منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

مدارس الحياة المتعددة (25) مدرسة العائلة

مدارس الحياة المتعددة (25) مدرسة العائلة / د. إدريس أوهلال

0

مدارس الحياة المتعددة (25)
مدرسة العائلة
بقلم د. إدريس أوهلال

 

للأسرة الصغيرة والعائلة الكبيرة منظوران متعارضان بحسب قَدَر وظروف وتجربة كل شخص: منظور إيجابي متفائل، ومنظور سلبي متشائم.
وفق المنظور الإيجابي، الأسرة هي نواة الحضارة وأساس المجتمع وثراء الفرد؛ فهي تمنح الحاجات الأساسية من ضرورات العيش ودفئ الأمن وفخر الانتماء وضوابط التربية، وتوفر لأفرادها أدوات للاستعداد للحياة وتحدياتها وقواعد لمواجهة اللحظات غير العادية والصعبة.
أما وفق المنظور السلبي، فالأسرة هي تجمع أشخاص تجمعهم رابطة الدم وتفرقهم المصالح الشخصية.. يتقاتلون كأفراد لكن يضطرون للتضامن كجماعة. الأسرة فضاء للقليل من المتعة والكثير من المشاكل.. إنها سجن المسؤوليات والعادات ولعب الأدوار الاجتماعية المُرْهِقَة بحيث يصبح عضو الأسرة مثل الممثل على خشبة المسرح كل حياته الأسرية تنتمي إلى فضول الجمهور وهو لا أسرة له!
دعونا نبتعد عن هذا التناول الأدبي والمعاشي للأسرة ولتجربة العيش فيها، وننفتح على منظور آخر أكثر عمقاً يكشف لنا عن حقيقة الأسرة من حيث هي مؤسسة مقدسة ومدرسة للتعلّم.
العائلة مقدسة.. أي نعم، لكن بأي معنى؟
بقدسية علاقة الدم ورابطة المحبة ومحضن الأمن وسمو التربية، أم بقدسية تاريخ العائلة وشرف العائلة وثروة العائلة وسلطة العائلة؟ عن أي أسرة وعائلة نتحدث؟ الأسرة بوصفها محضناً ومؤسسة لإعادة الانتاج البيولوجي، أم الأسرة باعتبارها مشروعاً ومؤسسة لإعادة الإنتاج الاجتماعي؟
هما مدرستان: مدرسة لتعلم المسؤولية والاستقلالية والنجاح الدراسي والعادات الجيّدة والمعتقدات الصحيحة والمجاملات الاجتماعية وفن الطبخ والديكور المنزلي والذوق الرفيع والأمومة المعتدلة…، ومدرسة لتعلّم صناعة النسب والشرف والثروة والسلطة العابرة للأجيال.. مدرسة الطيبين، ومدرسة السباع والذئاب والثعالب المتحالفة!
كم كان أفلاطون ذكيا عندما اقترح في جمهوريته الفاضلة أن تقوم الدولة بنزع الأطفال من أسرهم وتتكفل بتربيتهم وفق توزيع مسبق للأدوار الاجتماعية، وكم كانت الدولة (وهي تحالف عائلات تحتكر الشرف والثروة والسلطة) أكثر ذكاء ومكرا عندما عَزّزت حظوظ نجاح هذا التنظير الأفلاطوني المثالي لإعادة الانتاج الاجتماعي باختراع واقعي اسمه المدرسة وإيديولوجية ماكرة اسمها “تعاون الأسرة مع المدرسة”، وكم كانت “العائلات الطيبة” غبية وجبانة عندما سَلّمَت أبناءها للدولة لتقوم بإعدادهم في مدارسها ليكونوا خداماً أوفياء عند الدولة مستقبلا،
إن أجمل القصص عبر التاريخ هي قصص العائلات التي لا تملك أبناءً وإنما وَرَثَة لنسبها وشرفها وثروتها وسلطتها، وأسوأ القصص هي أيضاً قصص عائلات لكن لا تملك إلا نواياها الحسنة ومعاناتها اليومية من أجل أن تظل صادقة وشريفة.. تمارس البطولة يومياً لكن دون ضجّة! وهكذا.. كل العائلات السعيدة متشابهة في النسب والشرف والثروة والسلطة، لكن كل عائلة تعيسة تعيش سوء حظها وشقاءها وتعاستها بطريقتها الخاصة!
لمدرسة العائلة اذن مفهومين:
– مدرسة إعادة الإنتاج البيولوجي. هنا الأسرة مجرد رحم مستأجر تقوم بإنجاب أطفال لصالح المجتمع والدولة! وهنا رب الأسرة مجرد مقتصد يقظ، وربّة الأسرة مجرد بروليتاريا كادحة.. هنا الواجب والصبر والدموع والمعاناة والمأساة. والشاطر من خريجي هذه المدرسة يرتمي في أحضان نسب عالمي مزعوم “الأرض وطني والإنسانية عائلتي” (جبران خليل جبران) هروباً من جحيم هذا النموذج.
– مدرسة إعادة الإنتاج الاجتماعي والسياسي. هنا الأسرة مدرسة لصناعة النسب والشرف والثروة والسلطة وضمان انتقال المشعل واستدامة النجاح عبر الأجيال بإعداد احترافي للخَلَف.. هنا أفضل بطاقة هوية هو الدم الممزوج بالشرف والمال والسلطة.. هنا نتعلّم استراتيجيات الزواج “الذكي” لتقليص تكلفة الزواج “الغبي”.. هنا العوائد الفلكية للاستثمار في مصاهرات الأعمال وزواج النسب والشرف والثروة والسلطة.. هنا نتعلّم كيفية بناء تحالفات العائلات الكبيرة التي حَكَمَت عبر التاريخ وفي كل المجتمعات.
كان ابن خلدون مُدركاً بشكل جيّد للّعبة عندما جعل العصبية في العائلة أولا قبل القبيلة، فتاريخيا كان وجود العائلة سابق على وجود القبيلة والدولة. إن العائلة هي الرهان الاستراتيجي لأنها الوحيدة القادرة على مواجهة تحديات الحاضر والمستقبل بصدق ودون خلفيات إيديولوجية كما المدرسة أو الحزب، لكن هل يمكن لأسر طيبة تفتقد للإحساس بالخطر وطبيعته، وللوعي بمصدر الخطر وهويته، ولحس المواجهة واستراتيجياتها، ولاستعدادات المواجهة، وللمشاريع التربوية الفعالة أن تواجه وتنجح في المواجهة؟
تعيش هذه الأسر الطيبة أزمتان إحداهما أعوص من الأخرى تصادران طموحاتها وآمالها في المستقبل، وكل أزمة تعكس لوحدها بؤس تربية الأسر الطيبة العاجزة أمام مشاريع واستراتيجيات إعادة إنتاج امتيازات المحظوظين وبؤس المحرومين: أزمة العلاقة التربوية وأزمة التوجيه التربوي، بتعبير آخر أزمة القيادة التربوية وأزمة المشروع التربوي.

إن الحاجة إلى مشاريع ومناهج وبرامج لحل هاتين الأزمتين بشكل يجمع بين أصالة المنهج وشمولية الأهداف وتوازن الأداء وفعالية الوسائل أصبحت ملحة لتكسب الأسر رهان مستقبل أبنائها. لكن التحدي هو: من أين البداية؟ وكيف؟
لكسب هذا التحدي، بحل حقيقي من المنبع لا من المصب، تحتاج الأسر الطيبة أولا إلى تغيير نظرتها لوظيفة الأسرة.. الأسرة ليست رحماً للإيجار أو مؤسسة لإعادة الإنتاج البيولوجي، وأسرة بدون مشروع عابر للأجيال هي عدو الطبيعة والتاريخ البشريين.. الثروة والسلطة العظيمة تحتاج إلى جهود عابرة للأجيال وإلى الثقة والتضامن والتكامل والمثابرة والاستمرارية والتراكم، وهذه المقومات غير متاحة مجتمعة إلا في إطار مؤسسة “العائلة”. وقد فهم ابن خلدون هذه اللعبة جيداً عندما جعل العصبية في العائلة أولا قبل القبيلة، فالعائلة هي المصدر الأول للسلطة والثروة العظيمة، والذين استوعبوا هذه الحقيقة هم الذين حكموا العالم عبر التاريخ. ويُخطئ الطيبون بقفزهم على هذه العصبية الأولى، وجعلهم العائلة مجرد علاقة دم مُجردة ورابطة محبة مُجَنَّحة ومحضن أمن دافئ وإعادة إنتاج بيولوجي!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.