منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

مدارس الحياة المتعددة (15) مدرسة النجاح

مدارس الحياة المتعددة (15) مدرسة النجاح/ الدكتور إدريس أوهلال

0

مدارس الحياة المتعددة (15)

مدرسة النجاح

بقلم: الدكتور إدريس أوهلال

 

الشغف والإلهام والموهبة والعبقرية والإبداع والإيجابية كلمات سيئة عندما تُستخدم كبديل عن قيم وضوح الرؤية، والالتزام بها، والانضباط لها، والعمل عليها، وبذل الجهد في سبيلها، والمثابرة حتى تحقيقها.

إن النجاح العظيم رحلة طويلة وشاقة، وثمرة التزام وانضباط وصبر ومثابرة، أما هذه “الأوهام” النازلة من سماء الكلمات المُبَجَّحة والرغبات المُجَنَّحة فيستخدمها الخيميائيون الجدد لغرض واحد فقط هو تحويل ما بقي من ذهب الاستعدادات الطيبة إلى حجر.

من المهم أن يكون لك شغف، لكن من الخطير أن يكون لك شغف وحده. الشغف وحده مجرد أحلام مُجَنَّحة تعطي النشوة المخدرة لكن لا تعطي النجاح، لأن الوصفة الحقيقية للنجاح لا تنزل من سماء اللغة والرغبة، بل تنبث من أرض الصبر والزمن.

عندما تحاول مثلا تعلم مهنة جديدة لتعيد بناء مسارك المهني من جديد، بعد أن قضيت عمراً بأكمله في مسار مهني آخر، تكون رغبتك الجامحة في تطوير ذاتك وشغفك القوي بالتعلم مسألة ثانوية وجانبية مقارنة بتحدي الرحلة الطويلة والشاقة التي تنتظرك، والعمل المثابر والمسؤول الذي يلازمك. إن النجاح العظيم هو ثمرة الالتزام ببذل جهد كبير ومنتظم على مدى زمني طويل، أما “الكلمات السحرية” فتستخدم لغرض واحد فقط هو تسويق الوهم.

الوعد بالنجاح، وضرب الأمثلة بأشخاص انطلقوا من الصفر وأدركوا قمة النجاح، حيلة إيديولوجية وتسويقية قديمة تستخدم أخطر الأسلحة في المواجهة: “اللغة”، وتخاطب في الشخص أخطر ما فيه: “الرغبة”، وتجعله يقضي عمره كله في البحث عن نجاحه وشغفه وموهبته وعبقريته وإبداعه دون جدوى.. وينسى في غمرة الغيبوبة السعيدة لنشوة الوعد أن النجاح له قوانين بسيطة هو البداية الصغيرة وبذل الجهد الحقيقي والمثابرة عليه والتركيز على الهدف وعدم الالتفات عنه حتى بلوغ النهاية المشرقة.. أحيانا لا تحتاج للانتصار سوى إلى عدو غبي تقدم له حبلا كافيا لكي يشنق نفسه بنفسه.

إن النجاح، ككل الأشياء الموجودة في هذا الكون، تبدأ صغيرة أو عشوائية، ثم تنمو بالجهد والمثابرة والصبر والزمن، فتصبح على المدى البعيد إنجازاً كبيراً ونجاحاً عظيماً. إن الناس عموما تنسى قانونا بسيطا هو قانون التراكم الكمي والتراكم النوعي؛ فالتراكمات الكمية عندما تمتد على مدى زمني طويل تؤدي إلى تغيرات نوعية. عندما يصل التراكم الكمي القائم على الجهد والمثابرة والصبر والزمن إلى ذروته تبدأ عملية التطور النوعي الذي نسميه إنجازاً ونجاحاً وتميزاً.

لنكن جادين في التعلم، ولنضع حَرْق المراحل والرغبة الطمّاعة والتعلق العاطفي جانباً، ولنبدأ بالبداية الصحيحة والمنهج الصحيح: الطموح العالي جداً من أول يوم بكل تأكيد، لكن ببداية صغيرة، مع العمل الشاق، والاندماج الكلي، والإنجاز المثابر، والتَكَيَّف الفعَّال، والبساطة.

إن النجاح العظيم لا أسرار له، ولا توجد خلطة سرّية، في كتاب سري، لا يعرفها إلا عدد قليل من حراس معبد سري، تشرح بطريقة سرية “كيفية زيادة الثروة والصحة والسعادة”، ببساطة لأن تلك الكيفية بسيطة وواضحة ومعروفة لدى الجميع، وكل ما نفعله هو التغاضي عنها لكي نستمر في التعلق بالأوهام أو الانجراف مع عادة الكسل. وهذه الكيفية هي ببساطة الانخراط في عمل يضغطك ويضطرك لترك الكثير من الرغبات المحببة لقلبك، والمثابرة في أنشطة مُمِلَّة، وتكرار نفس المهام الروتينية لمئات أو آلاف المرات.

يخطئ من يعتقد أن رحلة النجاح نزهة مريحة، بنشوة ممتعة، وأحاسيس رقيقة، وإيقاعات جميلة، نتلذذ بها ونحن نتقدم وننجز. النجاح فعلاً مريح وممتع ورقيق وجميل، لكن رحلته مسار شاق ومتعب عبر محطات الجهد المستمر والملل المتربص والإحباط الذي يفاجئك بين الحين والآخر، لكنك رغم ذلك تتابع رحلتك، لا لأن المسار ممتع، بل لأن النهاية مشرقة!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.