصارف الإسلامية . شغل منصب الأمين العام للبنوك الإسلامية مند سنة1978 يوصف بأنه من الآباء المؤسسين للصيرفة الإسلامية. من أهم ما ألفه: كتاب ” بنوك بلا فوائد كاستراتيجية للتنمية ” صدر بجدة سنة 1972

2 – كتاب الاهرام الاقتصادي العدد الثامن أكتوبر 1988.

3 ـ الجريدة الرسمية عدد6328 بتاريخ 22 يناير 2015 ص 462.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.