منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

مدارس الحياة المتعددة (18) مدرسة التعاطف

مدارس الحياة المتعددة (18) مدرسة التعاطف/ الدكتور إدريس أوهلال

0

مدارس الحياة المتعددة (18)

مدرسة التعاطف

بقلم: الدكتور إدريس أوهلال

التعاطف هو القدرة على تجربة مشاعر شخص آخر والإحساس بما يشعر به، إنه الشعور بمشاعر الآخرين بشكل عام، وهو يشمل الاهتمام بحياة الآخرين الداخلية ومشاركتها والتفكير فيها، ويكون عادة مع من يشبهوننا، ومع الأشخاص الجذابين، والذين لا نشعر بالتهديد منهم، والمألوفين لدينا. ويعتقد الكثيرون أن التعاطف قيمة إيجابية وسامية أساسية لحياتنا الأخلاقية، لكن هل فعلا التعاطف قيمة إيجابية؟ وهل من المفيد لنا التعبير عن تعاطفنا مع الآخرين، أم أن التعاطف يقتل صاحبه؟

دعونا أولا نؤكد على أن التعاطف من حيث المبدأ مغري بمظاهر إيجابية كثيرة، منها:

– عندما نعبر عن تعاطفنا مع الأشخاص الذين يواجهون ظروفاً صعبة وحالات من الحزن أو الاكتئاب، فإننا بتعاطفنا هذا نساعدهم على التخفيف من معاناتهم واسترجاع بعض الثقة بأنفسهم.

– الناس الذين يتصرفون انطلاقا من التعاطف يحصلون أحيانا على نوع من الراحة النفسية والأخلاقية.

– الذين يغلب على سلوكهم التعاطف ينمون حياة عاطفية ذاتية تشبع لديهم حاجات عاطفية وتملأ فراغات عاطفية أو أخلاقية في حياتهم.

– التعاطف يحفز المبادئ الأخلاقية ويجعلها أكثر تجسيداً وإلحاحا.

لكن رغم هذه المظاهر الإيجابية والإغراء الذي يمارسه التعاطف علينا، فإن له سلبيات بل مخاطر تقتضي التخلي عنه واستبداله بالرحمة. فما هي مخاطره؟ وما الفرق بينه وبين الرحمة؟ ولماذا تمثل الرحمة بديلا أخلاقياً فعّالا ودون مخاطر للتعاطف؟

إن التعاطف تجربة تكتنفها مخاطر تطال الذات المُتعاطفة، أهمها:

– العواطف عموماً متقلبة وغير منطقية، وعلينا أن نخضعها للعقل.

– إن الشعور بمعاناة الآخرين بشكل حاد جدا يؤدي إلى إنهاك الذات وإرهاقها؛ فالأم التي تصاب بالذعر مع ابنتها المذعورة، والأب الذي يغرق في القلق وهو يرعى ابنه القلق، يرهقان ذاتهما في تجربة التعاطف، في حين أن إدراك حالة الآخر وفهمها ومساعدته لا تقتضي بالضرورة إرهاق الذات بالاشتراك في المشاعر. إن المسافة أمان.

– التعاطف يقود إلى قرارات وتدخلات غير فعالة غالبا لأنها تقوم على التعاطف العاطفي مع الحالة لا على الفهم الإدراكي للحالة.

– إن صانع القرار الجيد يبني قراراته باستخدام يقظة الدماغ وموضوعية العقل ونزاهة الأخلاق، وهذه الشروط لا يوفرها التعاطف.

– إن المبدأ الأخلاقي الذي ينطلق منه التعاطف ابتداء يصبح مهدداً بعد ذلك كلما طغت قوة العاطفة على دقة المبدأ الأخلاقي؛ فعندما نتعاطف مثلا مع حالة فردية بدافع أخلاق الإحسان، قد نقع في خطيئة عدم النزاهة والحياد تجاه حالة جماعية فنخرق بذلك أخلاق العدل.

– المشاعر وحدها لا تبني الحياة الأخلاقية الفعالة والمتوازنة، إنها تجعلنا فقط أشخاصا طيبين، أو سُذّج وأغبياء بتعبير يخلو من المجاملات، أما أخلاق الإنسانية الفعالة والمتوازنة فتقتضي الجمع بين رحمة القلب وحكمة العقل.

الخلاصة هي أن التعاطف عاطفي وغير منطقي وقصير النظر ومرهق للذات وغير فعّال، وقد يكون لا أخلاقيا، وتكون له غالباً عواقب كارثية.
وبالإضافة إلى كل ما سبق، يبقى عيب التعاطف الأكبر أنه يقوم بالتركيز على حالة منفردة في خصوصية مظروفيتها الهنا والآن، ويؤدي بالتالي إلى اتخاذ مواقف وقرارات أخلاقية قصيرة النظر وغير عادلة ومنحازة. لا يمكن لتعاطف فردي أن يخفف من المشاكل الاجتماعية. لا يمكن مواجهة مشاريع وبرامج واستراتيجيات شمولية تستهدف كرامة الناس وظروف عيشهم، بإضافة طبقة رقيقة من التعاطف الفردي فوقها. لا يمكن لما تم تدميره اجتماعيا أن تتم مواساته عاطفيا. ما دُمِّر بمشاريع واستراتيجيات اجتماعية لا يمكن أن يعالج إلا من خلال مشاريع واستراتيجيات اجتماعية مضادة. لا يفلّ الحديد إلا الحديد.

إن التعاطف مُغري بأخلاقياته الظاهرة، لكنه سلوك قصير النظر، ومن غير تحكم يمكن أن يقتل صاحبه، ونحن أفضل حالا مع الرحمة، وذلك للاعتبارات التالية.

– الرحمة هي غير التعاطف؛ الرحمة هي رعاية الآخرين دون الشعور بالألم، أما التعاطف فهو الاشتراك في الشعور بالألم.

– الرحمة نابعة من الحب، أما التعاطف فنابع من الشفقة.

– الرحمة سلوك عاطفي وأخلاقي يتسم بالاستقرار، أما التعاطف فسلوك عاطفي يتسم بالتقلب.

– الرحمة كسلوك تقترن دائما بالحكمة، أي أنها تعاطف عقلاني مصحوب ببعد نظر عقلي، يعزز صناعة قرارات رحيمة لكنها حكيمة وأخلاقية.

– التعاطف يركز غالبا على الحالات الفردية، لكن الرحمة تفتح المجال باقترانها بالحكمة للمعالجة الاجتماعية للحالات الفردية.

– الرحمة أكثر فعالية من التعاطف في تعزيز المبدأ وتحقيق الأثر.

الخلاصة، التعاطف مستشار سيء وطفل طائش لا يراعي المصالح، ونحن أفضل حالا مع الرحمة، لذلك علينا أن نقول عن وعي وبكل شجاعة: لا للتعاطف، ونعم للرحمة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.