منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

ما تبقى من رسائل الرحيل | قراءة أولية في المجموعة الشعرية “شاعر من الرَّبع الخال” لمحمد فريد الرياحي

د. محمد دخيسي أبو أسامة

0

ما تبقى من رسائل الرحيل

قراءة أولية في المجموعة الشعرية “شاعر من الرَّبع الخال” لمحمد فريد الرياحي

الكاتب: د. محمد دخيسي أبو أسامة

 

شاعر عتيد= واسمه الفريد

ليس عن رؤاه= في الظل يحيد

المزيد من المشاركات
1 من 200

إنه الفريد= في الوغى جليد

إنه الرياحي=مكثرا مجيد

تلك آي حر=ربه المجيد

اخترت التعامل مع هذا النص القديم، لأصل من خلاله إلى تقديم المجموعة الشعرية الجديدة “شاعر من الربع الخالي” لمحمد فريد الرياحي.

وقد لا تسعنا هذه الإطلالة للإلمام الكلي بالدلالات والجوانب الفنية التي وظفت فيها، بقدر ما نركز على المقصدية، أو الهدف الأولي من نشر هذا النص الطويل.

ربما، نختلف مع الشاعر في الطريقة، أو في الفكر والسبب الكامن وراء اختيار “الربع الخالي” صفة لمكان معين، ولا يعنينا أيضا ما سيق في إطار صراعات شخصية، قد نختلف أيضا معه فيها.

لذلك نقف عند التيمة الأساس، ونلخصها في مقطع سابق له:

رأيت أنني

إليك جئت هاربا

وتائبا

وأنني في ملكوت مشرقي

آتيك من جنون وجدة برونقي

فالشاعر يربط بين تجربته الشعرية، وبعض أسباب مغادرته المدينة؛ التي ترعرع فيها، وشاب وشب، وآنس منها وجدا، فكانت بلا ضفاف. ومن القضايا المثارة في المجموعة الشعرية “شاعر من الربع الخالي”، نذكر ما يأتي:

– عدُّ وجدة “ذات الفرائد، التي يُبدع مثلها في القصائد” (ص. 3)؛

– الحضور القوي لفعل (الرحيل)، وما يقف وراءه من أسباب، وما تخلله من ظواهر ومظاهر، وما تخلفه من نتائج، قد تكون لصالح الراحل أم ضده:

رحلتَ

فلم تلتفت للوراء

ولم تنتبه للعصافير متعبة تنتفي بالعراء… (ص. 5)

– الواقع الحالي، اختيار الرحيل سبيلا لمناجاة حقيقية مع واقع جديد:

رحلت

فليس يردك عن خطوات الرحيل

نداء العشيرة في سابحات الرؤى (ص5.

– آفاق المستقبل، وفيه يناجي الشاعر المستجير، ويرى فيه سبيل الخلاص، وإن كان عند البعض يعد هروبا من واقع، كان يفترض التضحية والتحدي والمواجهة. غير أن الرياحي كان مع فرصة التملي بوجه الآخر، عله يجد الأنس الغائب، والاهتمام المفروض كونه سبيلا للفرادة وهو بين وجدة الفرائد:

يردد في جامحات الرؤى من

فتى يستجيب

لخولة في البلد المستجير

رحلت

وفي خافقيك الجنوب العسيرة تسفي الطلولا (ص. 12)

– وفي إطار الاستباق، يقف الشاعر أمام الماضي، يعريه بكل صيغ التمرد والثورة. وقد لا ينتبه كثير من القراء إلى أهمية النبرة الصوتية التي يمكن رصدها بين سطور الكتابة، كأن الشاعر يوظف اللفظة والحرف والعبارة والموقف العروضي والإيقاعي، لينزل منزلة المتشظي عن الواقع، الهارب إلى مكان يؤنسه بعيدا عن رَبعه الخالي.

وهو بذلك يسترجع معنا شعر الصعلوك الشنفرى الذي قال:

أقيموا بني أمي صدور مطيكم فإني إلى قوم سواكم لأميل

ونحن نعرف جيدا، معنى الاستجارة، التي توازي مفهوم اللجوء حاليا، أو طلب الانتماء إلى قوم غير الأصل، هربا من جريرة أو استباقا لحرب خفية، أو نزولا عند رغبة مبيتة…

– الوقوف المتكرر للشاعر حول ذاته، يعدها فريدة، وغير مكررة. وهي صفة ملازمة لفريد الرياحي (الفريد)، سواء من حيث نظمه الشعري، أم معاملاته اليومية؛ مما أثار لديه غريزة التفوق:

رحلت

وما فيك إلا

قصيدتك المشتهاة

وأنت

وغرّ

من الليل شتى (ص. 17- 18)

– الاقتصار على ذكر وجدة بشيء يثبت عدم جدوى العيش فيها، ولا هي من الأماكن التي تثيب صاحبها، أو تعود عليه بالنفع:

مقامك في وجدة

كمقام المسيح (ص. 15)

وحيدا

وما لك في وجدة من

مآب (ص. 32)

– فمن خلال ما سبق، وقد أتيت بمقاطع شعرية، توثق للمراحل الثلاث التي وظفت في هذه القصيدة/ الديوان. نرصد الانتقال من الدافع، إلى الواقع، وصولا إلى النتيجة. وهي مراحل تثبت بالملموس، أن الشاعر واثق من حكمه على ما وقع له وما يمكن أن يقع.

كما أن الشاعر الرياحي، يعبُر بنا إلى ضفة أخرى، تبعده عن الربع الخالي. وهي حقيقة تسلب فكر ووجدان من عاين بعض الصراعات الثقافية التي عرفتها الجهة في مرحلة كان للبعد الإيديولوجي دور في تقلد مناصب الريادة الشعرية، إلى جانب الصراعات الخفية التي تولدت عنها. ونعترف أن هذه الصراعات أو الاختلافات الفكرية إن صح التعبير، كان لها الفضل في نبوغ ثلة من الشعراء بوجدة والوطن عامة. وهو ما عاد بالنفع والفائدة على المتلقي بكل أطيافه.

وهنا لا بد من الوقوف عند الظاهرة ذاتها –حاليا- وقد أفضت إلى صراعات (فارغة المحتوى والهدف)، أثث فضاءها جدار أزرق ولد أشباه المثقفين، ممن ينذر ويتوعد ويتخلف، فيفكر بصوت مرتفع، ولا يصدر إلا جعجعة خاوية على عروشها.

ملاحظة: المقال تقديم لقراءة في أعمال محمد فريد الرياحي، وصورة لواقع مهترئ.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.