منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

كلمات جارحة (الجزء الثاني)

منير الجوري / كلمات جارحة (الجزء الثاني)

0
كلمات جارحة (الجزء الثاني)

بقلم: منير الجوري

هذه قصة شاب في مستوى البكالوريا جاءني يوما طالبا استشارة في التوجيه، فتحولت مقابلة الاستشارة إلى بداية لمسلسل بطلته “الكلمة الجارحة”. مسلسل لم أكن أتوقع نهايته. أعيد نشرها في حلقات تقاسما لدروسها مع المربين في الأسرة والمدرسة.
********************
كانت النتائج الدراسية ليونس (اسم مستعار) جد متذبذبة. معدل الامتحان الجهوي جد ضعيف. ومن غير الملاحظات النمطية للأساتذة (مثل ضعيف، لابأس به، متوسط) والتي لا تقول أي شيء غير تفسير النقطة، كتب أستاذ اللغة العربية: “تلميذ نبيه يمكنه تحقيق نتائج أفضل”.
في زيارته الثانية لي قلت: ماذا فعلت بخصوص الاتفاق، هل فكرت فيما تريد وفيما تحب؟
قال: نعم فعلت، وضحك ضحكة تجمع بين التهكم وعدم الثقة فيما وصل إليه.
قلت: الكلمة لك، كلي أذان صاغية.
سكت طويلا وهو يفكر وعينيه إلى الأرض…. شعرت أنه في حاجة إلى مساعدة ليفصح عما بداخله.
قلت: أذكر أنك قلت لي في المرة الماضية أنك لا تريد أن تنجح لتحافظ على أحلامك.
قال: نجاحي سيجهض أحلامي… لأن المسار الذي أسير فيه لا يوصل إليها.
هذه عبارة أوضح من تلك التي صرح بها خلال المقابلة السابقة حين قال: النجاح هو نهاية سعيدة لحلم جميل، ولأني لا أحب لأحلامي أن تنتهي فلا أريد أن أحقق أي نجاح.
قلت: هذا يعني أنك تعرف أحلامك، وترغب في تحقيقها، لكن ليس بنجاحك في المسار الحالي، هل هذا ما تقصده؟
قال: نعم.
قلت: هل يمكنك أن تصف لي أحلامك؟؟
عاد إلى السكوت مرة أخرى. كلما سألته عن أحلامه وما يحب يفضل الصمت. لجأت إلى تقنية الكتابة وهي تقنية مفيدة في التخطيط الشخصي. أعطيته ورقة وقلما.
قلت: سأمنحك 10 دقائق لوحدك، أطلق العنان لخيالك وتحرر من كل ما يقيدك أو يضغط عليك الآن، انس تخصصك ودراستك وانس عائلتك ومحيطك فقط فكر في الصورة التي تحب أن تكون عليها بعد عشر سنوات… حياتك، وظيفتك، علاقاتك، مسكنك، حالتك الاجتماعية … صف لي شخصا اسمه يونس في سن 28 سنة، صفه في أحلى صورة تحب أن تراه فيها.
بعد عشرة دقائق، أعطيته ورقة أخرى، قلت له أكتب العوائق التي ستمنع يونس الذي وصفته من أن يكون على الصورة التي رسمتها له.
بعد انقضاء الوقت، طلبت منه أن يقرأ ما كتب. كانت لغته سليمة وراقية، أفكاره مرتبة، وصفه جميل ودقيق. تفاجأت كثيرا، فعادة عندما أقوم بنفس التمرين مع بعض الشباب لا يقوون على صياغة جمل قليلة دون أخطاء فاضحة. ورغم أن ما كتبه لم يخل من نبرة التشاؤم، ورغم أن حكاية الأب حاضرة بقوة في الورقتين معا، لكني صفقت له طويلا وأغدقت عليه من كلمات التشجيع والإعجاب بما كتب، وركزت أولا على إمكانياته اللغوية وتميزها.
من أهم ما أشار إليه في ورقة الأحلام: أسرة مستقرة وزوجة مثقفة وطفلان، مكتبة في البيت، سيارة، تقديم المحاضرات والمشاركة في المناظرات وتأليف الكتب، زيارة بلدان العالم ذكر بعضها …. ولم يذكر أية مهنة سيمارس.
ومما ذكر في ورقة العقبات: علاقته بأبيه وفصلها بشكل جلي وهكذا ساعدني على فهم الموضوع على الأقل في عمومياته، ونتائجه الدراسية …
قلت: ما كتبته هنا واضح، وهذا أعتبره نجاحا لك.. ثم ابتسمت وأضفت: نجاح لن يهدد أحلامك.
قال: وكيف سينفعها؟
قلت: ألا ترى أنك كتبت عن أحلامك دون أن تذكر أباك، وكتبت عن أبيك دون أن تذكر أحلامك؟
قال: وما الفائدة؟
قلت: الفائدة هي أنك فصلت بينهما، وهذا سيساعدنا على أن نعالج كل منهما بمعزل عن الآخر. ونحدد نقطة تقاطعهما ونعالجها في حجمها دون تضخيم. أنا أطلعتك الآن على الاستراتيجية التي عليك اتباعها، بقي أن تساعدني أنت بشيء. ضع جردا للمهن التي ترى نفسك فيها وأنجز بحثا صغيرا حولها. وفي المرة القادمة نناقش خطة تنزيل استراتيجيتك.
قال مبتسما: الأمر فيه استراتيجية.
قلت: اعتبرها خطة أو برنامج عمل أو مشروع شخصي… سمها ما شئت المهم هي عبارة عن خطوات يجب اتخاذها لتحقيق نجاحاتك في الحياة.
قال: نحدد موعدا؟؟
قلت: راسلني عبر الفيسبوك عندما تكون جاهزا.
قال: ألا يمكن أن ننتهي من هذا اليوم؟
قلت: هل تعبت مني؟ مللت من لقاءاتي؟
ضحك وقال: أبدا، على الأقل أنت تتحملني… لكن أريد أن أصل إلى نهاية سريعة.
قلت: إذا لا تحصر هذا الأمر في مقابلاتي معك، وظف الفترات البينية لتحاور نفسك وتفكر ذاتيا وتتأمل، لأن هذا يساعد على فتح آفاق جديدة في كل مقابلة.
قال: فهمت… أشكرك كثيرا.
قلت: ما اسم زوجتك المثقفة؟
ضحك مطولا وقال: تلك زوجة يونس صاحب 28 سنة، والله لا أعرف اسمها.
قلت: لكنك تعرف أنها مثقفة.
قال: أكيد.
ثم غادر.
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.