منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

أشد الناس بلاء

أشد الناس بلاء/ أنيسة بنعيم سحتان

0

أشد الناس بلاء

أنيسة بنعيم سحتان

على قدر الإيمان يكون البلاء والامتحان، فأشد الناس بلاء أشدهم إيمانا عن مصعب بن سعد، عن أبيه، قال: قلت: يا رسول الله «أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلَاءً؟ قَالَ: «الأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الأَمْثَلُ فَالأَمْثَلُ، فَيُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَإِنْ كَانَ دِينُهُ صُلْبًا اشْتَدَّ بَلَاؤُهُ، وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَمَا يَبْرَحُ البَلَاءُ بِالعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الأَرْضِ مَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ»)[1](

وفي حديث آخره للسيوطي في الجامع الصغير عن أخت حذيفة بن اليمان فاطمة أو خولة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « أشدُّ النّاسِ بَلاءً الأَنْبِياءُ ثمَّ الصَّالِحُونَ ثمَّ الأَمْثَلُ فالأَمْثَلُ »)[2]( والمقصود بالأمثل فالأمثل: الأشرف فالأشرف والأعلى فالأعلى رتبة ومنزلة في الدين والفضل.

وقال الراغب الأصفهاني: والأمثل يعبر به عن الأشبه بالأفاضل، والأقرب إلى الخير، وأماثل القومِ: كناية عن خيارهم)[3]( .

وإنما كان أكثر الناس بلاء ، أي: محنة (الأنبياء) المراد بهم: ما يشمل الرسل وذلك لتتضاعف أجورهم وتتكامل فضائلهم ويظهر للناس صبرهم ورضاهم فيقتدى بهم ولئلا يفتتن الناس بدوام صحتهم فيعبدوهم (ثم الأمثل فالأمثل) أي: الأشرف فالأشرف والأعلى فالأعلى لأن البلاء في مقابلة النعمة فمن كانت نعمة الله عليه أكثر فبلاؤه أشد ولهذا ضوعف حد الحر على العبد فهم معرضون للمحن والمصائب وطروق المنغصات والمتاعب ويشمل كل ما يتأذى به الإنسان (يبتلى الرجل على حسب دينه) أي: بقدر قوة إيمانه وشدة إبقائه وضعف ذلك (فإن كان في دينه صلبا) أي: قويا (اشتد بلاؤه) أي: عظم للغاية (فإن كان في دينه رقة) أي: ضعف ولين (ابتلي على قدر دينه) أي: ببلاء هين لين (فما يبرح البلاء بالعبد) أي: الإنسان ( حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه من خطيئة) كناية عن سلامته من الذنوب وخلاصه منها كأنه كان محبوسا فأطلق وخلى سبيله فهو يمشي وما عليه بأس)[4]( .

أ: ابتلاء النبي محمد صلى الله عليه وسلم

لقد نال نبينا محمد صلى الله عليه وسلم من المحن والابتلاءات ما نال إخوانه الأنبياء والسابقين، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «مَا أُوذِيَ أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوذِيتُ فِي اللهِ»)[5]( بل أشد من ذلك. قوله تعالى: “لَقَدُ اُ۟سْتُهْزِۓَ بِرُسُلٖ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالذِينَ سَخِرُواْ مِنْهُم مَّا كَانُواْ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَۖ “[ الأنبياء: 41 ] بمعنى “لَقَدُ اُ۟سْتُهْزِۓَ بِرُسُلٖ مِّن قَبْلِكَ فَحَاق”( أي: فحل ونزل ” بِالذِينَ سَخِرُواْ مِنْهُم”  أي: جزاء   “مَّا كَانُواْ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَۖ” أي: سلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن استهزائهم بأن له في الأنبياء أسوة، وأن ما يفعلونه به يحيق بهم، كما حاق بالمستهزئين بالأنبياء ما فعلوا)[6]( . وقوله عز وجل: “مَّا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَۖ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٖ وَذُو عِقَابٍ اَلِيمٖۖ “[ فصلت: 42 ] بمعنى: ” مَّا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَۖ”  أي: ما يقول لك كفار قومك، إلا ما قد قال الكفار للرسل قبلهم من الكلام المؤذي، والطعن فيما أنزل الله “إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٖ وَذُو عِقَابٍ اَلِيمٖۖ” أي: إن ربك يا محمد لهم الغفور لذنوب المؤمنين، ذو العقاب الشديد للكافرين، ففوض أمرك إليه فإنه ينتقم لك من أعدائك، ثم ذكر تعالى تعنت الكافرين ومكابرتهم للحق بعد سطوعه وظهوره)[7]( .وقوله سبحانه: “وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٞ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَيٰ مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّيٰٓ أَت۪يٰهُمْ نَصْرُنَاۖ وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَٰتِ اِ۬للَّهِۖ وَلَقَدْ جَآءَكَ مِن نَّبَإِےْ اِ۬لْمُرْسَلِينَۖ” [ الأنعام: 35 ] بمعنى: “وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٞ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَيٰ مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّيٰٓ أَت۪يٰهُمْ نَصْرُنَاۖ” أي: هذه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم وتعزية له فيمن كذبه من قومه، وأمر له بالصبر كما صبر أولو العزم من الرسل، ووعد له بالنصر كما نصروا، وبالظفر حتى كانت لهم العاقبة، بعد ما نالهم من التكذيب من قومهم والأذى البليغ، ثم جاءهم النصر في الدنيا، كما لهم النصر في الآخرة؛ ولهذا قال: ” وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَٰتِ اِ۬للَّهِۖ”  أي: التي كتبها بالنصر في الدنيا والآخرة لعباده المؤمنين “وَلَقَدْ جَآءَكَ مِن نَّبَإِےْ اِ۬لْمُرْسَلِينَۖ” أي: من خبرهم كيف نصروا وأيدوا على من كذبهم من قومهم، فلك فيهم أسوة وبهم قدوة)[8]( .

وكانت بداية نزول البلاء به عليه السلام مع بداية نزول الوحي عليه، وذلك إشعار من الله عز وجل له بأن هذا الأمر الذي أكرمه به يحتاج إلى الصبر والمصابرة والجد والجهد والمثابرة . فهي مهمة جليلة كلفه الله بها، وهي ليست بالأمر اليسير، لا سيما أنه بعث في زمن هو أشد ما يكون بعدا عن الحق وشكرا لسبيله وجهلا بحقائقه وهو زمن الجاهلية والأوثان)[9]( .

وقد تعرض النبي صلى الله عليه وسلم للعديد من الابتلاءات:

–  تعرض للسب والشتم:  قوله تعالى: “وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَّتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُؤاً اَهَٰذَا اَ۬لذِے بَعَثَ اَ۬للَّهُ رَسُولاً” [ الفرقان: 41 ] يقول الله ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : وإذا رآك هؤلاء المشركون الذين قصصت عليك قصصهم. “وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَّتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُؤاً” ، يقول: ما يتخذونك إلا سخرية يسخرون منك، يقولون: “اَهَٰذَا اَ۬لذِے بَعَثَ اَ۬للَّهُ” إلينا ” رَسُولاً” أي: من بين خلقه)[10]( .

–  واتهم بالسحر: كقوله عز وجل : “وَعَجِبُوٓاْ أَن جَآءَهُم مُّنذِرٞ مِّنْهُمْۖ وَقَالَ اَ۬لْكَٰفِرُونَ هَٰذَا سَٰحِرٞ كَذَّابٌ“[ ص: 3 ] بمعنى: “وَعَجِبُوٓاْ أَن جَآءَهُم مُّنذِر” أي: وعجب المشركون من بعثة محمد صلى الله عليه وسلم واستبعدوا أن يبعث الله رسولا من البشر  وَقَالَ اَ۬لْكَٰفِرُونَ هَٰذَا سَٰحِرٞ كَذَّابٌ” أي: وقال كفار مكة: إن محمدا ساحر فيما يأتي به من المعجزات “كَذَّابٌ” أي: مبالغ في الكذب في دعوى أنه رسول الله، وإنما وضع الاسم الظاهر“اَ۬لْكَٰفِرُونَ “ وقالوا: غضبا عليهم، وذما لهم وتسجيلا لجريمة الكفر عليهم، فإن هذا الاتهام لا يقوله إلا المتوغلون في الكفر والفسوق)[11]( .

–  واتهم بالكذب: قوله تعالى:”وَقَالَ اَ۬لذِينَ كَفَرُوٓاْ إِنْ هَٰذَآ إِلَّآ إِفْكٌ اِ۪فْتَر۪يٰهُ وَأَعَانَهُۥ عَلَيْهِ قَوْمٌ اٰخَرُونَۖ فَقَدْ جَآءُو ظُلْماٗ وَزُوراٗ” [ الفرقان: 4 ] بمعنى قولهم: “إِنْ هَٰذَآ إِلَّآ إِفْكٌ” أي: كذب” اِ۪فْتَر۪يٰهُ” يعنون النبي صلى الله عليه وسلم  “وَأَعَانَهُۥ عَلَيْهِ قَوْمٌ اٰخَرُونَۖ” أي: فقد افتروا هم قولا باطلا، هم يعلمون أنه باطل، ويعرفون كذب أنفسهم فيما يزعمون)[12]( .

ورمي بالجنون: قوله عز وجل :” وَإِنْ يَّكَادُ اُ۬لذِينَ كَفَرُواْ لَيَزْلِقُونَكَ بِأَبْصٰ۪رِهِمْ لَمَّا سَمِعُواْ اُ۬لذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُۥ لَمَجْنُونٞۖ”  [ القلم: 51 ] وفي الآية قولان معروفان أحدهما: “لَيَزْلِقُونَكَ بِأَبْصٰ۪رِهِمْ “أي: يعتانونك، ومعناه: يصيبونك بأعينهم.

والقول الثاني في الآية وهو أحسن القولين أن المراد منها هو أنهم ينظرون إليك نظر البغضاء والعداوة فيكادون من شدة نظرهم أي: يصرعونك ويسقطونك، ” لَمَّا سَمِعُواْ اُ۬لذِّكْرَ” أي: القرآن وكانت عداوتهم وبغضاؤهم تشتد إذا سمعوه  يقرأ القرآن  “وَيَقُولُونَ إِنَّهُۥ لَمَجْنُونٞۖ”   اسم سموه به)[13]( .

–  ورشق بالحجارة : “وجعلوا يرمونه بالحجارة وبكلمات من السفه، ورجموا عراقيبه، حتى اختضب نعلاه بالدماء. وكان زيد بن حارثة يقيه بنفسه، حتى أصابه شجاج في رأسه، ولم يزل به السفهاء كذلك حتى ألجأوه إلى حائط لعتبة وشيبة ابني ربيعة، على ثلاثة أميال من الطائف، فلما التجأ إليه رجعوا عنه، وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حبلة من عنب، فجلس تحت ظلها إلى جدار فلما جلس إليه واطمأن، دعا بالدعاء المشهور الذي يدل على امتلاء قلبه كآبة وحزنا مما لقي من الشدة، وأسفا على أنه لم يؤمن به أحد، وقال: (اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين، وأنت ربي، إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني؟ أم إلى عدو ملكته أمري؟ إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي، ولكن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تنزل بي غضبك، أو يحل علي سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك))[14]( .

–  وكان يوضع الشوك في طريقه وأمام بيته: كانت تضعه زوجة أبي لهب و” وكانت امرأة أبي لهب لا تقل عن زوجها في عداوة النبي صلى الله عليه وسلم ، فقد كانت تحمل الشوك وتضعه في طريق النبي صلى الله عليه وسلم وعلى بابه ليلا، وكانت امرأة سليطة تبسط فيه لسانها، وتطيل عليه الافتراء والدس، وتؤجج نار الفتنة، وتثير حربا شعواء على النبي صلى الله عليه وسلم ، ولذلك وصفها القرآن بحمالة الحطب”)[15](.

ب: ابتلاء الأنبياء

–  ابتلاء سيدنا أيوب عليه السلام :

 قوله عز وجل: “وَاذْكُرْ عَبْدَنَآ أَيُّوبَ إِذْ نَاد۪يٰ رَبَّهُۥٓ أَنِّے مَسَّنِيَ اَ۬لشَّيْطَٰنُ بِنُصْبٖ وَعَذَابٍۖ  اُ۟رْكُضْ بِرِجْلِكَۖ هَٰذَا مُغْتَسَلُۢ بَارِدٞ وَشَرَابٞۖ * وَوَهَبْنَا لَهُۥٓ أَهْلَهُۥ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةٗ مِّنَّا وَذِكْر۪يٰ لِأُوْلِے اِ۬لَالْبَٰبِۖ * وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاٗ فَاضْرِب بِّهِۦ وَلَا تَحْنَثِۖ اِنَّا وَجَدْنَٰهُ صَابِراٗۖ نِّعْمَ اَ۬لْعَبْدُۖ إِنَّهُۥٓ أَوَّابٞۖ “[ ص: 40- 43 ]

إن ابتلاء سيدنا أيوب عليه السلام من أشد وأعظم الابتلاءات التي تعرض لها الأنبياء والرسل” كان أيوب رجلا كثير المال من سائر صنوفه وأنواعه من الأنعام والعبيد والمواشي والأراضي المتسعة بأرض البثينة من أرض حوران، وحكى ابن عساكر أنها كلها كانت له، وكان له أولاد وأهلون كثير، فسلب من ذلك جميعه، وابتلي في جسده بأنواع البلاء، ولم يبق منه عضو سليم سوى قلبه ولسانه، يذكر الله عز وجل بهما، وهو في ذلك كله صابر، محتسب ذاكرا لله U، في ليله ونهاره وصباحه ومسائه. وطال مرضه حتى عافه الجليس وأوحش منه الأنيس، وأخرج من بلده وألقي على مزبلة خارجها، وانقطع عنه الناس، ولم يبق أحد يحنو عليه سوى زوجته، كانت ترعى له حقه، وتعرف قديم إحسانه إليهما، وشفقته عليهما، فكانت تتردد إليه فتصلح من شأنه، وتعينه على قضاء حاجته وتقوم بمصلحته. وضعف حالها وقل مالها حتى كانت تخدم الناس بالأجر لتطعمه وتقوم بأوده رضي الله عنها وأرضاها وهي صابرة معه على ما حل بهما من فراق المال والولد، وما يختص بها من المصيبة بالزوج وضيق ذات اليد وخدمة الناس بعد السعادة والنعمة والخدمة والحرمة)[16]( .

وجاء في الحديث الشريف أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إن نبي الله أيوب  لبث به بلاؤه ثمان عشرة سنة، فرفضه القريب والبعيد إلا رجلين من إخوانه كانا يغدوان إليه ويروحان، فقال أحدهما لصاحبه ذات يوم: تعلم والله لقد أذنب أيوب ذنبا ما أذنبه أحد من العالمين فقال له صاحبه: وما ذاك؟ قال: منذ ثمان عشرة سنة لم يرحمه الله فيكشف ما به فلما راحا إلى أيوب لم يصبر الرجل حتى ذكر ذلك له، فقال أيوب: لا أدري ما تقولان غير أن الله تعالى يعلم أني كنت أمر بالرجلين يتنازعان، فيذكران الله فأرجع إلى بيتي فأكفر عنهما كراهية أن يذكر الله إلا في حق، قال: وكان يخرج إلى حاجته فإذا قضى حاجته أمسكته امرأته بيده حتى يبلغ، فلما كان ذات يوم أبطأ عليها وأوحي إلى أيوب أن ” اُ۟رْكُضْ بِرِجْلِكَۖ هَٰذَا مُغْتَسَلُۢ بَارِدٞ وَشَرَابٞۖ” [ص: 41] فاستبطأته فتلقته تنظر وقد أقبل عليها قد أذهب الله ما به من البلاء وهو أحسن ما كان فلما رأته قالت: أي بارك الله فيك هل رأيت نبي الله هذا المبتلي، والله على ذلك ما رأيت أشبه منك إذ كان صحيحا، فقال: فإني أنا هو، وكان له أندران (أي بيدران): أندر للقمح وأندر للشعير، فبعث الله سحابتين، فلما كانت إحداهما على أندر القمح أفرغت فيه الذهب حتى فاض وأفرغت الأخرى في أندر الشعير الورق حتى فاض”)[17]( .

لم يكن من سيدنا أيوب u إلا الصبر والثبات على هذا البلاء، والرضا بقضاء الله وقدره، بقوله سبحانه: ” اِنَّا وَجَدْنَٰهُ صَابِراٗۖ نِّعْمَ اَ۬لْعَبْدُۖ إِنَّهُۥٓ أَوَّابٞۖ”[ ص: 43 ] وكان قيمة التأدب مع الله في الدعاء الذي توجه به سيدنا أيوب u ليرفع عنه هذا البلاء بقوله تعالى:  “وَاذْكُرْ عَبْدَنَآ أَيُّوبَ إِذْ نَاد۪يٰ رَبَّهُۥٓ أَنِّے مَسَّنِيَ اَ۬لشَّيْطَٰنُ بِنُصْبٖ وَعَذَابٍۖ  اُ۟رْكُضْ بِرِجْلِكَۖ هَٰذَا مُغْتَسَلُۢ بَارِدٞ وَشَرَابٞۖ * وَوَهَبْنَا لَهُۥٓ أَهْلَهُۥ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةٗ مِّنَّا وَذِكْر۪يٰ لِأُوْلِے اِ۬لَالْبَٰبِۖ * وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاٗ فَاضْرِب بِّهِۦ وَلَا تَحْنَثِۖ اِنَّا وَجَدْنَٰهُ صَابِراٗۖ نِّعْمَ اَ۬لْعَبْدُۖ إِنَّهُۥٓ أَوَّابٞۖ ” [ ص: 40-43 ] وقد جاء هذا الرد الإلهي ثمرة هذا الصبر على هذه المحن والابتلاءات والمعاناة بأن نجاه الله وعافاه حتى عمت الرحمة أهله ولم تقتصر عليه. قوله سبحانه: “وَأَيُّوبَ إِذْ نَاد۪يٰ رَبَّهُۥٓ أَنِّے مَسَّنِيَ اَ۬لضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ اُ۬لرَّٰحِمِينَۖ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُۥ فَكَشَفْنَا مَا بِهِۦ مِن ضُرّٖۖ وَءَاتَيْنَٰهُ أَهْلَهُۥ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةٗ مِّنْ عِندِنَا وَذِكْر۪يٰ لِلْعَٰبِدِينَۖ” [ الأنبياء: 82-83 ] وأيوب هنا في دعائه لا يزيد على وصف حاله: “أَنِّے مَسَّنِيَ اَ۬لضُّرُّ”  ووصف ربه بصفته: “وَأَنتَ أَرْحَمُ اُ۬لرَّٰحِمِينَۖ” ثم لا يدعو بتغيير حاله، صبرا على بلائه، ولا يقترح شيئا على ربه، تأدبا معه وتوقيرا. فهو نموذج للعبد الصابر لا يضيق صدره بالبلاء، ولا يتململ من الضر الذي تضرب به الأمثال في جميع الأعصار. بل إنه ليتحرج أن يطلب إلى ربه رفع البلاء عنه، فيدع الأمر كله إليه، اطمئنانا إلى علمه بالحال وغناه عن السؤال.

وفي اللحظة التي توجه فيها أيوب إلى ربه بهذه الثقة وبذلك الأدب كانت الاستجابة، وكانت الرحمة، وكانت نهاية الابتلاء : “فَاسْتَجَبْنَا لَهُۥ فَكَشَفْنَا مَا بِهِۦ مِن ضُرّٖۖ وَءَاتَيْنَٰهُ أَهْلَهُۥ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ” رفع عنه الضر في بدنه فإذا هو معافى صحيح. ورفع عنه الضر في أهله فعوضه عمن فقد منهم، ورزقه مثلهم، وقيل هم أبناؤه فوهب الله له مثيلهم، أو أنه وهب له أبناء وأحفادا.” رَحْمَةٗ مِّنْ عِندِنَا” فكل نعمة فهي رحمة من عند الله ومنة. “وَذِكْر۪يٰ لِلْعَٰبِدِينَۖ” تذكرهم بالله وبلائه، ورحمته في البلاء وبعد البلاء. وإن في بلاء أيوب لمثلا للبشرية كلها؛ وإن في صبر أيوب لعبرة للبشرية كلها. وإنه لأفق للصبر والأدب وحسن العاقبة تتطلع مع الأبصار)[18](.

– ابتلاء سيدنا  نوح عليه السلام  

ابتلي نبي الله نوح عليه السلام بالاستهزاء به والسخرية منه والتهديد له ولأتباعه من المؤمنين.

“فلما بعث الله نوحا عليه السلام ، دعاهم إلى إفراد عبادة الله وحده لا شريك له، وألا يعبدوا معه صنما ولا تمثالا ولا طاغوتا وأن يعترفوا بوحدانيته، وأنه لا إله غيره ولا رب سواه، كما أمر الله تعالى من بعده من الرسل الذين هم كلهم من ذريته”)[19]( قوله عز وجل:“وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِے كُلِّ أُمَّةٖ رَّسُولاً اَنُ اُ۟عْبُدُواْ اُ۬للَّهَ وَاجْتَنِبُواْ اُ۬لطَّٰغُوتَۖ [ النحل: 36 ].

فذكر أنهم دعاهم إلى الله بأنواع الدعوة في الليل والنهار، والسر والإجهار، بالترغيب تارة والترهيب أخرى، وكل هذا لم ينجح فيهم، بل استمر أكثرهم على الضلالة والطغيان وعبادة الأصنام والأوثان، ونصبوا له العداوة في كل وقت وأوان، وتنقصوه وتنقصوا من آمن به، وتوعدهم بالرجم والإخراج، ونالوا منهم وبالغوا في أمرهم)[20]( .

ابتلاء إبراهيم الخليل عليه السلام

قوله سبحانه: ” قَالُواْ اُ۪بْنُواْ لَهُۥ بُنْيَٰناٗ فَأَلْقُوهُ فِے اِ۬لْجَحِيمِ” [الصافات: 97] أي: ابنوا له مكانا وأضرموه نارا ثم ألقوه في تلك النار المتأججة المستعرة وقال المفسرون:لما غلبهم إبراهيم عليه السلام في الحجة، مالوا إلى الغلبة بقوة البطش والشدة، وتشاوروا فيما بينهم ثم قرروا أن يطرحوه في النار انتصارا لأصنامهم وألهتهم)[21]( . وقال: ” قَالُواْ حَرِّقُوهُ وَانصُرُوٓاْ ءَالِهَتَكُمُۥٓ إِن كُنتُمْ فَٰعِلِينَۖ ” [الأنبياء: 67].

وقد نجى الله عز وجل خليله إبراهيم عليه السلام من مكرهم وكيدهم وذلك بثقته بربه وقوة إيمانه به، فقال الله للنار كوني بردا وسلاما على إبراهيم، فلم تؤده النار وخرج منها سالما وهم ينظرون إليه، وجعلهم هم الأخسرين الأسفلين، قوله تعالى: “قُلْنَا يَٰنَارُ كُونِے بَرْداٗ وَسَلَٰماً عَلَيٰٓ إِبْرَٰهِيمَۖ * وَأَرَادُواْ بِهِۦ كَيْداٗ فَجَعَلْنَٰهُمُ اُ۬لَاخْسَرِينَۖ ” [ الأنبياء: 68- 69 ].

ثم ابتلاه الله U  بابتلاء آخر في أعز ما لديه في ذبح ابنه إسماعيل عليهما الله الصلاة والسلام قوله تعالى: ” إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ اَ۬لْبَلَٰٓؤُاْ اُ۬لْمُبِينُۖ “[الصافات: 106]

– ابتلاء زكريا عليه السلام :

حيث أراد بنو إسرائيل قتل زكريا ” فهرب منهم، فمر بشجرة فانفلقت له فدخل فيها، وأدركه الشيطان فأخذ بهدبة ثوبه فأبرزها، فلما رأوا ذلك جاءوا بالمنشار فوضعوه على الشجرة فنشروها ونشروه معها “([22]) .

ج: ابتلاء الصحابة رضوان الله عليهم:

لقد نال الصحابة رضوان الله عليهم من المحن والابتلاءات مثل ما نال الرسل وأتباعهم من قبلهم، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ »( ([23] (خير الناس قرني) أي: أهله، (ثم) أهل القرن ( الذين يلونهم ثم الذين يلونهم) الأول أصحابه ثم أتباع أتباعهم ([24]). وقد وضع النبي صلى الله عليه وسلم قاعدة عامة يدركها كل مؤمن،، فكانوا الصحابة رضوان الله عليهم أولى الناس باستعابها، التي يقول فيها عليه الصلاة والسلام «أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلَاءً؟ قَالَ: «الأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الأَمْثَلُ فَالأَمْثَلُ، فَيُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَإِنْ كَانَ دِينُهُ صُلْبًا اشْتَدَّ بَلَاؤُهُ، وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَمَا يَبْرَحُ البَلَاءُ بِالعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الأَرْضِ مَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ»)[25](.

وقد نزل البلاء بالصحابة الكرام رضوان الله عليهم مع أول أيام إسلامهم، فأخذهم المشركون، فألبسوهم أدرع الحديد المحملة، وصهروهم في الشمس شمس مكة، فما منهم من أحد إلا وقد أتاهم ما أرادوا ([26]).

– هذا بلال رضي الله عنه

فإنه هانت عليه نفسه في الله تعالى، وهان على قومه، فعذب أشد العذاب. فقد ” كان أمية يضع في عنقه حبلا، ثم يسلمه إلى الصبيان، يطوفون به في جبال مكة ويجرونه، حتى كان الحبل يؤثر في عنقه وهو يقول: أحد أحد، وكان أمية يشده شدا ثم ضربه بالعصا، ويلجئه إلى الجلوس في حر الشمس، كما كان يكرهه على الجوع، وأشد من ذلك كله أنه كان يخرجه إذا حميت الظهيرة، فيطرحه على ظهره في بطحاء مكة، ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره، ثم يقول: لا والله لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد، وتعبد اللات والعزى، فيقول وهو في ذلك: أحد، أحد، حتى مر به أبو بكر يوما وهم يصنعون ذلك به اشتراه بغلام أسود، وقيل: بسبع أوراق أو بخمس من الفضة وأعتقه”([27]) .

– وهذا عمار وأبوه وأمه رضي الله عنهم جميعا

” كانوا من أوائل من عذبهم الكفار، وكان عمار بن ياسر رضي الله عنه مولى لبني مخزوم، أسلم هو وأبوه وأمه، فكان المشركون وعلى رأسهم أبو جهل يخرجونهم إلى الأبطح إذا حميت الرمضاء، فيعذبونهم بحرها، ومر بهم النبي صلى الله عليه وسلم  وهم يعذبون فقال: “صبرا آل ياسر ! فإن موعدكم الجنة” فمات ياسر في العذاب، وطعن أبو جهل سمية أم عمار في قبلها بحرية فماتت، وهي أول شهيدة في الإسلام، وشددوا العذاب على عمار بالحر تارة، وبوضع الصخر أحمر على صدره أخرى، وبالتغريق أخرى. وقالوا: لا نتركك حتى تسب محمدا، أو تقول: في اللات والعزى خيرا، فوافقهم على ذلك مكرها، وجاء باكيا معتذرا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فأنزل الله”  مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِنۢ بَعْدِ إِيمَٰنِهِۦٓ إِلَّا مَنُ ا۟كْرِهَ وَقَلْبُهُۥ مُطْمَئِنُّۢ بِالِايمَٰنِ” [ النحل: 106 ]([28]).

فهؤلاء الصحابة رضي الله عنهم ما طاوعوا الكفار على قولهم إلا لشدة التعذيب، وأما قلوبهم فقد كانت مملوءة إيمانا ويقينا، تفيض بحب الله  وبحب رسوله صلى الله عليه وسلم .

 وعذب خباب بن الأرت رضي الله عنه

لما أسلم ” كان المشركون يذيقونه أنواعا من التنكيل، يأخذون بشعر رأسه فيجذبونه جذبا، ويلوون عنقه تلوية عنيفة، وأضجعوه مرات عديدة على فحام ملتهبة، ثم وضعوا عليه حجرا، حتى لا يستطيع أن يقوم “([29]) .

– وكان أبو فكيهة  واسمه أفلح مولى لبني عبد الدار، فكانوا يشدون برجله الحبل، ثم يجرونه على الأرض.

– ” وكانت زنيرة والنهدية وابنتها وأم عبيس إماء أسلمن، وكان المشركون يسومونهم من العذاب أمثال ما ذكرنا. وأسلمت جارية لبني مؤمل وهم حي من بني عدي فكان عمر بن الخطاب وهو يومئذ مشرك يضربها حتى إذا مل قال: إني لم أترك إلا ملالة.

وكان المشركون يلفون بعض الصحابة في إهاب الإبل والبقر، ثم يلقونه في حر الرمضاء، ويلبسون بعضا آخر درعا من الحديد ثم يلقونه على صخرة ملتهبة.

وقائمة المبتلين في الله طويلة ومؤلمة جدا، فما من أحد علموا بإسلامه إلا تصدوا له وآدوه”([30]) .


([1]) سنن الترمذي، أبواب: الزهد، باب: ما جاء في الصبر على البلاء، ح: 2398، 4/601، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.

([2]) الفتح الكبير في ضم الزيادة إلى الجامع الصغير، جلال الدين السيوطي،  1/176

([3]) مفردات في غريب القرآن، للراغب الأصفهاني، 1/760.

([4]) الفيض القدير شرح الجامع الصغير، للمناوي، 1/518.

([5])رواه أبو نعيم في حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، 6/333، حكم المحدث: غريب من حديث مالك تفرد به وكيع.

([6]) مدارك التنزيل وحقائق التأويل، للنسفي، 2/405.

([7]) صفوة التفاسير، محمد علي الصابوني، 3/116.

([8]) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، 3/225.

([9]) “سنة الابتلاء” لنبيلة الزكري، بحث منشور في معلمة السنن الإلهية في القرآن الكريم، ص: 268.

([10]) جامع البيان عن تأويل أي القرآن، للطبري، 5/472.

([11]) صفوة التفاسير، محمد علي الصابوني، 3/46

([12]) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، 6/85

([13]) تفسير القرآن، للسمعاني، 6/32

([14]) الرحيق المختوم، للمباركفوري، 1/113

([15]) الرحيق المختوم، للمباركفوري، 1/75

([16]) البداية والنهاية، ابن كثير، 1/255.

([17]) سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها، ناصر الدين الألباني، 1/53.

([18]) في ظلال القرآن، لسيد قطب، 4/2392

([19]) قصص الأنبياء، لابن كثير، 1/88.

([20]) قصص الأنبياء، لابن كثير، 1/89.

([21]) صفوة التفاسير، محمد علي الصابوني، 3/35.

([22]) قصص الأنبياء، لابن كثير، 2/317.

([23]) صحيح البخاري، كتاب : الشهادات، باب: لا يشهد على شهادة زور إذا أشهد، ح: 2652، 3/171.

([24]) إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري، للقسطلاني، كتاب: فضائل أصحاب النبي r ،باب: مناقب المهاجرين وفضلهم منهم، ح: 2651، 6/81.

([25]) سنن الترمذي، أبواب: الزهد، باب: ما جاء في الصبر على البلاء، ح: 2398، 4/601، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.

([26])”سنة الابتلاء” لنبيلة الزكري، بحث منشور في معلمة السنن الإلهية في القرآن الكريم ، ص: 271.

([27])  الرحيق المختوم، المباركفوري، 1/78.

([28]) الرحيق المختوم، المباركفوري،1/79

([29]) الرحيق المختوم، 1/80.

([30]) الرحيق المختوم، 1/80

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.