منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

(خطبة) طاعة الأم وقانون “الجزاء من جنس العمل”

(خطبة) طاعة الأم وقانون "الجزاء من جنس العمل"/ الأستاذ بن سالم باهشام

0

(خطبة) طاعة الأم وقانون “الجزاء من جنس العمل”

الأستاذ بن سالم باهشام

عضو الاتحاد العلمي لعلماء المسلمين.

 

عباد الله، إن كل إنسان مؤمن في هذه الحياة، إلا وله حقوق وعليه واجبات، وتتسع دائرة الواجبات على قدر المسؤولية الملقاة على الشخص، فالشخص الأعزب، ليس كالمتزوج، والمتزوج الذي له أبناء ليس كالعقيم، والذي له والدين، ليس كمن ماتا، ومن الواجبات التي يجب أن لا يقع فيها إفراط أو تفريط، واجب الأم وواجب الزوجة، فالأم لها حق على ابنها، والزوجة لها حق على زوجها، ولكل واحدة مرتبتها ومكانها ولا تعارض بينهما، فالأم قال في حقها القرآن الكريم في سورة لقمان: (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ، حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ، أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ) [لقمان: 14] و الملاحظ أن الحق سبحانه وتعالى قد قرن قضية الشكر لله بالشكر لهذين الوالدين مع التذكير بما عانته الأم من حمل ورضاعة، وقال سبحانه وتعالى بعدها: (وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا) [لقمان: 15]، أي طيلة بقائهما في الدنيا، أما الزوجة، فقال القرآن الكريم في حقها في سورة النساء: (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) [النساء: 19]، والذي لا يلتزم بشرع الله، تختلف عليه الأمور، فيبالغ في طاعة الأم ويضيع حق الزوجة، وقد يظلمها طاعة للأم، وقد يبالغ في معاشرة الزوجة، فيضيع حق الأم ويهملها، وهاتين قصتين تعطينا مثالا ممن اتخذ إلهه هواه، وأضله الله على علم، فانساق وراء مطالب زوجته وأهمل أمه، ماذا ستكون العاقبة؟.

عباد الله، القصة الأولى، تبدأ بأسرة تسكن بفيلا فاخرة، تحتوي على العديد من الغرف المتلاصقة، وفيها غرفة صغيرة بمنأى عن الفيلا، لا يجمع بينها وبين الفيلا سوى السور، ويسكن بتلك الغرفة الصغيرة التي لا تستوعب سوى فرد واحد، أم صاحب الفيلا؛ الذي يتبجح بطاعته لأمه وبره بها؛ ما دام يُسكنها معه ولم يلق بها في دار العجزة، وصاحب الفيلا يطيع زوجته طاعة عمياء، ولا يرد لها أمرا، وفي يوم من الأيام، يفاجأ بتغيير سكنى أمه، التي أصبحت تسكن معه في غرفة من غرف الفيلا الفاخرة، فتعجب من تصرف زوجته بأمه، وسألها عن السبب، وهنا يظهر السبب ليزول العجب، وهو أن طفلا صغيرا لأصحاب الفيلا، لا زال في روض الأطفال، وكان يلعب ويرسم، ولما جاءت إليه أمه لتراقبه، وجدته قد رسم مربعات صغيرة متلاصقة، ورسم مربعا أصغر من تلك المربعات وبعيدا عنها، وأحاط كل المربعات بخط مربع، ولما استفسرته أمه عن مغزى هذا الرسم، قال لها: هذا منزلي في المستقبل، عندما أكبر وأصبح موظفا ومتزوجا ولي أسرة، ولما سألته عن المربع المعزول عن تلك المربعات، قال لها: هذه غرفتك التي سأسكنك فيها عندما تكبرين، وأتعامل معك كما تتعاملين مع جدتي، وأعطيك الأواني البلاستيكية لتأكلي فيها حتى لا تكسريها، كما تفعلين مع جدتي، لما سمعت الأم كلام ابنها الصغير، وقع عليها كالصاعقة، وعلمت أن الأمر قانون إلهي، كما تفعل بغيرك يفعل بك، فالجزاء من جنس العمل، فصاحبة الفيلا، لم تُقرّب أم زوجها تقديرا لها، ومراعاة لمكانتها من ابنها، وإنما فعلت ذلك خوفا على نفسها.

عباد الله، القصة الثانية تتحدث عن شاب سعودي، يبلغ من العمر 29 عاما، فضل زوجته على والدته وإخوته، وقدم لها كل فروض الحب والطاعة، واستجاب لكافة طلباتها، وبالرغم من ذلك كله، لم يتمكن من إرضائها، فقامت برفع دعوى قضائية ضده تطالب فيها بالخلع منه.

وبحسب ما قاله الشاب السعودي أمام هيئة المحكمة، ونشرته صحيفة “عكاظ”، فإنه لم يرفض أي طلب لزوجته قط، ففضلها على أهله، وكان يتنقل بها بين المدن والعواصم لرغبتها في ذلك، وفضلها حتى على نفسه وعلى الجميع.

وتوجه الشاب بسؤال إلى زوجته أمام القاضي عله بهذا السؤال ينجح في مصالحتها وتسوية خلافاته معها، ولكن هذا السؤال كان أكبر سبب لجعل القاضي يحكم في حقها، حيث سألها الزوج: “ألم أتخلى عن أمي وأهلي من أجلك؟”. لم تنكر الزوجة ما قاله الزوج خلال جلسة المحكمة، وأكدت صحة جميع أقواله، لتتوجه بعد ذلك إلى القاضي وتؤكد له أن زوجها تحمّل الكثير من الأعباء المالية من أجل إسعادها، ولكن كيف تأمنه وقد فضلها على أهله، لأن من لم يفعل الخير في أهله، لن يكون فيه خير لها. وأضافت الزوجة، أنه كما تخلى زوجها عن أمه، يمكنه أن يتخلى عنها أيضا، وأنها لن تنتظر حتى يأتي اليوم الذي يتخلى فيه عنها، لأنها لم تعد تثق به، وأنها على كامل استعدادها لإعادة كامل المهر الذي دفعه للزواج بها، ليقضي القاضي لها بالخلع منه.

عباد الله، يا أيها الأزواج الذين فضلوا زوجاتهم على أمهاتهم، كونوا كيسين فطنين، واعتبروا بما تسمعون وما تشاهدون من عاقبة من فضل زوجته على أمه، يقول ابن القيم رحمه الله في كتابه “مفتاح دار السعادة” (1/71) : (تظاهر الشرع والقدر على أن الجزاء من جنس العمل).

وروى عبد الرزاق في “المصنف” (11/178)، وقال الحافظ ابن حجر في “فتح الباري” (13/466) : ” مرسل ، ورجاله ثقات “،  عن معمر عن أيوب عن أبي قلابة رضي الله عنه قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :(البِرُّ لا يَبْلَى، وَالِإثْمُ لَا يُنْسَى، وَالدَّيَّانُ لَا يَمُوتُ، فَكُن كَمَا شِئتَ، كَمَا تَدِينُ تُدَانُ).

وروى الخطيب البغدادي في “اقتضاء العلم العمل” (98)، عن مالك بن دينار قال: مكتوب في التوراة ( كَمَا تَدِينُ تُدَانُ، وَكَمَا تَزرَعُ تَحصُدُ ).

قال ابن قتيبة رحمه الله : (ويقولون: “كما تَدِينُ تُدان”، أي: كما تَفعل يُفعل بك، وكما تُجازِي تُجازَى، وهو من قولهم : “دِنْتُه بما صَنَعَ” أي: جازيته).

وجاء في لسان العرب لان منظور (13/164): (أي: كما تُجازِي تُجازَى، أي: تُجَازَى بفعلك وبحسب ما عملت).

عباد الله، هذه قاعدة عظيمة ثابتة لا تتغير في جميع الأحوال، وبالتأمل في القرآن الكريم والسنة النبوية، نجد شواهد ذلك:

ومما وعد الله به عباده المؤمنين قوله تعالى من سورة الرحمن: (هَلْ جَزَاء الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ) [الرحمن/60]. قال ابن القيم في كتابه “بدائع الفوائد” (3/528) 🙁 لأن الجزاء من جنس العمل ، فكما أحسنوا بأعمالهم، أحسن الله إليهم برحمته) .

عبد الله، أما السنة النبوية ففيها أحاديث كثيرة  تبين أن الجزاء من جنس العمل، منها

1 – قوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه أبو داود: ( ارحَمُوا مَن فِيْ الأَرضِ يَرحَمْكُمْ مَن فِي السَّمَاءِ ). [رواه أبو داود (4941)] . فإن أنت رحمت أمك، رحمك الله، وإن أنت أسأت إليها عاقبك الله في الدنيا قبل الآخرة، وجعلك تعيش معيشة ضنكا.

قال ابن رجب في “جامع العلوم والحكم” (1/338) : (هذا يرجع إلى أن الجزاء من جنس العمل، وقد تكاثرت النصوص بهذا المعنى) .

2 – روى البخاري، ومسلم، عن أبي هريرة رضي الله عنه، في قول الله تعالى للرحم حين تعلقت به سبحانه: ( أَمَا تَرضَينَ أَن أَصِلَ مَن وَصَلَكِ، وَأَقطَعَ مَن قَطَعَكِ؟ قَالَت : بَلَى، قَالَ : فَذَاكِ لَكِ ) [رواه البخاري (4830) ومسلم (2554)] .

3 – وقد جاء في السنة من الوعيد على بعض الذنوب ما هو مناسب وموافق لها، فمن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه الترمذي: ( مَن ضَارَّ ضَارَّ اللَّهُ بِهِ، وَمَن شَاقَّ شَاقَّ اللَّهُ عَلَيهِ) [رواه الترمذي (1940) وقال : حسن غريب] .

وهكذا كلما تأملت في نصوص الوحي، وفي حوادث التاريخ، وفي سنن الله في أرضه، تجد أنها لا تتخلف عن هذه السنة التي هي: ( الجزاء من جنس العمل، وكما تدين تدان) ، وذلك من مقتضى عدله وحكمته سبحانه وتعالى، فمن عوقب بجنس الذنب الذي اقترفه لم يظلم.

إنها حكمة بليغة تناقلها الناس قديما، وجاءت الشواهد من الكتاب والسنة دالة على صدقها، فهي سنة كونية، وقانون إلهي ثابت لا يتغير، جعلها الله سبحانه وتعالى عظة وعبرة للناس(كما تدين تدان)، أو ( الجزاء من جنس العمل )  .

وروى الطبراني في “الأوسط” (1002)، عَنِ ابْنِ عُمَر رضي الله عنهماَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (بَرُّوا آباءَكُمْ تَبَرُّكُمْ أَبْنَاؤُكُمْ، وَعِفُّوا تَعِفُّ نِسَاؤُكُمْ).[قال المنذري فى “الترغيب والترهيب” (218/3): رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد حسن].

قال المناوي في كتابه « التيسير بشرح الجامع الصغير»: (“عفوا عَن نسَاء النَّاس” فَلَا تزانوهم، “تعف نِسَاؤُكُمْ”، عَن الرِّجَال. “وبروا آبَاءَكُم، تبركم أبناؤكم).

عباد الله، يا أيها المتزوجون، على كل واحد منكم أن يعطي لأمه كامل حقها من دون جور على حق الزوجة، وكذلك يعطي الزوجة حقها من دون جور على الأم، مع إكرام كلٍ على حدة، وإذا فعلتم هذا فستسود الألفة، وكذلك تفعلون مع بقية أركان العائلة كالأولاد والأرحام، وأرحام الزوجة، فكن أيها الزوج زوجاً محبا لزوجته، وابناً باراً بأمه، فأنت قائد الفريق، ونجاحك يتجلى في إنشاء التناغم بين أفراد العائلة، وهذا يحتاج منك الكثير، فاسأل الله ليوفقك لأداء هذه المهمة على أحسن وجه، وإلا فإن الجزاء من جنس العمل، وكما تدين تدان.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.