منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

المسجد في أوروبا: الإدارة،الجماعة، الإمام

المسجد في أوروبا: الإدارة،الجماعة، الإمام/ صلاح الدين المساوي

0

المسجد في أوروبا: الإدارة،الجماعة، الإمام

بقلم: صلاح الدين المساوي

 

أولا: روح المسجد ومقاصده

يشكل المسجد في أوروبا القلب النابض لجماعة المسلمين حيث يأوون إليه لاستمطار الرحمات ونزول السكنات، والشعور بالطمأنينة التي تنسيهم تعب الدنيا ومحنها. وفيه يلتمس المسلم تزكية نفسه وتطهيرها من أدران المادية والأنانية التي تهيمن على الفرد والمجتمع. وحيث يرجو صفاء روحه من شوائب الشهوات التي تستعبد الانسان وتستولي على كل مفاصل حياته.

المسجد إذن هو جنة المسلم، ينهل منه خمس مرات في اليوم ،ويحرص على أطاييب الكلام كل جمعة وفي مناسبات أخرى، ليقوى بها على عبور صحاري قاحلة يشتد فيها الظمأ، ولا يجد رواء إلا بزاد يحمله داخل قلبه.

ترى كم يبهرني ويأسرني ذلك المشهد الرائع حينما أنظر إلى حلقات تحفيظ القرآن لشباب من أفريقيا لا يتكلمون اللغة العربية، لكنهم حريصين كل الحرص على تعلم القرآن وإتقان تلاوته مهما كلف الجهد و الثمن.

المساجد بيوت الله في الأرض جعلها لعبادته، وأناط بها أدوارا عظيمة، لما غابت عن الواقع، غاب عن الأمة فعلها التاريخي وتأثيرها الإيجابي.
من معالم المسجد في حياته صلى الله عليه وسلم أنه منه انطلق أول شعاع النور والهداية، فكان أول جامعة كبرى للدين والأخلاق والآداب والسلوك والسياسة ،والشعر والخطابة والدراسات المستقبلية…

يقول علي الطنطاوي رحمه الله :“مبادئنا تعلن كل يوم خمس مرات من على مآذن المسجد، ليس عندنا ألغاز ولا أحاجي ولا ألغام وإنما عندنا مبائ ربانية واضحة، نحن معنا جامعة في المسجد،نرسل الشعاع للعالم”

لكن و للأسف يعتقد كثير من المسلمين في الغرب أن بناء المسجد وزخرفته والاهتمام به كمعلمة إسلامية هو أقصى ما يحققه المسلم لضمان بيته في الجنة، إمتثالا لقوله صلى الله عليه وسلم “من بنى لله بيتا بنى الله له بيتا في الجنة”، فتجده يقضي معظم وقته وجهده في الخروج في سبيل الله، لجمع تبرعات المحسنين قصد شراء المسجد أو بنائه وإصلاحه ، ثم لا ترى له أثرا في عمارة المسجد حضورا للصلوات الخمس، أو حفظا لكتاب الله ،أو جلوسا في حلقات العلم، ظانا منه أن الواجب قد تحقق(ببناء الأسوار). لعمري إن هذا الفهم السطحي للنصوص هو تعطيل لمقاصد الشرع التي من أجلها أسس رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد في الإسلام ،وتعطيل للمعاني الجليلة التي يساهم بها المسجد في بناء العمران الأخوي المنشود.

إذا كان من مقاصد الشريعة حفظ الضروريات الخمس كما نص على ذلك فقهاؤنا الأجلاء قديما، والتي أضحت اليوم” مطالب” فإن مؤسسة المسجد كونها أولى مؤسسات المجتمع يتعين عليها أن تخدم هذا الحق خدمة متزامنة ومترابطة ومتواصلة عبر الأجيال، وأن تعمل على استرجاعها(المقاصد) إلى واقع المسلمين بعد أن ضاعت عبر قرون العض والجبر .

و إذا كان من أجَل غايات المسجد هو بناء إنسان مسلم سوي، يعرف خالقه ويستعد للقائه، فإنه يجب أن يكون مرتعا خصبا
لحفظ “ضرورياته ” وصيانة سلوكياته عن العبث.

كيف ذلك؟

أول شرط في هذا الاتجاه أن يتحرر المسجد من كل قيود الاستبداد التي حاصرت رسالة المسجد في خدمة النظام السائد وتمجيد الحاكم المستبد.

وهذا الشرط في أوروبا عموما هو محقق بإذن الله لأن الدولة تمكن كل أصحاب الديانات(الاسلامية،المسيحية،اليهودية…) من تسيير شؤون دينهم بأنفسهم. وهذا مكسب رفيع لكل من أراد أن يعمل بحرية واستقلالية ونزاهة. ولهذا فإن المسجد الأوروبي يتمتع بمقومات ذاتية مستقلة، ومؤهلات روحانية عالية، و أخرى علمية ذات مصداقية متميزة تجعله يستطيع أن يساهم في حفظ الضروريات الخمس متى وجدت الإرادة المتحررة والقوة العقلية الإقتحامية .

1-حفظ الدين: وذلك عبر إحياء الشعائر الدينية، وترسيخها لدى المسلمين، فبالإضافة إلى الصلوات الخمس التي تقام فيه ،فإنه يسهر على تحفيظ القرآن الكريم، وإحياء بعض المناسبات الدينية، وتعليم العلوم الشرعية للكبار والصغار من أجل إعداد رجال ونساء لحمل دعوة الإسلام ونشرها بين الأنام.

2_حفظ النفس: فهو بتعاليمه ووعظه يدعو إلى تحريم قتل النفس حسا ومعنا.

“مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا”.

هذه عقيدة المسلم لا للقتل لا للفساد لا للظلم.ثم من أسس المسلم تزكية النفس وتربيتها على الإحسان ،بما هو ذوق وسلوك، “ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها،قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها”

وبهذا المعنى يكون المسجد يساهم في بناء مجتمع نظيف، قوامه السلم والتعايش والتعاون والحب والإنسانية.

3-حفظ النسل: بالإضافة إلى الأدوار التعبدية فإنه يمثل مؤسسة اجتماعية تربوية أخلاقية يلجأ إليها المسلم لصيانة النسل البشري من العبث وذلك حينما يكون المرجع في معرفة أحكام الزواج والطلاق والعدة والرجعة واللعان والزنا …إلخ.

4-حفظ العقل: المسجد يدعو الى القطع مع الخمر والتدخين، وكل أنواع المخدرات بغرض الحفاظ على جوهرة العقل التي بها يتميّز الانسان عمن سواه. ويحرص على اليقظة الدائمة والطهارة والنظافة الظاهرة والباطنة. كما أنه يحافظ على سلامة العقل عبر تبنيه الحوار والمجادلة بالتي هي أحسن، في ندوات علمية ومناظرات فكرية ومسابقات فنية وإبداعية .

5-حفظ المال: مساجد أوربا كلها شُيدت على يد المستضعفين المحسنين ،فهي ساهمت بشكل ملفت للغاية، تعليم الناس درس الإنفاق بغير حساب والعطاء بكل سخاء، ففي كل جمعة موعد دائم مع الدرس العملي في العطاء والبذل في سبيل الله، من أجل إتمام البناء والاعتناء،وكذا تسديد واجبات المسجد وحاجياته .

وفيه تجمع زكاة الأبدان وزكاة الأموال، لتبقى المسؤولية على عاتق المشرفين هل سيحسنون التصرف فيها وإعطائها لمستحقيها من الأصناف الثمانية، أم يعيثون فيها ويفسدون !!!

وإجمالا فإن المسجد في أوروبا ورشة مفتوحة يعلم الناس حسن تدبير المال واستثماره بضوابط شرعية وبواعث إيمانية، كما يُجري لهم امتحانا عسيرا في باب الاقتصاد؛ تدبيرا وتصريفا لمستحقات الأموال ،فمن تحرّى وأحسن فقد فاز، ومن أبطأ وأساء فقد خاب وخسر!!!

إذن المسجد النموذجي في أوروبا هو الذي يخدم المقاصد العظمى للإنسان، ويحرر إرادته عبر الإدارة الناجحة والإمام المتميز والجماعة المتنورة.

وحول هذه الثلاثة سيدور كلامنا بحول الله وقدرته،-مستقبلا- تشخيصا وتطلعا للأفضل ،راجين منه الصدق في القول والسداد في التعبير والتوفيق في التبليغ .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.