منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

(خطبة) بالعدل والإحسان يقضى على الغلاء

(خطبة) بالعدل والإحسان يقضى على الغلاء/ الأستاذ بن سالم باهشام

0

(خطبة) بالعدل والإحسان يقضى على الغلاء

الأستاذ بن سالم باهشام

عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.

عباد الله، يقول تعالى في سورة النحل: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ، يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) [النحل: 90]

عباد الله، عندما تجتمع السلطة والمال في يد واحدة، يصبح الضحية هو الشعب، الذي تُمتص دماؤه بسبب الطغيان الذي هو تجاوز الحد والناتج عن السلطة، والمفضي للبغي والفساد، قال تعالى في سورة الفجر: ( الذين طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد)، ومن ظواهر هذا الفساد، الغلاء في الأسعار، والذي تذوق الشعوب المستضعفة ويلاته. ومما يتم القضاء به على ظاهرة الغلاء، هو العدل والإحسان.

عباد الله، إن الله تعالى أمر بالعدل والإحسان. وعلى شريعة العدل والإحسان يتم القضاء على الغلاء، والعدل والإحسان شعار وبرنامج. وهما مطلبان أساسيا، فالعدل مطلب يقتضي التدافع على أرض الواقع، والعدل كلمة جامعة، ومطلب أساسي في عصر أصبحت فيه قسمة الأرزاق وإنتاجها وتمويل عملية التنمية وتنظيم ذلك تحديا قاتلا في وجه الأمة [ نظرات في الفقه والتاريخ، للإمام عبد السلام ياسين (ص: 84)].

والإحسان مطلب تربوي في علاقة الفرد والجماعة مع الله تعالى قصد الخلاص، وسنسوق نموذجين عمليين يمثلان جانب العدل وجانب الإحسان للقضاء على الغلاء.

أولا: نموذج الجانب العدلي للقضاء على الغلاء

عباد الله، ذهب مواطن أرجنتيني ليشتري كرتونة بيض، وعندما سأل البائع عن السعر، وجده أغلى من المعتاد، فلما استفسر عن السبب، أجابه البائع بأن الشركات الموزعة قد رفعت السعر، وبهدوء تام، أخذ المواطن كرتونة البيض وأعادها إلى مكانها قائلا: لا داعي للبيض، وأستطيع العيش دون أكله، وكذلك فعل كل المواطنين، دون أن يشنوا حملات أو إضرابات، لكنها كانت ثقافة شعب لم يقبل أن تبتزه الشركات، فماذا كانت النتيجة بعد هذا التصرف الواعي والمسئول من الشعب قاطبة ؟

بعد أقل من أسبوع؛ جاء عمال الشركات لإنزال البيض للمحال والمتاجر، لكن أصحابها رفضوا قبول أي كرتونة بيض جديدة، لأن كراتين البيض القديمة لم يشتريها أحد، أصرت الشركات على معاندة الشعب قائلة: إن هذه الاحتجاجات ستنتهي بعد أيام قليلة، وسيعود الناس لشراء البيض كالمعتاد، إلا أن الشعب كان أكثر عنادا ووعيا وتحملا للمسئولية، فقاطع البيض، وخسرت الشركات مرتين: الأولى في كراتين البيض المتكدسة، والثانية في إطعام الدجاج الذي لا يتوقف عن الأكل وإنتاج البيض، فتراكمت الخسائر وتضاعفت، فاجتمع أصحاب شركات الدواجن، وقرروا إعادة سعر البيض إلى وضعه السابق، ورغم ذلك استمرت المقاطعة من الشعب قاطبة، وكادت الشركات أن تعلن إفلاسها، فما كان منهم إلا أن اجتمعوا مرة أخرى، وقرروا ما يلي:

1 – تقديم اعتذار رسمي للشعب الأرجنتيني كله في جميع وسائل الإعلام.

2 – تخفيض سعر البيض إلى ربع قيمته الأصلية.

هذه قصة حقيقية لشعب واع بما له وما عليه،  من هنا ندرك أن للشعب قوة وسلطة، فوق قوة وسلطة الحاكم والمنتج، وباستطاعة الشعوب أن تخفض من سعر أي سلعة، أو ترفعها بإرادتها وحدها، دون حملات أو إضرابات.

عباد الله، هذا شعب كافر لا يؤمن بالله ربا، ولا بالإسلام دينا، ولا بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا، استطاع القضاء على الغلاء بوعيه وفطنته، فمن سيقوم بهذه المهمة التوعوية في مجتمعاتنا المسلمة؟

عباد الله، اعلموا أن العدل الذي أمر به الله تعالى، هو مبادرة إلى هموم الأمة، وليس اختياريا، بل بأمر أنزله الله، فهو واجب على المحسنين، لا تسابقا مع المتاجرين في سوق اليسار، لهذا يجب أن يكون العدل برنامج المسلمين واضحا، لتتحد عليه جهود الصادقين، وتلتف حوله جماهير الأمة.

عباد الله، اعلموا أن عملنا يكون اضطرابا عقيما على وجه الأحداث، وعملا غير صالح بمعيار القرآن، إن لم نحمل في قلوبنا وعقولنا نية العدل، وإن لم تمض عزائمنا وأعمالنا لتحقيق العدل: العدل في الحكم، والعدل في القسمة، بهما جاء شرع الله ربنا. وتفشل محاولة المسلمين على أرض الواقع، إن غاب العدل في برنامجهم، بل إن لم يكن العدل أول بند وأوسطه وأبرزه في برنامجهم.

عباد الله، إن شرف المسلمين، أن يجلسوا في أحضان التربية مع الذاكرين، قريبين إلى أرض التواضع، حيث البائس يواسونه، وجريح البدن والقلب يأسون جراحه، قريبين من هموم المستضعفين، لأن هذا القرب إلى الضعفاء، يجلب رحمة الله، وهم رحمته ورضاه وجنته ووجهه الكريم يطلبون. (من رسالة الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله في التسمي بالعدل والإحسان، ذي الحجة عام 1407هـ بتصرف)

عباد الله، بالعدل الموفي بالمطالب الدنيوية، يستطيع العبد أن يتطلع إلى الغاية؛ وهي الإحسان. [نظرات في الفقه والتاريخ (ص: 85)]

عباد الله، لا ينبغي أن نحني رؤوسنا ونستسلم للذل، فلندافع عن أنفسنا، ولكن ليس بالعنف، بل بالقوة، والإنسان العنيف لا يستعمل العقل، فيؤذي بذلك نفسه ويؤذي الناس، والعنف لا يأتي بخير، بينما القوة هي العمل بالعقل، والعقل عطاء من الله تعالى. وجدير بالمؤمن والمؤمنة أن يواجه هذا العداء والطغيان بالقوة التي أمرنا الله باتخاذ الأسباب لامتلاكها في قوله سبحانه وتعالى من سورة الأنفال: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ) [الأنفال: 60]، لأن الله سبحانه وتعالى أمرنا ألا نرضى بالظلم، وكذلك صلى الله عليه وسلم. فنحن لا نرضى بالذل، ولا ندعو إلى العنف على المسلمين ولا على غيرهم.

عباد الله، إن من يحكموننا ناس ينهبون خيرات البلاد، وحديثنا عن أمور الدنيا وتحقيق العدل بين أهلها؛ مطلب عزيز لتحقيق الغاية الإحسانية، ونيل رضى الله عز وجل، وهذا ينفعنا عند الله في الدنيا والآخرة.

ثانيا: نموذج الجانب الإحساني للقضاء على الغلاء

عباد الله، في الهند، حدث غلاء شديد للأسعار في ستينات القرن الماضي، وكان الناس قبل ذلك في عز وغنى، وكان وقتها الداعية العالم “محمد يوسف الكاندهلوي” رحمه الله،  صاحب كتاب “حياة الصحابة”، مشهوراً بزهده وورعه هناك. فذهب إليه الناس واشتكوا ارتفاع الأسعار والغلاء الفاحش، وقالوا له: هل نحتج ونغضب؟

قال لهم العالم: الناس والأشياء عند الله مثل كفتي الميزان، فإذا ارتفعت قيمة الإنسان عند الله “بالإيمان والأعمال الصالحة”، قلت قيمة الأشياء.  وإذا قلت قيمة الإنسان عند الله بسبب الذنوب والمعاصي، ارتفعت قيمة الأشياء وزادت الأسعار وعم الغلاء.

فعليكم بجهد الإيمان والأعمال الصالحة، حتى ترتفع قيمتكم عند الله، وتقل الأسعار،

ولا تخوفوا الناس من الفقر، فهذا شغل الشيطان، قال تعالى في سورة البقرة: (الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ، وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا، وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) [البقرة: 268]، فلا تكونوا من جنوده وأنتم لا تشعرون، فو الله لو أن هناك في قاع البحر صخرة صماء ملساء فيها رزق لعبد لانفلقت حتى تؤدي إليه رزقه، فالغلاء لا يمنع عنك رزقاً ساقه الله إليك، فالذي فتح لك فاك، لن ينساك، والذي شق الأشداق، تكلف لها بالأرزاق، قال تعالى في سورة الأعراف: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ) [96 الأعراف]، فبالإيمان والتقوى تسعد المجتمعات وتعم عليها النعم والرخاء.  فلا تشغلوا أنفسكم بأسعار صرف العملات ولا بالغلاء.  فالرزق عند الله مضمون، ولكن اشغلوا أنفسكم بأسباب الرزق وهي: التوبة  والاستغفار. قال تعالى في سورة النور: (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [النور: 31]، وقال سبحانه وتعالى في سورة نوح : (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا) [نوح: 10- 12]، روى أبو داود ، وابن ماجه، والبيهقي، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- : (مَنْ لَزِمَ الاِسْتِغْفَارَ، جَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا، وَمِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًا، وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ) [أخرجه أبو داود (2/85 ، رقم 1518) ، وابن ماجه (2/1254 ، رقم 3819) ، والبيهقى (3/351 ، رقم 214)].

عباد الله، يكون حمل المسلمين لشعار عظيم وهو العدل، وما يكنه من برنامج واسع عريض، مجرد ضوضاء وغوغاء إن فقدوا المطلب الإحساني، أو اندثرت معانيه في قلوبهم، لا قدر الله. الإحسان لتطمئن خطى المسلمين إلى الله، وخطواتهم في مواجهة الحقائق المرعبة في المجتمع: والتي منها علائق الاستكبار الطبقي والحقد الطبقي. وبوجود الإحسان لن يدعو المسلمون أبدا إلى الحل الصراعي العنيف، ولن يستفزهم جو الكراهية المخيم على الأمة من فعل الفئات الشاذة النادة عن حكم الله الظالمة المتعسفة عليهم، فيفقدوا توازنهم، إذ التوازن عدل.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.