منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

مدارس الحياة المتعددة (7) مدرسة الوظيفة

مدارس الحياة المتعددة (7) مدرسة الوظيفة / الدكتور إدريس أوهلال

1

مدارس الحياة المتعددة (7)

مدرسة الوظيفة

بقلم: الدكتور إدريس أوهلال

أتذكر قبل سنوات أنني ذهبت إلى محطة القطار بمدينة الرباط للسفر، فإذا بي أجد زحمة غير عادية في حركة القطارات، فلما استفسرت عرفت أن السبب هو جيش مكون من 8000 شاب وشابة من حملة الشواهد يزحفون نحو العاصمة للتنافس على ستين منصباً وظيفياً حكومياً (نسبة 60 إلى 8000 هي أقل من 1٪؜! لاحظ حجم اﻷمل واﻹحباط).

ذَكَّرَني هذا الموقف حينها بغبائي المهني والمالي يوم تقدمت لامتحان ولوج سلك الوظيفة الحكومية.. غباء بمرتبة الشرف الأولى مع التوصية بالنشر لتعم الفائدة! وزاد طين هذه الزحمة بلة مرافقة عدد غير قليل من اﻵباء والأمهات لأبناءهم الذين يُفترض بالنظر لعُمُرهم أنهم بلغوا سن تحمل المسؤولية والاعتماد على أنفسهم (غباء تربوي نابع من خوف مَرَضي، قاتل للشخصية، ومانع للاستقلالية، ومُعيق للمبادرة.. وقد عرفت هذا الخوف المَرَضي وخَبَرْتُه في اليوم الذي قررت فيه تقديم استقالتي من الوظيفة: كان الجميع من حولي ضدي في هذا القرار المجنون بنظرهم!).

من المسؤول عن كل هذا الغباء؟

نجد أولا غباء التدبير السياسي. فالقوة الاقتراحية للدولة وقدرتها التدبيرية لملف التعليم أنتجت نظاما تعليميا فاشلا لا يستجيب لاحتياجات سوق الشغل والاندماج الفعّال في المجتمع. لكن الدولة لا تتحمل إلا نصف المسؤولية. فعلى الضفة اﻷخرى يوجد غباء اجتماعي.. يوجد نظام تربوي أسري منغلق على تقاليد تربوية بالية لا تشجع المبادرة ولا تدعم الاستقلالية ولا تؤمن بتحمل المخاطر ولا تُدَرِّب على حسن إدارتها، ويوجد مجتمع أدمن خيار الوظيفة كحل أمثل لتحقيق الأمن ولا شيء غير الأمن.

الوظيفة خيار ذكي ومدرسة للتعلّم في حالة واحدة فقط: عندما تكون خياراً مؤقتاً وبأهداف غير مالية، أي عندما تخدم أهداف مشروعنا الشخصي في كسب خبرات مهنية محددة وبناء شبكة علاقات، بحيث نقضي فيها بضع سنوات بالكثير كبداية قبل الانطلاق إلى أرض الله الواسعة، أما الوظيفة التي نقضي فيها عمرنا بالكامل لحين بلوغ سن التقاعد فهذه ورقة التوت التي يستر بها رواد العجز والكسل عورة عجزهم وكسلهم (في الحديث الصحيح: اللهمَّ إنِّي أعوذُ بك من العَجْزِ والكَسَل).

تسعة أعشار رزق المال والمعرفة والمهارة والتجربة والخبرة والعلاقات في التجارة، لأن السوق مدرسة فعّالة تساعد على تنمية غريزة التكسّب في أرض الله الواسعة، أما الوظيفة فتقتل هذه الغريزة! في الوظيفة ننتهي بعد بضع سنوات من العمل إلى التسطيح في المعرفة والمهارة والتجربة والعلاقات.

ولفهم هذه القاعدة من المفيد استحضار منحنى الأداء والتعلّم الذي يتحدث عنه علماء الإدارة:

– في بداية المنحنى يكون الجهد كبيرا والنجاحات والتعلمات صغيرة.

– في وسط المنحنى يكون التقدم سريعا والنجاحات والتعلمات كبيرة.

– في نهاية المنحنى حيث يصبح شبه مسطح لا نتعلم أشياء جديدة مهمة بسبب التشبع والشعور بالكفاءة والتحكم.

طبعا يجب أن نغادر في المرحلة الثالثة على أقصى تقدير لنبدأ تجربة جديدة في أرض الله الواسعة ونترك مكاننا لشخص آخر يبدأ مسيرته المهنية منه، لكن المشكلة أن المدة الكاملة لامتداد المنحنى لحين بلوغ مرحلة التسطيح (نسبة للمنحنى ولصاحبه!) تختلف من شخص لآخر ومن قطاع لآخر ومن بيئة لأخرى، وهنا نحتاج إلى مهارة التوقع وحسن التقدير لمعرفة متى نتخذ قرار الرحيل من عبودية الوظيفة.

نعم الوظيفة عبودية! في اللغة: وَظيفُ هي ساق الدابة من الإِبِلِ والخَيْلِ والبغال والحمير وغيرِها. وجاءَتِ الإِبِلُ على وظيفٍ أي تَبعَ بعضُها بعضاً. ووَظَفَهُ يَظِفُه أي قَصَّرَ قَيْدَه. ووَظيفَةُ: ما يُقدَّرُ للدّابة في اليومِ من طَعامٍ أو رِزْقٍ ونَحوِهِ. جمعها: وَظائِفُ.

اللغة بدورها تُؤكد، لمن لا يزال بحاجة إلى تأكيد، أن الأعمال الحرة للشجعان والوظيفة للجبناء!

تعليق 1
  1. إبراهيم يقول

    تحليل دقيق وعميق.
    شكرا الأستاذ إدريس على المشاركة والتقاسم.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.