منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

المساجد منابر إعلامية ومراكز إشعاع معرفي ودورها في بناء المجتمع المسلم

حسن محمد أحمد محمد / المساجد منابر إعلامية ومراكز إشعاع معرفي ودورها في بناء المجتمع المسلم

0

المساجد منابر إعلامية ومراكز إشعاع معرفي ودورها في بناء المجتمع المسلم

الدكتور حسن محمد أحمد محمد

 

مقدمة:

يمثل الدين وسيلة لحياة أفضل، ولكننا نريدها في هذه الدنيا الفانية؛ بينما الله، تعالى، يريدها للناس في الحياة الآخرة، ولقد اتصفت الدعوة الإسلامية، في منهجها الرسالي والدعوي، بالأسلوب الوسطي الذي جمع بين الحياة الدنيوية والإيمان بالحياة الآخرة والعمل لها، وبجانب ذلك اتسمت الدعوة الإسلامية بالعديد من السمات المميزة لها عن سواها من الشرائع والمناهج الدعوية المتعددة والمختلفة، والمنتشرة بين الناس منذ القدم، وقد اختص الله تعالى المنهج الإسلامي بسمة تعتبر من أسما وأجل السمات المميزة للشريعة الإسلامية السمحاء، التي حباها المولى جلَّ وعلا باليسر والتيسير ولك أن تتملى تلك الصورة في آي القرآن العظيم، قال تعالى:

المزيد من المشاركات
1 من 22

﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ البقرة: 185.

﴿ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ﴾الأنعام:152.

﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ البقرة: 286

﴿َاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ التغابن:16.

يقول الإمام الطبري في تفسيره للآية (آل عمران:102): عن قتادة قوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) آل عمران:102. ثم أنزل التخفيف واليسر وعاد بعائدته ورحمته على ما يعلم من ضعف خلقه فقال فاتقوا الله ما استطعتم فجاءت هذه الآية فيها تخفيف وعافية ويسر[3]. وكذلك ورد في السنة النبوية المطهرة: (عن عائشة رضي الله عنها قالت: ما خير النبي صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يأثم فإذا كان الإثم كان أبعدهما منه والله ما انتقم لنفسه في شيء يؤتى إليه قط حتى تنتهك حرمات الله فينتقم لله)[4].

ولم تقف مزايا التشريع الإسلامي عند موضع التيسير والتسهيل؛ وإنما تعدته وتجاوزته إلى مراتب أعلى ودرجات أسمى تجلت في وسطية الإسلام، قال تعالى:

﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ البقرة: 143.

والوسطية الحقة؛ لا تعني فقط التعايش مع الآخر، بل تعني قبوله بكل مكوناته: العرقية، الثقافية، العقدية، الاجتماعية،.. وهذا هو ديدن الإسلام المتسامح في تقبله للآخرين والتعايش معهم بكل توافق وانسجام، والشاهد على ذلك؛ التعايش التصالحي الذي شهدته الحضارة الإسلامية وقدمته كنموذج للعالم، حيث تواءم المسلمون وتعايشوا مع عدد من الملل والأعراق، لم ير العالم له مثيلاً في الأمم والحضارات السابقة، كاليونانية، الرومانية، الفارسية، الهندية، الفرعونية.. وغيرها من حضارات إنسانية كانت تؤمن بالتفوق العرقي والثقافي والعقدي على الآخرين؛ إذًا فالإسلام قد سما وعلا بسبقه وتميزه عن سواه بما قدمه من تعايش سلمي مزج فيه بين كافة الملل والأعراق والثقافات البشرية المتنوعة والمتعددة هي التي صنعت وصاغت الحضارة الإسلامية، التي نهض المسجد بها وأخذ فيها دور القيادة والريادة بلا مدافع ولا منازع.

 تأثير وسائل الإعلام:

يقوم الإعلام، بوسائله المختلفة، بدور يعد من الأهمية بمكان، حيث يضطلع الإعلام بالعديد من المهام في شتى المجالات بلا استثناء، فهو يهتم بنشر الوعي والثقافة والأدب والعلوم، وغيرها من الأخبار والحقائق والآراء والأفكار بين الناس، إذ إن وسائل الإعلام عليها أن تعبر عن نبض المجتمع وحركته لتعكس ما يدور فيه من اتجاهات وميول، فالإعلام هو لسان حال الأمم والمجتمعات. ويعتبر المتلقي (الجمهور) هو الركن الرئيس، ولن تتمكن وسائل الإعلام من أداء مهامها إلا إذا توفرت لها العوامل المعينة والمساعدة لكي تضطلع بمهامها على الوجه الأكمل: كالوعي، الحرية، اهتمام المتلقي بما ينشر، المنافسة بحيث لا تسيطر جهة إعلامية منفردة، الابداع والابتكار، الاعداد والتدريب،…، فالإعلامي يوجه رسالته للمتلقي ويختار الوسيلة المناسبة، واضعًا في اعتباره المستوى التعليمي، العمر، النوع، الحالة الاقتصادية، الوضع الاجتماعي والثقافي.. ويمكن أن نجمل مهمة الإعلام في ما يلي:

1-  المجتمع وما يحيط به من ظواهر وأحداث.

2-  التربية والتعليم.

3-  الترويح والترفيه بما هو مفيد.

4-  تنمية الاقتصاد.

5-  تقديم خدمات عامة.

6-  التأثير في السلوك لتدعيم المفيد وتغيير العادات السيئة.

وتتجسد أهمية الاتصال Communication)) فيما يحققه من مضامين وقيم أخلاقية وإنسانية، كتحقيق المشاركة (Participation)، وليست مجرد نقل (Transshipment). فمصطلح (Transshipment) يعني مجرد نقل وينتهي معناه عند المصدر؛ أما (Participation) فيعني التفاعل والمشاركة. يرى المؤرخ والكاتب الإنجليزي ويلز (H.G. Wells): أن ما يحدث من تقدم وتغيير في حياتنا الاجتماعية هو عبارة عن وسائل يستخدمها الفرد أو الجماعة من أجل خلق بيئة تواصلية تتوافق والحياة الاجتماعية التي تجمع بين الأفراد والجماعات، بدأت بالألفاظ وربما الإشارات، ثم التسجيل والتدوين، تلتها ظهور الطباعة، بعد ذلك جاءت الآلة، والآن نحن نتسنم قمة التقدم التقني ممثلاً في شبكة الإنترنت؛ الأمر الذي أدى إلى بروز مصطلح القرية العالمية (Global Village).

فلسفة الاتصال:

تأتي أهمية الاتصال من أهمية الأنشطة الفلسفية والعقلية التي تبعث على التفاعل الاجتماعي؛ حيث ترتفع وتتسامى القيمة الفكرية للتواصل بناءً على الدور الذي تلعبه الشخصية ومدى تأثيرها في تغيير وتعديل السلوك الاجتماعي، وقد ألف الكاتب الأمريكي (مايكل هارت) كتابًا عن عظماء الإنسانية سماه (الخالدون مئة أعظمهم محمد)[5]؛ وذلك لتأثيره العظيم على الإنسانية، وقد ورد في الأثر (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم المؤمن إلف مألوف ولا خير في من لا يألف وخير الناس أنفعهم للناس)[6]. ومن خلال وسائل الإعلام:

1- تتم عملية بناء الشخصية الاجتماعية للفرد.

2- يتلقى الفرد ثقافة مجتمعه ويتشربها من خلال التواصل.

3- التأثير في المتلقي.

4- تنشأ علاقة تفاعلية بين أفراد المجتمع والمجتمعات الأخرى.

5- تتطور: اللغة المنطوقة، الإشارات والرموز… وغيرها.

6- ينمي الاتصال: التفكير، الأحاسيس، الإدراك والتصور، نمو الوعي من خلال تنامي العلاقات.

7- تهتم المجتمعات بالتواصل الإيجابي، حيث تترك المؤسسات التربوية والتعليمية أعظم الأثر في البنية الاجتماعية.

 المنبر والقائمون عليه:

قبل الحديث عن المسجد ودوره في قيادة المجتمع المسلم نحو غد أفضل؛ هناك سؤال يطل برأسه دومًا، وكثير ما دار في ذهني وفي أذهان الكثيرين، وهو: هل تسمح مؤسسات التعليم العالي أن يتولى زمام أمرها وقيادتها، أو أن يعمل فيها، ناهيك بأن يتولى زمام إدارتها، شخص غير مؤهل؟ ولعل السؤال يتصل بالمستشفيات، والمحاكم والشركات والمؤسسات…، والإجابة، بكل حزم، هي: كلا وألف ألف كلا.

ولكننا حينما نتوجه بذات السؤال إلى القائمين على المؤسسات الدينية المنتشرة في بلادنا، كالشؤون الدينية والأوقاف، مثلاً، نجد أن الرد وإن كان بكلا، إلا أن لسان حالها يقول، بكل جرأة،: بلى وألف ألف مليون بلى، أي نعم. فحال المنابر لا يسر إلا أعداء الإسلام والمسلمين من المستهزئين والشامتين، وأذكر هنا، عبارة، هازئة ومستهزئة، قرأتها في ثمانينيات القرن الماضي، تقول: إن القمر الصناعي، عربسات، سيكون أعلى مئذنة في التاريخ. ولا شك في أن العبارة تضج وتصرخ بكل معاني السخرية والاستهزاء من المساجد وما تحويه من منابر. فمن هم القائمون على أمر تلك المنابر؟ وهل هم مؤهلون، حقًا، للقيام بتلك المهمة الجليلة؟ وهل هم خير خلف لخير سلف، مثل أولئك النفر الكرام الذين كانوا يرعون شؤونه بالأمس البعيد؟؟؟، وأعني بالأمس، هنا، العهد المجيد والماضي التليد للإسلام والحضارة الإسلامية، التي نهضت وسادت ردحًا من الزمان؛ بفضل تلكم المنابر ومن وقف عليها.

قدسية المسجد:

قال تعالى:

﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ سورة الجن: 18.

وقال، جلّ وعلا: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ﴾ آل عمران: 96.

لقد كان للمسجد أثر عظيم في حياة رسولنا الكريم، صلى الله عليه وسلم، فهو الذي ارتضاه المشركون ليكون حكمًا بينهم، عندما اختصموا في وضع الحجر الأسود في المكان المخصص له[7]، وسُلت السيوف وكادت تسيل الدماء، وأُسري به، صلى الله عليه وسلم، من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، قال تعالى:

﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ سورة الإسراء:1.

كما أن أول عمل قام به رسولنا الكريم، صلى الله عليه وسلم، في يثرب، والتي سماها المدينة المنورة وسماها الصحابة مدينة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، هو بناء المسجد وهو أول مسجد بُني في الإسلام، ويعرف أيضًا بمسجد قُبَاء، ويُقال له مسجد التقوى لقوله تعالى:

﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ سورة التوبة: 107- 108.

وروى أبو سعيد الخدري: (… قال أبي دخلت على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في بيت بعض نسائه فقلت يا رسول الله أي المسجدين الذي أسس على التقوى قال فأخذ كفًا من حصباء فضرب به الأرض ثم قال هو مسجدكم هذا)[8]. وهناك، أيضًا، مسجد القبلتين؛ والذي سمي بذلك لأن القبلة قد تحولت فيه إلى المسجد الحرام (الكعبة) أثناء صلاة الظهر، قال تعالى:

﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ البقرة:144.

وقال، جلّ وعلا:

﴿ وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ * وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ البقرة: 149-150.

لقد لعب المسجد الدور الأبرز والأعظم في تأسيس وبناء الحضارة الإسلامية منذ العهد الأول، عهد رسولنا الكريم، عليه أفضل صلاة وأتم تسليم، وكيف أنه وضع، عند قدومه إلى المدينة، أسس الدولة ورفع دعائمها حين بنى مسجده الشريف، الذي كان مسجدًا جامعًا وجامعة تخرج فيها الكثير من العلماء الأفاضل، في شتى المجالات، أولئك الذين حملوا على عاتقهم مهمة أداء الأمانة وتبليغ الرسالة، ثم جاء الصحابة الكرام الميامين، (عهد الخلافة الراشدة)، رضوان الله تعالى عليهم، بعد انتقال رسولنا الكريم، صلوات الله وسلامه عليه، إلى الرفيق الأعلى، فلم يألوا جهدًا في رعايتهم وحمايتهم للمساجد التي حفظوا لها حقها وعرفوا دورها، الفاعل والفعال، في تأسيس وبناء المجتمع المسلم الحق. ولم تزل المساجد، في العصر الأموي والعباسي، قبلة لكل العلماء ومنارات يهتدي بنورها طلاب العلوم، الدينية الشرعية، الفلك، الفلسفة، الهندسة، الطب، الرياضيات، وحتى اللغة والأدب من شعراء وكتاب بلغاء..، إذ لم يستثن المسجد علمًا من العلوم، أو معرفة إنسانية إلا فُتِّحَتْ (ولا نقول فتَحَتْ) له الأبواب مشرعةً، فازدهرت العلوم النقلية النصية منها والعقلية الفكرية، لاسيما وأن المَساجد بيوت الله يؤدِّي فيها المسلمون عباداتهم اليومية المفروضة، والمسجد عبر التاريخ الإسلامي لم يكن مكانًا للعبادة فحسب بل كان مركزًا للعلم والثقافة تُعقد فيه حلقات الدرس ويتخرج فيه كل طالبي العلم. وكان المسجد هو المكان الذي تتركز فيه كل الوجوه المختلفة للنشاط الفكري والاجتماعي أيضًا، ولم يقتصر أمره على المسلمين، وإنما شمل الحركة الفكرية أيًا كان مصدرها،…، وكانت البصرة أسبق مدن العراق، وأعلاها شأنًا في مضمار علوم اللغة والآداب وكان المسجد أول جامعة إسلامية تخرج فيها أساطين العلم والمعرفة[9]، أي أن المسجد لم تنحصر مهامه على شعيرة الصلاة، وإلا لم نكن في حاجة لتحديد موضع بعينه لإقامة الصلوات؛ لأن الأرض كلها مسجد يصلح لأداء الصلاة، فقد جاء في صحيح البخاري: (قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي، نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا، وطهورا، وأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي الغنائم، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس كافة وأعطيت الشفاعة)[10]، وقال تعالى:

﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ * وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ البقرة: 114-115.

وقال، أيضًا:

﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ التوبة: 18.

وقد ورد في كتب الحديث: (عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أحب البلاد إلى الله مساجدها وأبغض البلاد إلى الله أسواقها)[11]، وإن بناء المساجد أمر من الله سبحانه وتعالى لجميع المسلمين، وحدد القرآن الكريم الوظيفة الأساسية للمسجد، قال تعالى:

﴿ فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ * رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ * لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ واللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ النور:36-38.

كما رويت عن الرسول، أحاديث كثيرة في المساجد وفضلها وأحكامها. وقد أورد الفقيه الزركشي في كتابه إعلام الساجد بأحكام المساجد الأحكام المتعلقة بالمساجد والصلاة فيها، وجمع في كتابه هذا أحاديث الرسول، التي تشير إلى الدور الكبير الذي تؤديه المساجد في المجتمعات الإسلامية، وتبين أجر من يعمل على تعميرها وصيانتها. ولما فتح عمر بن الخطاب البلدان وهو على البصرة يأمره أن يتخذ مسجدًا للجماعة، ويتخذ للقبائل مساجد، فإذا كان يوم الجمعة انضموا إلى المسجد الجامع، وكتب كذلك إلى سعد بن أبي وقاص وهو وال على الكوفة بمثل ذلك، وكتب أيضًا إلى عمرو بن العاص وهو وال على مصر بمثل ذلك أيضًا، وكتب إلى أمراء أجناد الشام ألا يتبددوا إلى القرى، وأن ينزلوا المدائن وأن يتخذوا في كل مدينة مسجدًا واحدًا ولا تتخذ القبائل مساجد فكان الناس متمسكين بأمر عمر رضي الله عنه، وكانت صلاة الجمعة تُؤدَّى في المسجد الجامع، وأصبح المسجد منذ ذلك الوقت مركز ترابط المجتمع والجماعة الإسلامية، وهيكلها المادي الملموس، فلا تكتمل الجماعة إلا بمسجد يربط بين أفرادها بعضهم ببعض، يتلاقون فيه للصلاة وتبادل الرأي، ويقصدونه للوقوف على أخبار جماعتهم، ويلتقون فيه مع رؤسائهم، أو يتجهون إليه لمجرد الاستمتاع بالقعود في ركن من أركانه، ولهذا كله، أصبح للمسجد ضرورة دينية وضرورة سياسية وضرورة اجتماعية لكل مسلم على حدة ولجماعة المسلمين جملةً. ويعتبر المسجد هو بيت الله وهو أيضًا بيت الجماعة وبيت كل واحد منها على حدة، وهو المكان الوحيد الذي كان، وما زال، تملكه الجماعة مشتركة، وإن كان الذي بناه السلطان أو الخليفة أو الدولة، وعلى ذلك، لم يكن المسجد في يوم من الأيام ملكية خاصة لأفراد أو لفئة، حيث كانت مساجد المسلمين دورًا للقضاء، حيث تُعقد مجالس القضاء علنًا أمام الجماعة، وتُعلن أحكام القضاة في داخل المسجد، ويُترك للدولة موضوع تنفيذ الأحكام عن طريق أعوان يقفون بالخارج تحت تصرف القاضي، كما استُخدمت المساجد معاهد للتعليم، لأن العلم كان دائمًا من اختصاص الجماعة، وعلى ذلك فلم تقتصر المساجد على وظيفة الصلاة بل كانت مراكز للحكم والإدارة والدعوة والتشاور، كما كانت محلاً للقضاء والإفتاء والعلم والإعلان وغير ذلك من أمور الدين والدولة[12]. يقول طه حسين: “ولم تكن البصرة والكوفة، يومئذ، مجرد مساجد يتعبد فيها المسلمون، ويفصل في أقضيتهم، بل كانت فوق ذلك مدارس يغشاها العلماء لتدريس اللغة والنحو والحديث والفقه، والإخباريون ليقتصوا على سامعيهم أخبار المغازي والفتوح والفتن، وزعماء الأحزاب السياسية والفرق الدينية للجدل والمناظرة، وكان يجلس إلى هؤلاء جميعًا أفناء من الناس ما بين مسلم ويهودي ونصراني ومجوسي، وما بين عربي عاطل مزهو طموح تستهويه فصاحة اللسان، وأعجمي نشيط، ولكنه متبرم بحاله غير راض”[13].

ولا نريد أن نفصل الحديث عنها، في هذه العجالة، كما لا يمكننا أن نغض الطرف عن كثير من الصراعات التي جرت، في الماضي، بين عدد من الأقطاب المعرفية والعلمية، ولكنها سنة الحياة أن يختلف الناس في كثير من أمورهم الدينية والدنيوية. قال تعالى:

﴿ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ ﴾ سورة هود: 118.

ولكن، على الرغم من تلك الخلافات والصراعات، ظل المسجد شامخًا والمجتمع متماسكًا؛ لاسيما وأن المسجد لم يزل يحقق أهدافه ويقوم بالدور المنوط به في شتى المجالات، بلا استثناء، ولم يفقد هيبته ومكانته في نفوس الخاصة والعامة، حيث كان الحكام يهابونه ويرهبون جانبه، وكفى بالمساجد شرفًا ومكانة، لا تدانيها مكانة، أن تخرج فيها فقهاء المذاهب الفقهية الأربعة، أئمة الحديث، الفلاسفة، الأطباء، الفلكيون، المهندسون، الرياضيون،.. فلو لم يخرج المسجد إلا تلكم الصفوة المختارة من أولئك العلماء الأجلاء الذين استضاء الناس بنور علمهم واهتدوا بهديهم، من أهل الفكر السديد والنظر الحديد، لكفاه ذلك فخرًا وتيها، لا يجاريه فيه متنافس أو متبارٍ في هذا المضمار. ولن ننسي أو نتناسى دور المسجد في إعداد القادة العسكريين من قواد الجيوش، قال تعالى:

﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآَخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ * وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ سورة الأنفال:60ـ 61.

فكان ابن الوليد (خالد) وعمرو بن العاص، وسعد بن أبي وقاص، وشرحبيل بن حسنة، وأبو عبيدة عامر بن الجراح…، والقائمة تطول، كما أن الحديث يطول بنا ويتشعب، إن نحن سرنا في دروب التاريخ وماضي الحضارة الإسلامية العريق؛ لذلك سنتوقف هنا لنتحول إلى الحديث عن الحاضر وعن حال المسجد اليوم، يقول شاعرنا أبو البقاء صالح الرندي[14]، ودمعه يتحدر وقلبه يتفطر، حزنًا وألمًا:

لِكُلِّ شَيءٍ إِذا ما تَمّ نُقصانُ * فَلا يُغَرَّ بِطيبِ العَيشِ إِنسانُ

هِيَ الأُمُورُ كَما شاهَدتُها دُوَلٌ * مَن سَرّهُ زَمَن ساءَتهُ أَزمانُ

وقال الشاعر المصري، أحمد شوقي[15]:

مَرَرتُ بِالمَسجِدِ المَحزونِ أَسأَلَهُ * هَل في المُصَلّى أَوِ المِحرابِ مَروانُ

تَغَيَّرَ المَسجِدُ المَحزونُ وَاِختَلَفَت * عَلى المَنابِرِ أَحرارٌ وَعِبدانُ

فَلا الأَذانُ أَذانٌ في مَنارَتِهِ * إِذا تَعالى وَلا الآذانُ آذانُ

تأثير الفن الخطابي:

الخطابة فنٌ نثري، يهدف إلى التأثير في المستمع والعمل على إقناعه لتعديل وتغيير سلوكه بناءً على قوة تأثير حجة الخطيب، ويقوم الفن الخطابي على البلاغة والبراعة والقدرة على ترك بصمات واضحة وبارزة تدفع بالمستمع إلى سلوك مسلك معين ومحدد، ويكفي من حظ البلاغة أن لا يؤتى السامع من سوء إفهام الناطق، ولا يؤتى الناطق من سوء السامع[16]. والخطبة نص شفهي؛ ولذلك، لابد من توفر مواصفات في النص وفي مؤديه ليتحقق الإقناع والتأثير في المتلقي؛ الأمر الذي يقتضي جهارة الصوت وجمال الهيئة وحُسن النبرة وسلامة النطق من العيوب أما النص، فلابد فيه من سهولة اللغة، وأن تراعى فيه المناسبة ومستوى إذراك المخاطب، وعبروا عن ذلك بقولهم: لكل مقامٍ مقال[17]. قال عمر (رض): خطبت، عند زياد، خطبة ظننت أني لم أقصر فيها عن غاية، ولم أدع لطاعن علة، فمررت ببعض المجالس فسمعت شيخًا يقول: هذا الفتى أخطب العرب لو كان في خطبته شئ من القرآن[18]. وقد تفضل الله على نبيه داؤود عليه السلام، حيث قال تعالى:

﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآَتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ ص:20.

﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ الرحمن: 3-4.

من هذا المنطلق يمكننا القول بأن فن الخطابة قد وجد في الدين الإسلامي ضالته المنشودة، حيث توفر لهذا الضرب من فنون الأدب ما لم يتوفر للعديد من الفنون الأخرى، فنما وترعرع وقد أبقى الإسلام على القصيدة الشعرية وفن الخطابة إلا أن القرآن الكريم والأحاديث النبوية كانت وسيلته الإعلامية الأولى؛ مما جعل من الخطابة فنًا مستقلاً قائمًا بذاته، فكان الخطباء يبارون الشعراء بل ويبزونهم في الكثير من الميادين، فصاحة وبيانًا، (عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه قدم رجلان من المشرق فخطبا فعجب الناس لبيانهما فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إن من البيان لسحرا أو إن بعض البيان لسحر)[19]، وقال أحد الشعراء[20]:

إن الكلام لفي الفؤاد وإنما * جعل اللسان على الفؤاد دليلا

لا يعجبنك من خطيب قوله * حتى يكون مع اللسان أصيلا

خطبة الجمعة:

يحتفي المسلمون بالعديد من المناسبات السعيدة على مدار العام، حيث تكون الخطب المنبرية من أهم وأبرز مظاهر تلك الاحتفالات، حيث تحوز الخطبة قصب السبق في يوم عرفة، وفي العيدين، وعند الاستعداد للحرب، وعند استقبال الضيوف، وعند طلب النكاح (الخِطبة مأخوذة من الخُطبة)، وغير ذلك من أنواع الخطب؛ غير أن للمسلمين احتفاء خاص يتكرر بشكل أسبوعي، فهم يحتفون بيوم الجمعة أيما احتفاء، فهو أفضل الأيام لديهم، وتعتبر الجمعة هي العطلة الرسمية في معظم البلاد العربية والإسلامية، ولعل أبرز ما يميز هذا اليوم، عن سواه من أيام الأسبوع، هو تلك الشعيرة المعروفة بصلاة الجمعة، وما تتضمنه من مواعظ وارشادات وحكم تشتمل عليها الخطبة في يوم الجمعة، قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ الجمعة: 9-10.

وجاء في تفسير هذه الآية: يقول تعالى لا تشغلهم الدنيا وزخرفها وزينتها وملاذ بيعها وربحها عن ذكر ربهم الذي هو خالقهم ورازقهم والذين يعلمون أن الذي عنده هو خير لهم وأنفع مما بأيديهم لأن ما عندهم ينفد وما عند الله باق ولهذا قال تعالى:

﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ النور: 37.

أي يقدمون طاعته ومراده ومحبته على مرادهم ومحبتهم[21].

وفي الحديث: (عن أبي هريرة أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة فيه خلق آدم وفيه أدخل الجنة وفيه أخرج منها ولا تقوم الساعة إلا في يوم الجمعة وعنه قال، قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، نحن الآخرون الأولون يوم القيامة ونحن أول من يدخل الجنة بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم فاختلفوا فهدانا الله لما اختلفوا فيه من الحق فهذا يومهم الذي اختلفوا فيه هدانا الله له قال يوم الجمعة فاليوم لنا وغدا لليهود وبعد غد للنصارى)[22].

ولسنا هنا بصدد الحديث عن الجمعة كيوم من سائر الأيام؛ بل نتناولها باعتبارها منبرًا خطابيًا من أهم المنابر الإعلامية السامقة العلو والرفعة، فخطبة الجمعة وثيقة الصلة بالسمو الروحي حيث ينشغل قلب المؤمن بذكر الله دون غيره، قال تعالى:

﴿الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ الرعد:28.

يتوجه المسلمون، يوم الجمعة، صوب المسجد، وقد تطهرت أجسادهم، وتهيأت أرواحهم ونفوسهم لاستقبال الموعظة والإرشاد من قبل الخطيب، الذي لا يقل عنهم، إن لم يبزهم، حماسةً وشوقًا لهذا اللقاء الروحي الذي تحفه الملائكة، فقد جاء في الحديث (… وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه)[23]، بهذا الصفاء الذهني والسمو الروحي ينصت المسلم بكل جوارحه إلى الخطيب وهو يخطب من على المنبر، مرغبًا في السلوك الحسن وحاضًا على التمسك بالخلق القويم، وناهيًا عن سوء الخلق وارتكاب المعاصي، (عن حنظلة قال كنا عند رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فوعظنا فذكر النار قال ثم جئت إلى البيت فضاحكت الصبيان ولاعبت المرأة قال فخرجت فلقيت أبا بكر فذكرت ذلك له فقال وأنا قد فعلت مثل ما تذكر فلقينا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقلت يا رسول الله نافق حنظلة فقال مه فحدثته بالحديث فقال أبو بكر وأنا قد فعلت مثل ما فعل فقال يا حنظلة ساعة وساعة ولو كانت تكون قلوبكم كما تكون عند الذكر لصافحتكم الملائكة حتى تسلم عليكم في الطرق)[24]. إن المتفكر والمتدبر لخطبة يوم الجمعة، والغرض الذي جعلها فرضًا يجب على المسلم القيام به؛ يجد أنها تشتمل على الكثير من الحكم الجليلة والمواعظ البليغة التي تدعو وتدفع بالمسلم إلى السعي الحثيث إلى المساجد لعله يظفر ببعض من تلك الجواهر النفيسة واللآلئ النادرة:

  • محاضرة أسبوعية: تمثل خطبة الجمعة محاضرة أسبوعية قيمة يدعو فيها الخطيب إلى التمسك بالفضيلة والبعد عن الرذيلة، وهي، كذلك، فرصة حقيقية للمسلم للسير في الطريق القويم والمستقيم؛ لما فيها من المعاني النبيلة والعظات الجميلة، (عن أبي هريرة أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، كان يقول الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات ما بينهن إذا اجتنب الكبائر)[25].
  • جامعة مفتوحة: لقد عرف المسلمون هذا النمط من التعليم المفتوح، قبل الجميع، بلا استثناء، وهو تعليم مفتوح، بكل ما يحتمل هذا اللفظ من معنى؛ لأنه شمل كل الفئات في المجتمع، الغني والفقير، الصغير والكبير، الرجل والمرأة…، كما شمل كل ضروب العلم والمعرفة الإنسانية؛ الأمر الذي جعل من الطالب الذي يتخرج في تلك المؤسسة التعليمية الضخمة (المسجد)، بعد إجازته من أساتذته وشيوخه، موسوعة علمية أو دائرة معارف، وهو ضرب من ضروب المعرفة الشاملة ابتعدنا عنه حين تمسكنا بالتخصص، تشبهًا بالغرب وأهله.
  • طاقة روحية: إذا كان الجسد يحتاج منا إلى الغذاء والرياضة البدنية؛ فإن القلب، أيضًا، يكون في أمس الحاجة إلى أن نمده بالطاقة التي تعينه وتساعده على الصبر وتحمل المصائب، فهو بمثابة غذاءٍ روحي، نستخلصه من بين كلمات وعبارات خطبة الجمعة (عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح فكأنما قرب بدنة ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشا أقرن ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر)[26].
  • تأمل فكري: يقول رب العزة تبارك وتعالى:

﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآَنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ الأعراف:204.

وفي الحديث الصحيح: (أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة أنصت والإمام يخطب فقد لغوت)[27]، وفي الحديث، أيضًا، (عن أبي هريرة عن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال من اغتسل ثم أتى الجمعة فصلى ما قدر له ثم أنصت حتى يفرغ من خطبته ثم يصلي معه غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى وفضل ثلاثة أيام)[28]، تحضنا الآية الكريمة السابقة، بالإضافة إلى الحديثين الشريفين، على الاستماع والانصات بغرض التأمل والتدبر، أي يجب ألا تمر عبارات الخطيب وكلماته مرور الكرام، وإنما يتوجب على المسلم التوقف طويلاً للتأمل والتفكر في كل المعاني التي أوردها الإمام في حديثه من على المنبر.

  • النصح والتناصح: تحمل خطبة الجمعة، في طياتها، الكثير من المضامين والقيم السلوكية التي تدعو المسلمين لبذل النصح والارشاد للكل، لاسيما وأن الجمعة يؤمها جمع كبير وعدد غفير من الناس؛ مما يجعل منها قناة إعلامية تستحق من الحكام الاستماع إليها والأخذ بما تضمنته من نصح وتوعية، (عن تميم الداري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الدين النصيحة قلنا: لمن قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم)[29]. وخطب عمر رضي الله عنه فقال: ألا لا تغالوا في صدقات النساء فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله لكان أولاكم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أصدق قط امرأة من نسائه ولا بناته فوق اثنتي عشرة أوقية فقامت إليه امرأة فقالت: يا عمر يعطينا الله وتحرمنا ! أليس الله سبحانه وتعالى يقول: (وَآَتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا) النساء:20. فقال عمر: أصابت امرأة وأخطأ عمر وفي رواية فأطرق عمر ثم قال: كل الناس أفقه منك يا عمر وفي أخرى: امرأة أصابت ورجل أخطأ[30].
  • تلاقح أفكار: يملك المسلم الكثير من الخيارات في اختيار الخطيب الذي يريد سماع خطبته والصلاة خلفه؛ وهو بذلك يمكنه أن يتمتع بقدر كاف من الحرية، بجانب أنه يملك الحق في تقويم الإمام وإصدار الحكم له أو عليه، ولعل في ذلك خدمة تعين الأئمة والخطباء على تحسين وتجويد أدائهم.
  • التطوير والتطور: إن خطبة الجمعة ليست بالجامدة ولا المتحيزة لفئة أو جماعة دون أخرى، وإنما تتسم الخطبة بالكثير من المرونة والتوازن، فهي قابلة لكل ضروب التغيير والتجديد، التي قد تطرأ مع تقدم الزمان؛ الأمر الذي ساعد الخطباء من التوافق مع الكل والتوفيق بين العديد من الطوائف والجماعات المسلمة، لتسهم، بذلك، في تماسك المجتمع المسلم، وقد ورد في الصحيح: (عن أبي موسى عن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: إن المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا وشبك أصابعه)[31]، وأيضًا: (قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى)[32].
  • تعديل للسلوك: لقد اهتم الاسلام والمسلمين بأمر التربية والتعليم منذ اللحظة الأولى للدولة الإسلامية، لاسيما وأن آي الذكر الحكيم والقرآن العظيم قد حثنا على تلقي العلم واكتساب المعرفة بشتى السبل والوسائل، ويكفي الإسلام شرفًا وعزة، أن أول سورة، بل وأول كلمة أنزلت من القرآن العظيم هي، (اقْرَأْ)، قال تعالى:

﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ العلق:1

﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ فاطر:28.

وقد نهض المسجد بمهمة صعبة، ولعب دورًا بارزًا في غرس السلوك الإسلامي والقيم الإنسانية والروحية في نفوس المسلمين (كبارًا وصغارًا)، إذ ارتكز النهج التربوي الإسلامي، في نهضته، على المسجد الذي شكل الدعامة الأساسية الأولى للدعوة لدى المسلمين؛ إذ لم يكن المسجد دار عبادة فحسب، بل موضع تعليم، ودار قضاء، وساحة لاستقبال الوفود، نقطة انطلاق للجيوش. كما لم يقتصر التدريس فيه على العلوم الدينية الشرعية، وإنما شمل جميع ضروب العلم والمعرفة، وقد كان للمسلمين نظام تعليمي واحد تقريبًا عمل على تحقيق وحدة العقيدة والمنهج العلمي بين شتى الأجناس والشعوب التي تألفت منها الدولة الإسلامية، وقد ظهرت مؤسسات تعليمية متعددة كما ظهر مربون أفذاذ سبقوا إلى الإشارة لكثير من حقائق التربية وأصولها قبل كثير من التربويين في العصر الحديث[33].

حال المسجد اليوم:

إن الحسرة لتملأ المتأمل لحال المسجد ودوره اليوم؛ فدوره قد اقتصر على الآذان والهمهمة[34] بالصلاة، لا أكثر ولا أقل، وأن العمل فيه لا يعدو أن يكون سبيلاً للارتزاق وكسب العيش؛ وذلك بعد أن حل الخفير محل الأمير، يقول أبو الأسود الدؤلي[35]:

لا يَصلُحُ الناسُ فَوضى لا سَراةَ لَهُم * وَلا سَراةَ إِذا جُهّالُهُم سادوا

وَالبَيتُ لا يُبتَنى إِلّا لَهُ عَمَدٌ * وَلا عِمادَ إِذا لَم تُرسَ أَوتادُ

فَإِن تَجَمَّعَ أَوتادٌ وَأَعمِدَةٌ * لِمَعشَرٍ بَلغوا الأَمرَ الَّذي كادوا

 

يقول إبراهيم المنزر[36]:

رأيت جهّالهم حكّامهم ومتى * تحكم الجهل آل الشّعب للفشل

تمثل الأبيات السابقة أبلغ وصف يمكن أن يوصف به حال مجتمعاتنا اليوم، قد يكون في ذلك شئ من القسوة ولكنها الحقيقة المؤلمة، والسبب يعود إلى خلو الصفوف الأمامية من العلماء الأجلاء، فاستولت عليها الجهالة الجهلاء، والضلالة العمياء، لعل المنابر اليوم تندب حظها وتشكوا حالها وقد اعتلاها أئمة لا يفرقون بين الفاعل والمفعول، وهجرها أمراء الخطابة من الخطباء الفحول، الذين كانوا أئمة وهداة تهتدي بعلمهم الأرواح والعقول:

ليت شعري أيرجع الأمس عهدًا * غصبته الأيام أي اغتصاب[37]

 لماذا فقد المنبر دوره؟

لا شك في أن الإجابة عن هذا السؤال تحتاج منا إلى كثير من التتبع للمسار الذي سلكته الحضارة الإسلامية أثناء صعودها إلى القمة، ثم تلت تلك المرحلة، مرحلة أخرى هي مرحلة العد التنازلي، غير أن من المؤكد أن المسجد قد لعب الدور الأبرز والأهم في المرحلتين، فقد اطلع المسجد، في السابق، بمهام جسام وعظام أسهمت أيما إسهام في نهضة وصعود الحضارة العربية الإسلامية، أما وقد تخلينا عن المسجد، إلا كمكان للهمهمة والدعاء فقط؛ وبذلك يكون المسجد قد تراجع وتقهقر كثيرًا عن القيام بجزء كبير من مهامه الجليلة والعظيمة؛ مما جعلنا (المسلمين)، نقبع في ذيل الأمم.

 تأثير دور العبادة:

إن الناظر الباحث في علاقة دور العبادة، في الديانات السماوية الثلاث: اليهودية (الكنيس)، المسيحية (الكنيسة)، الإسلام (المسجد)؛ بالدولة، ونعني بها النظم السياسية الحاكمة، يجد أن العلاقة تقوم على الشد والجذب بين الطرفين، رجال الدين من جانب، ورجال السياسة (الحكام) من جانب آخر. فالحكام يريدون أن يسترضوا رجال الدين ويتجنبوا سخطهم بما لديهم من قوة تكمن في تأييد العامة من الشعب لهم، وفي ذات الآن نجد أن من بين رجال الدين كثيرين، يمالئون الحكام ويصانعونهم درءًا لأي صدام معهم؛ وذلك خوفًا على مناصبهم أو خشية بطشهم وقوة سلطانهم، فالعلاقة بين الطرفين أشبه بشعرة معاوية، كلما شدها طرف رخاها الآخر. وإن نحن أنعمنا النظر، في أسس وقواعد تلك اللعبة، فستتجلى لنا تلك القوة والقبضة الحديدية لرجال الدين، والمتمثلة في قوة الكنيس اليهودي واطباقه على مفاصل الدولة الإسرائيلية، ويكفي أن نتدبر دلالة الاسم (اسرائيل)، وهو سيدنا يعقوب ابن اسحاق بن إبراهيم، عليهم السلام، ولم يكتف اليهود بذلك بل اشترطوا على الفلسطينيين الاعتراف بإسرائيل دولة يهودية، ولا اعتقد أن قوة الكنيس، تخفى على ذي بصيرة. كذلك، تتجلى قوة الكنيسة وسيطرتها في العديد من المظاهر، منها: قوة ومكانة البابا، والقوة الاقتصادية للكنيسة، وقد يعتقد الكثيرون أن أوربا والغرب، بشكل عام، قد تخلى عن الدين، وأسس ثقافته الحديثة على أساس علماني إلحادي، وبذلك يكون قد أبعد الكنيسة عن السياسة، بحيث يصبح الدين شأن شخصي؛ مما يعني أن الغرب قد انعتق من سلطة المعتقد الديني، وانتهج في سيرته الخاصة والعامة منهجًا ماديًا إلحاديًا لا يشغل الناس فيه سوى تحسين مستواهم المادي…، دون الالتفات إلى دين أو ثواب. إن مثل هذا الظن، بلا أدنى شك، بعيد كل البعد عن الحقيقة ومن يقول بذلك يحكم على الأمور بمظهرها دون التعمق في مخبرها[38]؛ لاسيما وأن الصلة بين الدين والدولة علاقة أزلية لم ولن تنفصم عراها في أي وقت؛ لأن ذلك أمر من الصعب بل يمكن القول بأنه مستحيل تماماً الفصل بينهما، فكل منهما يعتمد على الآخر في تحقيق مآربه وطموحاته، وقديماً قيل (الناس على دين ملوكهم)، فمثلاً، في أمريكا، وعلى الرغم من فصل الكنيسة (الدين) عن الدولة، بنص الدستور، إلا أن هذا لم يؤد إلى فصل الدين عن السياسة[39]، كما أن تأثير الدين في الحياة الأمريكية امتد ليمتزج بالتعليم والطب والأعمال والفنون والسياسة…، وليس ثمة شئ ينجو من قبضة الدين وأن جميع الجهود قد ذهبت هباءً أدراج الرياح، فعن طريق الدين يمكن القيام بكل شئ[40]، ولا يقتصر الأمر على أمريكا وحدها، فبالإمكان رؤية الأثر الديني في رايات ورموز الدول الأوربية المرفوعة في: إنجلترا، السويد، الدنمارك، النرويج، سويسرا، اليونان…، فعلامة الصليب لا تكاد تخفى على الناظر ونراه في الأحزاب الحاكمة في: ألمانيا، إيطاليا، هولندا، النمسا، على سبيل المثال لا الحصر.

والسؤال الذي يطل ويبرز بإلحاح، كيف أنهى الغرب تلك الحرب الضروس التي دارت رحاها بين الكنيسة والدولة؟ والإجابة، تتضح في المنهج والمبدأ الماكيافيللي (الغاية تبرر الوسيلة)، الذي انتهجته الكنيسة؛ لتحقيق مآربها الدينية، لاسيما وأن للدين مكان بارز في الدولة، لا على أساس صحته، بل من حيث كونه دعامة اجتماعية ليس إلا، ويقول ماكيافيللي، منتقدًا الكنيسة،: كلما كان الناس أقرب للكنيسة،…، كانوا أقل تدينًا[41]، وقد تخلت الكنيسة عن تعنتها وتصلبها، وعملت على تقبل الحقائق العلمية التي لم تكن تقبلها من قبل، كما أن هذه المؤسسة الدينية قد سعت إلى مزج تعاليم الكتاب المقدس بالتعليم الحديث؛ مما ضيق الهوة وقرب الشقة بينها وبين الحكام السياسيين[42].

 مميزات المسجد:

إن الناظر إلى المسجد، اليوم، يلاحظ أنه يتمتع بكثير من المميزات التي يمكن أن يستفاد منها؛ إن أُحسن استغلالها:

1-تمتاز المساجد بالسعة، وجودة البناء أي أنها مهيأة لاستقبال أكبر عدد من طالبي العلم.

2- من السهل الاستفادة من المساجد في كثير الأعمال التي يمكن أن تفيد المجتمع.

3- تتميز المساجد بالنظافة والتهوية الجيدة من حيث الناحية الصحية.

4- للمساجد مكانة قدسية سامية وسامقة في نفوس وقلوب المسلمين، وحتى غير المسلمين.

5- من السهل حث الناس على البذل والعطاء لإعمار بيوت الله.

6- يتوفر الكثير من المال الذي يمكن أن يدعم ويمول الأفكار المفيدة.

7- سهولة ويسر الوصول إلى المسجد دون عناء يذكر.

8- يؤم الكثير من الناس المساجد طلبًا للأجر والثواب.

9- يؤم المساجد علماء كثر ذوو تخصصات علمية ومعرفية مختلفة يمكن أن تفيد الجميع.

10- يسهم المسجد بقدر وافر في تغيير سلوك المجتمع بتقبل الناس للنصح والارشاد.

11- توفر أعداد كثيرة، يمكن استغلالها لتغير سلوك المجتمع.

وبجانب هذا وذاك هناك العديد من السمات والمميزات، غير المرئية أو المنظورة، للمسجد؛ تتمثل في حاجة المسلم إلى التقرب إلى الله تعالى بعمل الخير، من هذا الباب، فإن كل مسلم يأمل في أن يكون ممن يعملون على تحقيق قوله تعالى:

﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ سورة البقرة:261

﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآَتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ البقرة: 265.

﴿يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ البقرة: 274.

لقد سعت هذه الورقة البحثية، بكل جد، إلى ابراز السمات المميزة للمساجد؛ وذلك من أجل جعل المسجد منارة للإشعاع العلمي والمعرفي، يلتف حولها كل أفراد المجتمع؛ لما تتميز به من مميزات وسمات، تعين على تحقيق العديد من المرامي والأهداف السامية نحو:

أ‌- قلة التكلفة المادية، لأن الأمر تكافلي، لاسيما وأن المنفق هدفه الثواب والأجر من الله، قال تعالى:

﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا﴾ سورة المزمل:20.

﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُون﴾ سورة البقرة: 272.

ب‌- عدم الشعور بأي قدر من العناء والارهاق البدني؛ لأن العمل هنا يقوم على حب الخير، قال تعالى:

﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ آل عمران: 104.

﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ آل عمران: 114.

ج- الاستفادة من جهود العلماء، في ما هو مفيد للمجتمع المسلم، قال تعالى:

﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ سورة التوبة: 122.

د- اشباع هواية حب القراءة كوسيلة للمعرفة لدى الصغار والكبار، قال تعالى:

﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ سورة العلق:1-5.

ه- التعاون وتبادل الخبرات بين أفراد المجتمع المسلم، قال تعالى:

﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَاب﴾ المائدة:2.

(عن أبي موسى قال، قال: رسول الله، صلى الله عليه وسلم، المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا)[43].

و- الاستفادة من خبرات المعاشيين (المتقاعدين) في المجتمع، كل في مجاله.

ز- الاستفادة من طاقات الشباب الخلاقة والمبدعة، ونذكر، هنا، أسامة بن زيد، والملقب بالحب ابن الحب، وهو يقود جيش المسلمين وهو في الثامنة عشر من عمره.

ح- تنظيم المسابقات الثقافية والعلمية والرياضية، فقد حضنا رسولنا الكريم على التنافس: (مر النبي، صلى الله عليه وسلم، على نفر من أسلم ينتضلون فقال النبي، صلى الله عليه وسلم، ارموا بني إسماعيل فإن أباكم كان راميًا ارموا وأنا مع بني فلان قال فأمسك أحد الفريقين بأيديهم فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ما لكم لا ترمون قالوا كيف نرمي وأنت معهم فقال النبي، صلى الله عليه وسلم، ارموا فأنا معكم كلكم)[44].

ط- تحسين أوضاع المرأة وتطوير قدراتها العلمية والثقافية، فقد قال صلى الله عليه وسلم،: (استوصوا بالنساء خيرا)[45].

ي- ربط المسجد بأسباب التقنية الحديثة، مما سيسهم في تطوير وترقية المجتمع المسلم، وقد ورد في الأثر: (من سلك طريقا يطلب فيه علما سلك الله به طريقا إلى الجنة وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضا لطالب العلم وإنه ليستغفر للعالم من في السماوات والأرض حتى الحيتان في الماء وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب إن العلماء هم ورثة الأنبياء لم يرثوا دينارا ولا درهما وإنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر)[46].

ك- تحقيق الوسطية والقضاء على الأفكار المتطرفة، قضاءً تامًا، وقد، روي أن النبي، صلى الله عليه وسلم، ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما[47]، كذلك قال أبو جعفر المنصور، عقب توليه الحكم، للإمام مالك: لم يبق للناس إلا أنا وأنت، وها أنا قد شغلتني أمور الحكم، فاكتب للناس كتابًا ووطئه لهم توطئة، وتجنب فيه رخص ابن عباس، وشوارد ابن مسعود وشدائد ابن عمر.

خاتمة البحث:

في خاتمة هذه الدراسة يطمح الباحث إلى أن يكون قد قدم للمجتمع المسلم اضاءة وتوضيحًا لمفهوم المسجد ودوره في تغيير السلوك، سواء أكان ذلك السلوك سلوكًا فرديًا أو سلوكًا جماعيًا، كما يأمل الباحث في أن يمثل هذا البحث القوة الدافعة والمحركة للمنابر والمساجد فتنتفض تلك المساجد لكي تعود لها هيبتها ومكانتها وأن يعتلي منابرها علماء الأمة وفقهاؤها الأجلاء من ذوي العلم والمعرفة الموسوعية.

لقد سبقت الإشارة إلى ما تتمتع به المساجد من سمات مميزة، تؤهلها للعودة لسابق عهدها؛ حينما كانت قبلة لطلاب العلم والمعرفة، مما صنع منها جامعات مفتوحة. وبهذا نأمل أن يوفقنا الله تعالى لكي نتمكن من العمل على تغيير تلك الصورة النمطية والتقليدية للمسجد كمكان لرفع الأذان والهمهمة بالصلوات، بل لابد من أن نجعل من تلكم الأماكن الطاهرة والمقدسة مكانًا للبحث العلمي، وقبلة للعلماء في جميع التخصصات، دون استثناء لعلم من العلوم الإنسانية؛ الأمر الذي لابد وأن ينعكس في صورة مجموعة من الأنشطة، العلمية، الثقافية، الفكرية، السياسية، الاقتصادية،…، وبذلك نكون قد عززنا دور الإعلام في ترسيخ الوسطية وتحقيق الأمن والسلام. باعتبار أن المساجد منابر إعلامية ومراكز إشعاع علمي ومعرفي.

لقد سعى هذا البحث، من خلال مقترحاته، إلى محاولة تقديم بعض الآراء والأفكار التي ربما ساعدت في تغيير ذلكم المفهوم النمطي والتقليدي القديم؛ من خلال ما تتبناه من مفهوم مختلف، في مضمار تعليم اللغة العربية التي تمثل السبيل الأمثل لفهم العقيدة الإسلامية؛ لذلك لابد من:

  • أن يعتلي المنابر العلماء الأجلاء، من شتى ضروب العلم والمعرفة الإنسانية.
  • أن تعود للمنابر هيبتها القدسية ومكانتها الروحية والعلمية.
  • أن يكون للمنابر الدور الأبرز في تشكيل حياة المجتمع الإنساني وتعديل سلوكه.
  • أن تصبح المساجد جامعات مفتوحة لكل ضروب العلوم والمعارف الإنسانية.
  • أن يعود المسلمون، من خلال المنابر، إلى تسلم وتسنم موقعهم القيادي والريادي.

توصيات ومقترحات:

إن المتتبع لاستراتيجية التعليم في اطارها العام، والمتبعة في دول العالم الإسلامي، يجد أنها تعتمد أسلوبًا نمطيًا، يقوم على تقسيم التعليم (التعليم العالي) إلى كليات علمية (عملية) وأخري أدبية (نظرية)، أي أن هناك كليات قمة وكليات… لا أدري ماذا أسميها، والفرق بين تلك الكليات هو أن الأولى تستقطب الطلاب الحاصلين على الدرجات العالية، بينما الثانية تنتظر ما تبقى أي ما يفيض عن القدرة الاستيعابية للكليات العلمية. ولكن، لماذا؟ والإجابة هي: أن خريجي كليات القمة يستوعبهم سوق العمل بشكل سريع بينما يقف خريجو الكليات الأخرى في صفوف العطالة والبطالة. إذًا هناك مشكلة ومعضلة عويصة تحتاج منا إلى أن نقف عندها وقفة من يسعى جاهدًا لحل هذه الأزمة التي انعكس أثرها على كل مناحي الحياة الاجتماعية في بلادنا، والحل ربما يتوفر في القيام بخطوة جريئة تتمثل في تغيير فلسفة التعليم، الذي ظل، ولا يزال، جاثمًا على صدر المجتمع لعهود طويلة حتى كاد يخنقها، هذا إن لم يكن قد فعلها بالفعل[48]. يقول البرت آينشتاين: لقد كان على المرء أن يحشو عقله بكل هذه المواد، سواء أكان يحبها أم لا، وكان لهذا الإجبار أثر بلغ من سوئه عليّ، أنني وجدت، عندما اجتزت الامتحان النهائي، أن أنظر في أي مشكلات علمية أمر بغيض لمدة عام كامل[49]. فإذا كان هذا هو حال واحد من أكبر وأبرز علماء الإنسانية في القرن العشرين؛ فكيف هو حال طلابنا الذين يعانون الأمرين اليوم؟!!. وعليه فقد سعت هذه الدراسة إلى تبني فلسفة تدعو إلى التغيير، أي الثورة على الأسلوب النمطي والتقليدي القديم؛ وذلك من خلال تبني أهداف تعليمية تعمل على استغلال ذلك النهم المعرفي الذي تزخر به عقول طلاب التعليم العالي؛ تلك الأذهان المتطلعة والمتعطشة إلى اكتساب العلوم والمعارف، وليس في الأمر الكثير من الصعوبة، بل على العكس فالأمر في منتهى اليسر والسهولة، ولكنه يحتاج إلى شئ من الجرأة التي قد لا يتحملها الكثيرون من ذوي الأفكار والعقول النمطية التي تأبى أن تتبنى كل مقترح جديد، بيد أني سأحاول أن اتسم بتلك الجرأة، وأن أقدم مقترحات جريئة، أعلم أن سيكون لها الكثير من الصدى، ولكن لا سبيل إلى الاصلاح إلا من خلال تبني أفكار تتسم بقدر كبير من القوة مهما جابهت أو وجدت من الآراء المعارضة لها. وخلاصة فلسفة الفكرة التي ندعو مؤسسات ووزارات التعليم العالي إلى تبنيها هي، أن يتبنى التعليم العالي، في دول العالم الإسلامي، فلسفة مغايرة في مجال القبول في مجالات اللغة العربية والدراسات الإسلامية وأصول الدين، وغيرها من التخصصات المرتبطة بالعقيدة، ولسنا من دعاة الهدم، وإنما نحن دعاة تغيير نحو الأفضل؛ لأننا ننادي بالتطبيق التدريجي وليس بضربة لازب، وها نحن نقدم مقترحات ثلاث:

  • العمل على تحديث وتطوير مناهج كليات اللغة العربية والدراسات الإسلامية، هذا من ناحية، أما الخطوة التالية فهي العمل على توزيع تلك المناهج، مقررات اللغة العربية والدراسات الإسلامية، على سنوات دراسة الطلاب في جميع التخصصات النظرية والعملية، على السواء، بحيث يتخرج الطالب، في الجامعة، وهو مؤهل مرتين، مرة في تحصصه وأخرى في مجال اللغة العربية والدراسات الإسلامية؛ وبهذا نكون قد حققنا هدفين مهمين: الأول أننا قد تخلصنا، تمامًا، من ازدواجية التعليم والمنهج. والثاني: رفعنا من كفاءة طلابنا العلمية والمعرفية.
  • هناك إجحاف واضح وبيَّن تعاني منه أقسام وكليات اللغة العربية وأصول الدين وغيرها من كليات الدراسات الإسلامية والشرعية، ويتمثل ذلك الحيف والظلم في تلك النسب (المجاميع/الدرجات) المتدنية التي يستوعب بها طلاب تلك الكليات والأقسام. وهذا الاقتراح سيسهم في حل تلك المشكلة، ومجمل الفكرة تقوم على تحويل تلك الأقسام والكليات إلى دراسات عليا، فقط، يأتيها الطالب وهو مدفوع برغبة حقيقية وذخيرة معرفية واسعة، في اللغة والدراسات الإسلامية، اكتسبها في المرحلة الجامعية، وفوق ذلك سيتخرج الطالب في مجال تخصصه الذي اختاره في البكالوريوس، ولا يداخلنا أدنى شك في أن هذا المقترح سيسهم بشكل فعال في كسر الحواجز، المصطنعة، بين العلوم الحديثة، وبين مناهج اللغة العربية والدراسات الإسلامية وبالتالي ستظهر إلى الوجود نوعية مختلفة من الأذهان تختلف عن الأنماط الذهنية القديمة؛ مما سيكون له أثره الإيجابي على حياة المجتمع المسلم.

ج- استغلال الأعداد غير القليلة من المساجد، لاسيما في فترات العطلات الصيفية والأسبوعية، في تعليم اللغة العربية والدراسات الإسلامية، من خلال بناء وتصميم مناهج تعليمية محددة وواضحة المعالم، تصمم وتعد من قبل مؤسسات التربية والتعليم، في الدولة، وأن يقوم على تنفيذ تلك المهمة معلمون تتوفر فيهم سمات وصفات الكفاءة، الأمانة، وحب وعشق تعليم اللغة العربية والدراسات الإسلامية. ولا يقف المقترح عند هذا الحد وإنما نضيف إليه وسائل الإعلام، بأشكالها وأصنافها المختلفة، والتي يمكنها أن تسهم بقدر وافر لا يستهان به في مجال نشر اللغة العربية وجميع ما يتعلق أو يرتبط بالعقيدة الإسلامية.

ولكي لا نتهم من قبل البعض بأننا نعمل على تقويض وهدم ذلكم الصرح التعليمي القائم على النمط القديم؛ سنورد هنا بعض الخطوات التي يمكن أن تسهم في الانتقال من النمط القديم إلى الفكرة التي ندعو إلى تبنيها والاهتمام بتطبيقها في شئ من السلاسة وعدم التعقيد:

1- البدء بعدد قليل من المساجد، بحيث تمثل نموذجًا يحتذى به؛ ومن ثم يمكن التوسع في تطبيق الفكرة بشكل تدريجي حتى يشمل معظم أو جميع المساجد في المدينة والدولة بكاملها، والعالم الإسلامي أجمع.

2- عدم التقيد بتخصص بعينه، بل لابد من الاستعانة بذوي الخبرات والكفاءات من العلماء بمختلف تخصصاتهم العلمية والمعرفية، لاسيما ذوي العلم والمعرفة، في كل حي ومدينة، الأمر الذي سيعينهم على ملأ فراغهم بما هو مفيد لهم في الدنيا والآخرة.

3- الاستفادة من الأفكار والخبرات المتراكمة لدى العديد من أساتذة الجامعات، وحثهم على تخصيص جزء يسير من وقتهم الثمين، من أجل المساهمة في خدمة وتطوير مجتمعاتهم.

4- حث رجالات المال والأعمال على تقديم يد العون والمساعدة ببعض المال أو الأشياء العينية؛ مساهمة منهم في تحسين أوضاع المجتمع الذي يعيشون فيه.

5- الاستفادة من الطفرة التقنية التي تنتظم العالم، اليوم، بحيث يمكن توفير بعض آليات الاتصال الحديثة: هواتف، محطة إذاعية وتلفزيونية داخلية، وصحيفة حائطية، يمكن لهواة الأدب والإعلام إشباع هوايتهم الإعلامية من خلالها.

6- العمل على دراسة الفكرة وتقويمها، بين الفينة والأخرى، بهدف مواكبة التطور والتقدم المتواصل.

7- حث العلماء على التبرع بثرواتهم ومقتنياتهم من الكتب والمكتبات، لتأسيس مكتبات عامة وجعلها أوقافًا تعين الباحثين وطلاب العلم، سواء أكانت تلك المكتبات ورقية أو إلكترونية، فلكل فائدته.

8- المساعدة بتقديم العون، المجاني، بتدريس المقررات الدراسية التي قد يحتاج التلاميذ والطلاب إلى المساندة والدعم فيها.

9- العمل على تحديد أهداف واضحة ومحددة الأطر والمعالم، من قبل ذوي الخبرات والكفاءات العلمية المعرفية في مجالات: التربية، الاجتماع، القانون، الفقه، الاعلام، وغيرها من مجلات العلم والمعرفة.

10- على المجتمع استغلال تلك المساجد، التي غدت منارات ومراكز اشعاع علمي ومعرفي، لتحقيق الوسطية في مجتمع الفضيلة (المجتمع الفاضل).

11- إن رواد المساجد هم طلاب العلم والمعرفة الحقيقيون، بينما طلاب الجامعات وغيرها من مؤسسات التعليم الأخرى؛ فهم طلاب شهادات ووظائف، وهنا نذكر بتلك الآية الكريمة التي عاتب بها ربّ العزة تبارك وتعالى بها نبيه الكريم، عليه أفضل صلاة وأتم تسليم، حين قال:

(وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى * وَهُوَ يَخْشَى * فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى) عبس: 8-10.

 


مصادر الدراسة

  • ابن حبان، محمد بن حبان بن أحمد أبو حاتم التميمي: صحيح ابن حبان ج4، مؤسسة الريالة (بيروت) 1993م.
  • ابن كثير، اسماعيل بن عمر: تفسير ابن كثير ج3، دار الفكر (بيروت) 1401هـ.
  • ابن حنبل، أحمد بن حنبل أوب عبد الله الشيباني: مسند أحمد بن حنبل ج5، مؤسسة قرطبة للنشر (مصر).
  • ابن حنبل، أحمد بن حنبل أوب عبد الله الشيباني: مسند أحمد بن حنبل ج5، مؤسسة قرطبة للنشر (مصر).
  • ابن هشام: السيرة النبوية، ج:2، المكتبة العلمية (بيروت).
  • أنيس منصور: الخالدون مئة أعظمهم محمد، المكتب المصري الحديث (القاهرة).
  • البخاري، محمد بن إسماعيل أبو عبد الله البخاري، صحيح البخاري ج1،3،6،:ص2176، دار ابن كثير (بيروت) 1987م.
  • الجاحظ، عمرو بن بحر الجاحظ: البيان والتبيين، ج:1،2، دار صعب (بيروت).
  • الجصاص، أحمد بن علي الرازي الجصاص: أحكام القرآن للجصاص ج1، دار إحياء التراث العربي (بيروت) 1405هـ.
  • الشهاب، محمد بن سلاة بن جعفر أبو عبد الله القضاعي: مسند الشهاب ج1.
  • الطبري، محمد بن جرير بن يزيد بن خالد الطبري: تفسير الطبري، ج4، دار الفكر، (بيروت 1405ه).
  • القرطبي، محمد بن أحمد النصاري القرطبي: تفسير القرطبي ج18، دار الشعب (القاهرة).
  • جودت الركابي: في الأدب الأندلسي،، دار المعارف (مصر) 2008م
  • دين كيث سايمنتن، العبقرية والابداع والقيادة، ترجمة: شاكر عبد الحميد، عالم المعرفة الكويت 1993م.
  • رسل، برتراند رسل: تاريخ الفلسفة الغربية، ج:3، الهيئة المصرية العامة للكتاب (القاهرة)2001م
  • عون الشريف قاسم: الدين في العالم العربي، مجلة الدوحة القطرية، نوفمبر / 1980م.
  • مسلم، مسلم أبو الحسن القشيري النيستبوري: صحيح مسلم، ج1،2،4، دار إحياء التراث العربي (بيروت).
  • يوسف الحسن: البعد الديني في السياسة الأمريكية، (بيروت)، ط:1، 1990م.
  • الموسوعة العربية العالمية، إصدار 2004م.
  • موسوعة الشعر العربي الإصدار الأول 2009م، ص: 172. arpoetry.com

[1]/ محمد بن إسماعيل أبو عبد الله البخاري: صحيح البخاري ج1، ص: 128، دار ابن كثير (بيروت) 1987م.

[2]/ فاروق مجدلاوي: الإدارة الإسلامية في عهد عمر بن الخطاب، ص: 53، (عمان – الأردن) 1998م

[3]/ تفسير الطبري ج4/ص29.

[4]/ صحيح البخاري ج6/ص2491

[5]/ أنيس منصور: الخالدون مئة أعظمهم محمد، ص: 11، المكتب المصري الحديث (القاهرة).

[6]/ مسند الشهاب ج1/ص108.

[7]/ ابن هشام: السيرة النبوية، ج:2، ص: 496، المكتبة العلمية (بيروت).

[8]/ مسلم، مسلم أبو الحسن القشيري النيستبوري: صحيح مسلم، ج2/ص1015، دار إحياء التراث العربي (بيروت).

[9]/ عبد الحميد الشلقاني: الأصمعي اللغوي، ص: 28، دار المعارف (مصر) 1982م.

[10]/ صحيح البخاري ج1:ص168.

[11]/ ابن حبان، محمد بن حبان بن أحمد أبو حاتم التميمي: صحيح ابن حبان ج4:ص477، مؤسسة الريالة (بيروت) 1993م.

[12]/ الموسوعة العربية العلمية، اصدار: 2004م

[13]/ عبد الملك بن قريب الباهلي: الأصمعي اللغوي، ص: 28، دار المعارف (مصر) 1982م.

[14]/ صالح بن يزيد بن صالح أبو البغاء الرندي، ص: 34، دار المعارف (مصر) 2008م

[15]/ ديوان أخمد شوقي: موسوعة الشعر العربي الإصدار الأول 2009م، ص: 172. www.arpoetry.com

[16]/ الجاحظ، عمرو بن بحر الجاحظ: البيان والتبيين، ج:1، ص: 61، دار صعب (بيروت).

[17]/ الموسوعة العربية العلمية، إصدار 2004م

[18]/ الجاحظ: البيان والتبيين، ص: 216، ج:2.

[19]/ البخاري، محمد بن إسناعيل أبو عبد الله البخاري، صحيح البخاري ج5:ص2176، دار ابن كثير (بيروت) 1987م.

[20]/ الجاحظ: البيان والتبيين، ج:1، ص: 123.

[21]/ ابن كثير، اسماعيل بن عمر: تفسير ابن كثير ج3/ص296، دار الفكر (بيروت) 1401هـ.

[22]/ القرطبي، محمد بن أحمد النصاري القركبي: تفسير القرطبي ج18:ص91، دار الشعب (القاهرة).

[23]/ مسلم: صحيح مسلم ج4/ص2074.

[24]/ مسلم: صحيح مسلم ج4/ص2107.

[25]/ مسلم، مسلم أبو الحسن القشيري النيستبوري: صحيح مسلم ج1/ص209، دار إحياء التراث العربي (بيروت).

[26]/ البخاري: صحيح البخاري ج1/ص301.

[27]/ البخاري: صحيح البخاري ج1:ص316.

[28]/ مسلم: صحيح مسلم ج2:ص587.

[29]/ مسلم: صحيح مسلم ج1:ص74.

[30]/ تفسير القرطبي، ج5، ص:95.

[31]/ البخاري: صحيح البخاري ج1/ص182.

[32] مسلم: صحيح مسلم ج4/ص1999

[33]/ الموسوعة العربية العالمية، إصدار 2004م.

[34]/ ذكرت كلمة (الهمهمة بالصلاة)، لما روي عن عمر (رض)، أنه قد طلب إلى رجل بأن يأتيه بمن يدعم موقفه لديه، فذهب الرجل وأتى برجل ادعى أنه يعرفه. فسأله عمر (رض): هل سافرت معه؟، فقال: لا. هل تعاملت معه في مال أو تجارة؟، قال: لا. هل جاورته في سكن؟، قال: لا. قال عمر (رض): أظنك رأيته قائم في المسجد يهمهم بالصلاة. ورفض شهادته.

[35]/ أبو الأسود الدؤلي، موسوعة الشعر العربي الإصدار الأول 2009م، ص: 172. www.arpoetry.com.

[36]/ إبراهيم المنزر، موسوعة الشعر العربي الإصدار الأول 2009م، ص: 172. www.arpoetry.com

[37]/ علي الجارم: موسوعة الشعر العربي الإصدار الأول 2009م، ص: 172. www.arpoetry.com.

[38] / عون الشريف قاسم: الدين في العالم العربي، مجلة الدوحة القطرية، ص: 22ـ نوفمبر1980م.

[39]/ بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، قال بوش الابن: (إنها الحرب المقدسة)، ثم تراجع عنها.

[40] / يوسف الحسن: البعد الديني في السياسة الأمريكية، ص:67، (بيروت)، ط:1، 1990م.

[41]/ رسل، برتراند رسل: تاريخ الفلسفة الغربية، ج:3، ص: 28الهيئة المصرية العامة للكتاب (القاهرة)2001م

[42]/ أود أن أشير إلى سيطرة المؤسسة الدينية (المسجد)، التي يسيطر عليها الكثير من ذوي العقول المتحجرة، التي لا زالت تتشبث بحرفية النص، وتفسيره على ضوء ما يسمى لديهم بالعصر الذهبي للإسلام.

[43]/ صحيح مسلم ج4/ص1999.

[44]/ صحيح البخاري ج3/ص1062.

[45]/ صحيح مسلم ج2/ص1091.

[46]/ مسند أحمد بن حنبل ج5/ص196.

[47]/ الجصاص، أحمد بن علي الرازي الجصاص: أحكام القرآن للجصاص ج1/ص277، دار إحياء التراث العربي (بيروت) 1405هـ.

[48]/ المصدر السابق، ص: 67.

[49]/ دين كيث سايمنتن، العبقرية والابداع والقيادة، ترجمة: شاكر عبد الحميد، عالم المعرفة الكويت 1993م، ص: 99.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.