منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

رسالة المسجد

محمد فكري/ رسالة المسجد

0

رسالة المسجد

ذ. محمد فكري

مقدمة

” كانت المساجد على طول  تاريخنا مدارس عامرةً زاخرةً، يجد فيها المسلمُ حاجتَه قريبا من مُصَلاَّهُ، ومن بيته، ويجدُ فيه المتعلمُ بُغْيَتَه بيُسْرٍ لا يعرفُ تعقيدا، وبمجَّانيةٍ لا تطلُب إليه أداءَ رسوم، ولا تحضير أوراقِ الانخراط. ثم هُجِرَتْ المساجدُ في عهد فَوْرَةِ العلمانية، حتى أذِنَ الله بهذه العودة المباركة التي نعيش تباشيرَ فجرها.” (إمامة الأمة).

أهمية المسجد في المجتمع الإسلامي

المزيد من المشاركات
1 من 11

يقول المولى عز وجل” فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (36) رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ ۙ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (37).” (سورة النور).
“من المسجد وبروح المسجد ولزوم الصلوات ومجالس العلم والذكر والإيمان في المسجد يندمج المسلم اندماجا عضويا في الجسم الحي المتوالي في الله المتحاب الملتحم. وفي المسجد يسمع الواعظ المربي كلمة الله إلى الإنسان، وتشع كلمة الحق على العامة والخاصة. ويبلغ المد التربوي مداه ويسقط المتعفن، ويقوى الضعيف، ويجتمع السلطان والقرآن بعد افتراق.” (الأساس التربوي أصول وقواعد)

دور المسجد التربوي والدعوي

في غد الإسلام ينبغي لجند الله أن يعلموا جاهدين من أجل أن يسترد المسجد رسالته ووظيفته الخالدة في التربية والدعوة، ودوره في التوجيه و الإرشاد و التأطير كاملا غير منقوص، من غير تأميم ولا حصار . فالمسجد محض  الرجال و مدرسة العلماء، محراب المتبتلين، ودائرة قيادة الجهاد ومجلس الشورى و الإيمان. (المنهاج النبوي ص 263).
يعمر المسجد بالتلاوة والعلم، ويطهر لذكر الله، ويجمر ويعتني به، وينزه عن اللغو واللغط، ويحتفل لدخوله بالتربية السنية، و النظافة و الطهارة  وطيب الريح، يمشي إليه في ظلم الليل وصحوة النهار، يعمره الرجال  والنساء والشباب، ويكون دخول الطفل إليه أول مايعقل مناسبة يحتفل بها ويشوق إليها. تراعي آداب المسجد وسنن الصلاة فيه فيختار المؤذن ندي الصوت، و الإمام العالم المتقي وتسوى الصفوف وترص .( المنهاج النبوي ص 264).
وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعقد لصحابته مجالس يعلمهم فيها ويترك لهم المجال ليسألوه عن أمور دينهم، روى الطبراني في الكبير عن أبي موسى الأشعري (رضي الله عنه) قال: “كان الني صلى الله عليه وسلم إذا صلى الفجر انحرفنا إليه فمنا من يسأله عن القرآن، ومنا من يسأله عن الفرائض، ومنا من يسأله عن الرؤيا”.
بعد التحرير يلزم أن تعمر المساجد ويذكر فيها اسم الله لا اسم الأصنام،  ويعاد للمنبر حرمته ويقلد العلماء طوق واجبهم الديني أن يبينوه للناس، لا يكتموه كما أخد عليهم الميثاق. يفتح علماء الدعوة باب التطوع، فيحيون المساجد حتى تكون حلقها مدارا لحياة الدعوة، وملتقى للوافدين التائبين، ومنطلقا لنشاط التعليم بين العامة، ولمحاربة الأمية الفكرية، في نفس الوقت التي تحارب فيه الخرافة والجهل بالله ورسوله وكتابه ودينه في المسجد ينبغي أن نعقد حلق الوعظ، وحلق الفقه المبسط والسيرة والعربية، وحفظ القرآن وتجويده.

مركزية المسجد في مشروع الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله

ويعتبر الإمام عبد السلام ياسين المسجد ” هو المؤسسة الدعوية الأولى، بيت الله منه وفيه وإليه ينطلق الجهاد ويخطط ويأوي.” (المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا ص 78).
“الصلاة لوقتها وفي المسجد مع الجماعة هي الضابط للمسلم، إذ تنقله من الوقت السائب، المقيد بعلاقات العمل والراحة والطعام و اللهو، إلى الوقت الإيماني ، المقيد بداعي الله خمس مرات في اليوم  ومرة في الجمعة “.(المنهاج النبوي ص154-155).

المسجد منطلق الدعوة إلى الله عند الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله

أعاد الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله دفء الحياة، وحرارة الحركة، من برودة الهجران   وجمود العادة. أحيى الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله بأسلوبه المتميز، وظائف المسجد بحلقات العلم ومجالس الإيمان يلتقي فيه الدعاة بالشعب، ويلتئم فيه الشمل، وتنطلق منه اليقظة والبناء، فمؤسسة المسجد متعددة التخصصات: ” منبر الوعظ، والجهر بكلمة الحق، والإشعاع الإيماني، ومغالبة أهوية الإعلام العالمي المخرب، والتصدي لأهوائه، والأمر بالمعـروف بالكلمة مباشرة، وحمل الناس عليه بالذراع القوية الحليفة، والنهي عن المنكر، وزجر الناس عنه بقوة الحكومة الموالية. تلك مجالات رجال الدعـوة. وتلك مواطن تأسيس، بل إعادة تأسيس، دولة القرآن.” (العدل الإسلاميون والحكم ص 679).
كذلك كان المسجد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعهد خلفائه الراشدين “عرين أسود، ورياض جهاد، ومدرسة جامعة، ومقر قيادة أركان جند الله، ومجلس شوراهم. ذلك أن بيت الله أحق البيوت أن ينطلق منها ويرجع إليها ويتجمع فيها ويتآلف جند الله.” (المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا ص 47).
للمسجد مكانة في حياة الأمة وبناء مؤسساتها بناءا متناسقا ومتكاملا، حتى تسري روح المسجد في عمق النفوس والمؤسسات، بذلك ” يفتح قلب من يشاء ويختم ويحُل الأختام. في المسجد، في مجالس الإيمان، في صحبة الأخيار، في ليلة القيام المنيرة الساطعة على نهار الجهاد، في مداومة ذكر الله، في صدق الطلب وتلَهُّف الهمة.” (العدل الإسلاميون والحكم ص 365).

بعض آداب المصلي في المسجد

يقول الله تعالى: “فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون” (الجمعة10).

إن الصلاة أحد أركان الإسلام الخمسة، وإذا صلحت صلح عمل المسلم كله، وإذا فسدت فسد عمله كله، لذا فالمواظبة عليها في أوقاتها في المساجد واجب على كل مسلم لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ قال:(من سره أن يلقى الله تعالى غدا مسلما، فليحافظ على هؤلاء الصلوات ،حيث ينادي بهن ،فإن الله شرع لنبيكم سنن الهدى، وإنهن من سنن الهدى، و لو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم، ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يؤتى به بين الرجلين حتى يقام في الصف ) (رواه مسلم) وهي تقوي أواصرالصداقة والمحبة ووحدة الصف والكلمة بين المسلمين، ولصلاة الجماعة في المسجد آداب نتعرف على بعضها في النقاط التالية:

1- لباس المصلي:

على المسلم أن يتوجه إلى بيت الله في أحسن صورة، وذلك بإقامة هيئته وتزيين لباسه وتنظيف نفسه وتطييب رائحته. قال الله تعالى: “يا بني آدم خدوا زينتكم عند كل مسجد”(الأعراف31).

وفيما يلي بعض مكروهات اللباس في الصلاة:

– اللباس الضيق الذي يصف العورة، وخاصة في السجود.

– الصلاة في اللباس الرقيق الشفاف بدون سروال طويل تحته.

– الصلاة في لباس النوم في المسجد. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(إذا صلى أحدكم فليلبس ثوبيه فإن الله أحق أن يتزين له )(رواه الطبراني و البيهقي).

– إسدال الثوب بطرا وخيلاء.

– تغطية الفم (التلثم) في الصلاة.

– تشمير الثوب أو الكم للتباهي. قال صلى الله عليه و سلم (أمرت أن أسجد على سبعة ، ولا أكف شعرا و لا ثوبا ) (رواه مسلم).

– كشف الكتف و الصلاة بقميص شيال داخلي. قال صلى الله عليه وسلم:(لا يصلين أحدكم في الثوب الواحد، ليس على عاتقه منه شيء)(متفق عليه) العاتق: الكتف

– الصلاة بلباس عليه صور أو كتابة كبيرة تلفت النظر.

2- الوضوء و النظافة:

إذا كان على المصلي أن يتوضأ في المسجد، فليقم بغسل أعضائه بشكل جيد، وتنشيفها قبل الدخول إلى حرم المسجد، وبعد الوضوء ينطق الشهادتين ويقول( اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين).(الترميذي).

– يحرص على عدم السير على سجاد المسجد ورجلاه مبتلتان.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:( من توضأ فأحسن الوضوء، خرجت خطاياه من جسده حتى تخرج من تحت أظافره)( رواه مسلم).

– ينصح بعدم الإسراف في استعمال الماء أثناء الوضوء .

– كما ينصح باستعمال الأكياس المخصصة للأحذية، وعدم إدخال الحذاء إلى المسجد متسخا أو مبتلا وعدم رفعه في وجه المصلين، ولا رميه على الأرض عند الخروج  لما قد يحدثه من غبار…

3- إلقاء تحية الإسلام:

(السلام عليكم) على أن تكون بصوت منخفض دون أن تشوش على المصلين. قال الله تعالى: “فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله مباركة طيبة” (النور 61).
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا دخل أحدكم المسجد، فليركع ركعتين قبل أن يجلس ) (البخاري).

4- اللحاق بالجماعة:

لا تحدث ضوضاء ولا تركض لتلحق بصلاة الجماعة، ولا تقف في صف قبل أن تتم الذي قبله، وعند بدء صف جديد، إبدأ من المنتصف خلف الإمام، قال صلى الله عليه وسلم: (وسطوا الإمام، وسدوا الخلل)(أبو داود) وحاول الصلاة في الصف الأول على يمين الإمام، قال صلى الله عليه وسلم:(إن الله وملائكته يصلون على ميامن الصفوف) (أبو داود) وإن تسوية الصفوف هي من أركان الصلاة، قال صلى الله عليه وسلم:(لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم)(متفق عليه) وألصق كتفك بكتف أخيك، وقارب بينك وبينه باتجاه الإمام، ولا تدع فرجة للشيطان، قال صلى الله عليه وسلم:( أقيموا الصفوف، وحاذوا بين المناكب، وسدوا الخلل، ولينوا بأيدي إخوانكم، ولا تذروا فرجات للشيطان، ومن وصل صفا وصله الله، ومن قطع صفا قطعه الله) أبو داود.

5- أثناء الصلاة: 

قال الله تعالى:”ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا” (الاسراء110) أي استمع إلى تلاوة الإمام في الصلاة الجهرية، واقرأ بصوت منخفض (همسا) دون أن تسمع من حولك في باقي الصلوات. فالصوت العالي يشوش على المصلين ويشتت أفكارهم.

6- الكلام في المسجد:

يكره رفع الصوت في المسجد ولو بالتلاوة والذكر، ويكره نشدان الضالة والبيع و الشراء، كما يكره الحديث في أمور الدنيا منقطعة عن الآخرة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(ألا إن كلكم مناج ربه، فلا يؤذين بعضكم بعضا، ولا يرفعن بعضكم على بعض في القراءة. أو قال: في الصلاة ) (أحمد) وقال صلى الله عليه وسلم:(سيكون في آخر الزمان، قوم يجلسون في المساجد حلقا حلقا، إمامهم الدنيا، فلا تجالسوهم فإنه ليس لله فيهم حاجة ) (ابن حبان) ويلزم أيضا كتم صوت الهاتف أو إغلاقه.

7- مكان الصلاة:

على المصلي أن لا يتعود الصلاة في مكان ثابت، بل يصلي في عدة أمكنة من المسجد وقد نهى رسول الله عليه وسلم ( عن نقرة الغراب، وافتراش السبع، وأن يوطن الرجل المكان في المسجد كما يوطن البعير) (أحمد) و ليسابق المصلي إلى الصف الأول في الصلاة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله و ملائكته يصلون على الصف الأول و الصفوف الأولى) وينهى عن حجز الأمكنة في المسجد كما يفعل بعض الناس.

خاتمة

نركز معركتنا في الطلب بحقنا في مساجد الله، لا حق لأحد أن يمنعنا من ذكر الله فيها. لا حق لهم أن يخربوا روح المسجد ورسالة المسجد مع تزويقه وتأثيثه. إنهم يتخذون عمارة جدران المساجد وسيلة للدعاية أنهم متقون. ويتخذون من أثاثها خطباء ووعاظا وقراء إمعات محترفين.

فاسترجاع حقنا في عمارة المسجد من أولويات معركتنا. وأثناء هذا وبعده تعاد للمسجد الحياة الإيمانية، والسنة والعلم. ويعاد له مكانه كالمركز الأول في حياة المجتمع الإيمانية والسياسية والتوجيهية” (المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا ص 263).

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.