منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

مدارس الحياة المتعددة (22) مدرسة العبودية

مدارس الحياة المتعددة (22) مدرسة العبودية/ الدكتور إدريس أوهلال

0

مدارس الحياة المتعددة (22)

مدرسة العبودية

بقلم : الدكتور إدريس أوهلال

قد يسعدك الحظ وتحصل على وظيفة، وتجد نفسك في الأيام الأولى فرحاً سعيداً آمناً مطمئناً مفعماً بالأمل، ومن فرط أملك تحسب الأمن الوظيفي أمناً مالياً، وبيئة العمل مجالاً لتطوير الكفاءة وتشجيع المبادرة وتعزيز الإبداع.

ثم يتعسك الحظ بعد حين، عندما ترى نفسك بعد عشر سنوات أو خمس عشرة سنة أو عشرين سنة، وقد تحولت إلى فصيلة الخيل والبغال والحمير التي خلقت للركوب متى كانت مرَوَّضة، أو للزينة إذا كانت متوحشة. يتعسك الحظ عندما تجد نفسك مجردَ عبدٍ يحمل جسداً مهترئاً وإرادةً رخوةً ووضعاً مالياً صعباً تعكسه نسبة الاقتطاع من الراتب على قروض تحسين ظروف العبودية.

إن صناعة العبودية فن تجيده بمهارة الرأسمالية المستبدة، لكن بدعم كامل وطوعي من العبيد أنفسهم.

فالعبودية لها طرفان، رأسمالية السوق المتوحشة بما تملك من عفاريت مهمتها ترويض الجسد والوعي والإرادة، والعبيد الذين هم في أحسن الحالات كالخيل إن خُدمَت خَدمت وإن ضُربَت شرست، أو كالبغال والحمير دراً وطاعة. وتصبح العبودية مضاعفة عندما تكون بيئة العمل فاسدة والقيادات مستبدة. وفي ظل هذه العبودية المزدوجة تسري دائما حالة من اللامبالاة والخنوع والخضوع والخوف. وفي ظل هذه العبودية المزدوجة تتقدم دائما كتيبة من المنافقين والجبناء ومعدومي الضمير وفاقدي الكرامة يزينون للسيد الرئيس المدير العام حالة البؤس في الأداء، ويلمعون فشله، ويعرضون بضاعة فاسدة على أنها منجزات ومكتسبات، ويساهمون في استمرار صناعة الوجه الثاني لعبودية الوظيفة، الذي تُقبر معه الكفاءة وتُقيد الحرية وتُشل المبادرة ويُقتل الإبداع.

إنها العبودية في أحط أشكالها، يستلقي أثناءها عفاريت العبودية على قفاهم من الضحك على العبد والمعبود والمعبد، وتدير ملائكة الحرية ظهرها للخيل والبغال والحمير بحثا عن صقور لا تلاعب ولا يستأثر عليها بالصيد.

هذه هي العبودية المزدوجة، وهذا وصفها، فما الحل؟ ما السبيل إلى الحرية؟

إن عبودية الوظيفة التي عاشت فيها وبها أجيال من العبيد الذين تعاقبوا عليها منذ اختراع المدرسة والوظيفة سيذكرها التاريخ مستقبلا بسخرية، وما بقي فينا عبد يحلم بهذه العبودية، ويسعى إليها، ويناضل من أجلها، ويحمد الله على نعمة الفقر، فسيستمر التاريخ في ذكرنا ضمن الفئة التي أصابتها البلادة والبلاهة والخوف والبحث عن أمان الوظيفة وعبوديتها بعيدا عن الآفاق الرحبة والواسعة للاستقلال والحرية.
تبدأ أولى خطوات التحرر من هذه العبودية المزدوجة بتحرير العقل والإرادة، فما لم يتمكن العبيد في لحظات شجاعة نادرة من تغيير معتقداتهم ومشاعرهم وعاداتهم فَقَدَرُهُم هو العبودية. إن معتقداتنا الخاطئة ومشاعرنا المجنحة وعاداتنا الجارفة هي الخصم الأكبر لحريتنا، لذلك نحتاج للتحرر من العبودية إلى البدء بالاشتغال العميق على ذواتنا.

إن الآفاق الرحبة في التعلم لمدارس الحياة المتعددة، والآفاق الواسعة في العمل والرزق للأعمال الحرة والاستثمار الذكي خُلقت للشجعان فقط، أما ضيق التعلم في المدرسة وضيق العمل والرزق في الوظيفة فخيار الجبناء. إن المستقبل لمن يبحث عن الحرية لا لمن يبحث عن الأمان.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.