منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

مدارس الحياة المتعددة (23) مدرسة الحب

مدارس الحياة المتعددة (23) مدرسة الحب/ الدكتور إدريس أوهلال

0

مدارس الحياة المتعددة (23)

مدرسة الحب

بقلم: الدكتور إدريس أوهلال

الحب.. من حيث المبدأ والطبيعة هو عاطفة إنسانية سامية تُستثار بالعطاء والخير والجمال وتدفع المُحب والمحبوب للسعي نحو المزيد منها أو المحافظة عليها، والإنسان بدون مشاعر المحبة ليس إنساناً وإنما جثّة تريد قبرًا، لكن المحبة عندما تُرفع شعاراً مطلقاً يجعل الناس ترى الوجود بأكمله من خلالها تصير نشوة مخدرة وغيبوبة سعيدة ينتشي بها الطيبون الذين يختزلون الوجود بأكمله في المحبة ولا شيء غير المحبة.

عندما ندخل مدرسة “الحب المطلق” يُغرقنا في عالم الشعر، وعندما نستمر في مدرسته يغمر بالشعر حياتنا بالكامل، وعندما نخرج منها يرمي بنا في عالم النثر غير الموزون إذا كنا غير مسلحين بالذكاء العاطفي وبدروس التجربة.. الحب المطلق يُدخل صاحبه روضة الأطفال وينتزع أضافره ويبعثر دفاتره! وقصص الحب المطلق تنتهي غالبا بنهاية بائسة وبموت البطل، وكل من لا يحب حبيبه هوناً ما يرقص مرتين؛ عندما يحب، وعندما يتوقف عن الحب!

أحبب حبيبك هوناً ما ولا تتمذهب بالإفراط في الحب، فالتمذهب للمحبة غيبوبة وغباء، يعطي النشوة المخدرة لكنه لا يعطي الفعالية والنجاعة والتوازن، إنه نوع من السم القاتل، يكفي منه كأس واحد لتفقد حياتك، والمُحب بإطلاق ودون شروط هو كتلة من المشاعر المجنّحة التي يسهل التلاعب بها.

ما البديل الإنساني والواقعي للحب المطلق؟ وهل ينفع العيش بدون مشاعر المحبة؟

من السهل أن تحب على كل أحوالك، أو تنفض يديك من المحبة ومخاطرها كليا وترتاح، لكن من الصعب أن تحب وعقلك حاضر، وتتصرف بعقلانية مع شخص تحبه. الحب الموقفي هو أن تحب حين يكون الحب مطلباً حتى لو كان نمطك عقلانيا، وأن تمتنع عن تشغيل مشاعرك حين يكون الموقف العقلاني مطلباً حتى لو كان نمطك عاطفيا. الحب الموقفي هو أن تحب الشخص المناسب، في الوقت المناسب، للموضوع المناسب، بالأسلوب المناسب، والقدر المناسب. كن على النمط الذي أنت عليه، لكن أحبب دائما باعتدال وفي حدود ما يقتضيه الموقف والمآل.
الحب تعلّق، لكن ما كل تعلّق حب. التعلق بشخص أو فكرة أو تنظيم نوعان: تعلق محبة ويكون من قلب حر، وتعلق خوف ويكون من قلب فارغ (في الآية: “وأصبح فؤاد أم موسى فارغا”).. حب الأحرار وحب العبيد. المحبة تكون أحيانا قناعاً للخوف والتبعية، عندما تكون مثلا شكلاً من أشكال البحث عن الأمان.

الحب إذن حبان: حب العبيد وحب الأحرار، فلا تحسبوا كل من ذاق الهوى عرف الهوى، ولا كلُّ من شرب المدام نديمُ.. المسافة الفاصلة بين “ذاق” و “عرف” هي من جنس المسافة الفاصلة بين التعلق بدافع الخوف والبحث عن الأمن والتعلق بدافع الحب والبحث عن الحرية.
والحب بنوعيه هو طفل طائش لا يراعي المصالح! فالحب مدرسة ليست ككل المدارس، من دخلها دخل روضة الأطفال ومدن الأحزان! الحب مدرسة، والسعي وراء الحب تجربة عاطفية قوية يُفترض أن تُغَيِّر صاحبها للأفضل، لكن ما كل من يسعى وراء الحب ينضج أثناء تجربته.. بعض الأشخاص ميؤوس منهم فلا يبلغون النضج أبداً حتى عندما يدخلون مدرسته، ولدخول مدرسة الحب، والنجاح فيها، شروط والتزامات؛

1. أحب ذاتك أولا حتى تكون قادرا على منح الحب للآخرين، لكن من غير أنانية وسخة.

2. الحب أنواع أكثره ثلاث: تعلق قلب فارغ، وجواب الخيال على رتابة الحياة، وأنانية متبادلة بين شخصين.. تأكد من حقيقة حُبّك!

3. الحب عندما يُرفع شعاراً مطلقاً نرى الوجود بأكمله من خلاله يصير نشوة مخدرة وغيبوبة سعيدة ينتشي بها المُحِبّون والعشاق الذين يختزلون الوجود بأكمله في المحبة ولا شيء غير المحبة.

4. الحب، في غياب التحكم العاطفي، سُلطان، له نفوذه السحري الذي يمارسه على المُحِب والمحبوب، وتهديده الخطير للتوازن الحيوي للأشخاص، بسبب ما يُحدثه من تصدع في النظام الاعتيادي للذوات والعلاقات.

5. الحب المطلق هو تعلق قلب فارغ، وهو أخطر أنواع الحب لأنه قد يقتل صاحبه في لحظة تبعية عاطفية وغياب التحكم العاطفي.

6. الحب المطلق مع عدم التحكم العاطفي هو أسوأ وسيلة لإيذاء النفس، لأن الذات في تجربة الحب المطلق المُجَنَّح الذي لا يصاحبه تحكم عاطفي تكون مكشوفة ومحرومة من أية حماية من العقل.

7. الحبّ المطلق دمار للذات لأنه حب بجرعات كبيرة وبدون تحكم، ولأنه يحدث في النظام الاعتيادي للذوات تصدعاً قدرياً يقلب كل شيء رأساً على عقب.

8. الحب المطلق تجربة عاطفية عنيفة تُدخل صاحبها مدن الأحزان.

9. عندما يكون الهدف من العلاقة هو امتلاك السلطة والسيطرة على الطرف الآخر سيكون الخيار الأفضل هو أن ندخل في علاقة مع من يحبنا لا مع من نحبه لنكون الأقوى في العلاقة.

10. في العلاقات القائمة على القوة المتبادلة تكون الهيمنة دائما بيد الشخص الذي يهتم بدرجة أقل!

11. اِهتم.. فاللامبالاة قاتلة للحب، لكن اِهتم بدرجة أقل إذا كان هدفك السيطرة.

12. السلطة ليست هي السعادة، والتخطيط لامتلاك السلطة مربك للسعادة. وعلينا أن نختار بينهما.

13. قد تتحول علاقة الحب إلى لعبة نفسية؛ كلعبة أتملّكك وتتملّكني، أو لعبة أتدلل عليك وتهتم بي، أو لعبة مهرجانات الولاء العاطفي اليومية… اِلعب صح بالابتعاد عن الألعاب النفسية!

14. لا شيء أكثر عبثية من مطالبة المُحِب بإثبات حبه في كل لحظة.

15. أحيانا عليك أن تختار بين حبك وكبريائك؛ فأول الحب آخر الكبرياء، وأول الكبرياء آخر الحب!
الخلاصة، الموضوع أكبر منا.. لكن عندما نقع في شرك الحب المطلق نحتاج إلى حسن التصرف.. وعلى المحيط أن يتفهّم ويساعد، وعلى المعني أن يتعلّم وينضج. عندما نحب بشكل مطلق، يصبح للأشياء معنى أكبر من معناها الحقيقي، لذلك يجب أن نتوقف عن هذا الحب المطلق المُجَنَّح لكي نعطي للأشياء حجمها الطبيعي!

إضاءة:

– ما مذهب الطيبين في الحياة؟ المحبة!

– ماذا يَتَعَلّم الطيبون من الحياة؟ المحبة!

– وماذا يُعَلِّم الطيبون في الحياة؟ المحبة!

– وبم يحمي الطيبون أنفسهم من قساوة الحياة؟ بالمحبة!

– وما سلاح الماكرين الناعم للمزيد من الهيمنة على الطيبين؟ نشر المزيد من المحبة!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.