منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

مدارس الحياة المتعددة (24) مدرسة الصداقة

مدارس الحياة المتعددة (24) مدرسة الصداقة / الدكتور إدريس أوهلال

0

مدارس الحياة المتعددة (24)

مدرسة الصداقة

بقلم: الدكتور إدريس أوهلال

الحب مهم في الحياة، لكن الصداقة أهم. الحب عاطفة إنسانية سامية من حيث المبدأ، لكنه في الواقع غالبا ما يكون بئيساً وغبياً.. ربما بسبب طابعه المطلق والبطولي، أو بسبب طابعه الأناني والنرجسي، أو بسبب ضعف ثقافتنا الاجتماعية وتربيتنا العاطفية، أو حتى بسبب لعنة أزلية تلاحقه!

الصداقة، لا الحب، هي العلاقة الأكثر نضجاً وإنسانيةً وعدلاً.. هي الشكل الأخلاقي للحب.. إنها حب بدون أجنحة.. هي العلاقة التي تسمح بالصمت وتتسامح معه.. علاقة لا مكان فيها للمشاعر المُحِبَّة لك في الباطن والمُعادية لك في الظاهر! علاقة لا مكان فيها للحروب والكراهية.. الصداقة ترياق.. ومن كل أنواع العلاقات الإنسانية تبقى الصداقة هي البداية والنهاية (أجمل سن للصداقة هو الطفولة والشيخوخة).

يميّز بعض الفلاسفة بين ثلاثة أنواع من الصداقة: صداقة المصلحة وصداقة المتعة وصداقة الفضيلة.. وإن صح هذا التقسيم فالصداقة الحقيقية هي صداقة الفضيلة.. تناظر بين روحين، بل روح واحدة بجسدين.. إنه الوفاء في أسمى صوره.. فالصديق أمين سر.. إنها جزيرة أخلاقية في عالم بدون أخلاق.. واحة للإنسانية وسط صحراء قاحلة.. هذا هو سحر صداقة الفضيلة التي لا تنتهي أبداً.. أما أي نوع هي صداقتك فالزمن وحده كفيل ببيان حقيقة ذلك.

الصداقة مدرسة نتعلّم فيها المبادئ والمعاني الإنسانية والأخلاقية التي افتقدناها أو نسيناها في العوالم الاجتماعية الأخرى القائمة على التدافع والصراع أو على الأنانيات الضيّقة أو على المشاعر والعواطف القوية التي لا تترك لك مجالا للاعتدال والتوازن.. في الصداقة نتعلّم التواصل والاعتناء والاهتمام المتبادل وتقديم علامات الاعتراف الإيجابية والتقدير والاحترام والتلطّف والعطاء والإحسان والخير المتبادل والتضحية.. نتعلّم الثقة والتفهم والتجاهل.. الحب أعمى لكن الصداقة تغمض العينين.

في مدرسة الصداقة نتعلّم أن جروح الصداقة لا تلتئم فنحرص على تجنبها، وأن الأنانية تُدمّر الصداقة فنتعلّم كيف نسمو في العلاقة بالغيرية، وأن الزمن هو أفضل بنّاء للصداقة وهو أيضًا الشاهد على صدقها وعلى سمو ضميرها.

في مدرسة الصداقة نُدرك أهمية أن تكون محاطاً في حياتك بشكل جيّد، ونتعلّم بالتجربة الصرامة في معايير اختيار الأصدقاء لكن دون مثالية.. وأن الصداقة بطبيعتها دائرة ضيّقة نطاقها أضيق من دائرة المعارف والزملاء وتبادل المنافع والمصالح.. ونتعلّم أن من أكبر النعم في الحياة أخ لك لم تلده أمك، وأن مسارات الحياة وإن تفصل أحيانا بين الصديقين فإن الزمن مهما طال يتكفل بالجمع بينهما من جديد.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.