منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

مدارس الحياة المتعددة (19) مدرسة الزمن

مدارس الحياة المتعددة (19) مدرسة الزمن / الدكتور إدريس أوهلال

0

مدارس الحياة المتعددة (19)

مدرسة الزمن

بقلم: الدكتور إدريس أوهلال

كرونوس.. ذلك المارد الجَبَّار الذي تخيلته الأساطير اليونانية القديمة حاكماً مطلقاً للكون، وعملاقاً خطيراً يبتلع أبناءه. هو أكبر معمر في تاريخ الكون، وبالتالي فهو أبو الحكمة والحقيقة والأسرار. هو المادة الأولية الأكثر أهمية وندرة في هذا الكون التي تهيمن على دقائق أعمالنا ولحظات حياتنا. يتوسط علاقتنا بذاتنا واستعداداتها، وبالعالم وأحداثه، وبالعمل ومتطلباته. يمحو ألم التجارب ويُبقي على دروسها فقط، ويُطفئ رغبات البدايات ويُبقي على زهد نهاياتها فقط. يُهدئ غضب الانفعالات ليصنع منه نضجاً عاطفياً، ويخنق غباء الفهم ليصنع منه نضجاً فكرياً، ويُوَجّه اندفاع الحركة ليصنع منه نضجاً عملياً. إنه المعلم لمن لا معلم له، لكن المأساة أنه يقتل تلامذته ويبتلعهم عندما يفشلون في فهم لعبته.

ولعبته لا يمكن أن نعيشها كلها في يوم وليلة، ولا أن نفكر في ذلك أو نسعى إليه إلا إذا كنا تائهين؛ لأن الزمن لا يُطوى، ولأن أعمال الحياة متعددة ومتنوعة لا عمل واحد نختزل فيه حياتنا بالكامل. إن حياة العبث هي أن تشغل حياتك بالكامل بنوع واحد فقط من أعمال الحياة.

لكل واحد منا أعماله الخاصة التي يقوم بها في حياته، ولكل واحد منا طريقته الخاصة في تنظيم أعماله في يومه وليلته، لكن قلّما ننتبه إلى أن الحياة هي الزمن، وأن الزمن هو العمل لا غير؛ فنحن جميعاً نعيش حياتنا من خلال الأعمال التي نشغل بها يومنا وليلتنا.

وأعمال الحياة أنواع؛ منها ما يلزم مرة في السنة كالتخطيط والتقييم، ومنها ما هو موقوت مضبوط كالواجبات اليومية، ومنها ما يسنح في أوانه وبمناسبته كصلة رحم أو زيارة صديق، ومنها ما هو فرصة دائمة كتقديم مساعدة، ومنها ما هو صفة نفسية مصاحبة كاليقظة، ومنها ما ينبغي أن يصبح عادة راسخة كالضبط والانضباط.

لكن، رغم تعدد أنواع الأعمال وأشكال تنظيم الزمن، يجب أن تكون لنا في علاقتنا بالزمن معالم وقواعد ليكون تنظيمنا للزمن متوازناً.

دعونا أولا نرى أساس علاقتنا بالزمن:

يختل نظام العلاقة بالزمن عندما ينحصر العيش في الماضي فقط، أو في الحاضر فقط، أو في المستقبل فقط. إنها المظاهر الثلاثة لأزمة العلاقة مع الزمن.

المظهر الأول لأزمة العلاقة مع الزمن هو العيش في الماضي. إنه الزمن التنازلي القائم على إيديولوجية العصر الذهبي. هنا يوجد الذين يبحثون عن الأمن فيستثمرون في الماضي. المستقبل يكون وراءهم لأنهم متعلقون بالذكريات.

المظهر الثاني لأزمة العلاقة مع الزمن هو العيش في الحاضر. إنه الزمن الراكد القائم على إيديولوجية عش اللحظة. هنا يوجد الذين يبحثون عن المتعة فيستثمرون في الحاضر. الانغماس في الحريق اليومي قصر في النظر وضيق وسطحية.

هكذا عش على الذكريات والماضي أو عش اللحظة ومتعتها، سَلَّمَك الله، فسفراء النوايا الحسنة لا يقلقون حول المستقبل.

المظهر الثالث لأزمة العلاقة مع الزمن هو العيش في المستقبل. إنه الزمن التصاعدي القائم على إيديولوجية التقدم. هنا يوجد الذين يبحثون عن الحرية فيستثمرون في المستقبل. بالأمس كان العاقل هو الذي يركز على أعماله المباشرة والحالم هو من يستشرف المستقبل، أما اليوم فقد أصبح العاقل هو من يستشرف المستقبل والحالم هو الذي يركز على أعماله المباشرة.

إن التضحية بالماضي، والتضحية بالحاضر، والتضحية بالمستقبل، هي ثلاثة مظاهر لأزمة العلاقة مع الزمن. أما العلاقة السوية مع الزمن فتجعلك تضع عيناً لك على الماضي، وعيناً على المستقبل، ورجليك في أرض الفعل في الحاضر.

دعونا ثانيا نرى كيف يلعب الزمن لعبته:

يوزع الزمن ألعابه بين ستة أزمنة:

– زمن الصمت والتفكر: هو زمن لحظات الانسحاب من حرائق الحياة اليومية بهدف التزود والتقييم الذاتي من خلال تجربة الصمت والتأمل والتفكر وممارسة الذكاء الشخصي. في شكله السلبي يصبح زمن الانغلاق والانطواء على الذات.

– زمن المجاملات الاجتماعية: هو زمن الطقوس والواجبات الاجتماعية.. زمن الابتسامة والكلمة الطيبة، والتهاني في المناسبات.. زمن طقوس بدايات ونهايات التواصل بين البشر. في شكله السلبي يتمدد على حساب أزمنة أخرى كزمن العمل عندما يكون الشخص مظروف بعطالته وبطالته النفسية والاجتماعية.

– زمن اللعب واللهو: الترويح والتسلية والمتعة قيم أساسية لضمان التوازن في الحياة، لكن في شكله السلبي يتمدد هذا الزمن على حساب أزمنة أخرى كزمن العمل عندما يكون مزاج الشخص في حالة ملل وحياته في حالة رتابة.

– زمن العمل: زمن الإنجاز وخلق القيمة وتحويلها إلى عائد، وزمن التكامل مع الغير لتحقيق أهداف مشتركة. في شكله السلبي يكون هروباً من زمن الحميمية الفاشلة، أو يتمظهر عند الحالمين والمثاليين والخاملين والعاجزين والعالة المتكففين وراء قيم سامية كالقناعة والتضامن والمحبة، أو وراء مؤسسات فاشلة أصبحت تنتمي إلى الماضي كالمدرسة والوظيفة والنقابة.

– زمن الخصوصية: هو زمن العيش بدون أقنعة.. الزمن الذي نكون فيه على طبيعتنا. في كل الأزمنة نعيش بقناع مرتبط بالأدوار الاجتماعية المطلوب منا أداءها، إلا زمن الخصوصية نعيشه بدون أي قناع. وزمن الخصوصية في العلاقة الزوجية هو الزمن الذي يعيش فيه كل طرف خصوصيته بشكل مستقل عن الآخر.

– زمن الألعاب النفسية: زمن يتواجد في المسافة الممتدة بين زمنين: زمن اجتماعي بقواعد لعب واضحة، وزمن نفسي بقواعد لعب خفية. لكل منا ألعابه النفسية المرتبطة بالمثلث الدرامي وألعابه القاتلة (لعب دور الضحية، أو لعب دور المنقد، أو لعب دور الجلاّد). الألعاب النفسية خبال تستنزف الذات وتغتال كل الأشكال الإيجابية للزمن.

أما قواعد اللعب فهي أربع:

– قاعدة التوازن: استخلص دروس الماضي واستخدمها، وعش فرصة اللحظة واستمتع بها، واستشرف اتجاه المستقبل واستعد له.

– قاعدة التناسب: يجب أن يتناسب كل زمن مع حجمه الطبيعي في حياتنا؛ الانسحاب للتزود بين الفينة والأخرى، ولحظات الواجب الاجتماعي، وسويعات الراحة والترويح والتسلية والمتعة، وساعات العمل والإنجاز والقيمة، والخصوصية المستمرة.

– قاعدة الإيجابية: الألعاب النفسية زمن سلبي، وباقي الأزمنة تحتمل الانزلاق من أشكالها الإيجابية إلى أشكالها السلبية. عش لعبة الزمن بإيجابية.

– قاعدة مفعول الزمن: بعض مشاكل الحياة لا ينجح في حلّها إلا الزمن، ومن الخطأ التدخل لحلّها.. لذلك بجب علينا أحيانا أن ندع الزمن يقوم بمهمته!

هذا هو الزمن.. ذلك المخلوق الجاد في عمله الذي لا يُضَيِّع وقته ولا ينتظر ولا يرجع أبداً!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.