منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

مدارس الحياة المتعددة (26) مدرسة التديّن

مدارس الحياة المتعددة (26) مدرسة التديّن/ الدكتور إدريس أوهلال

0

مدارس الحياة المتعددة (26) مدرسة التديّن

بقلم :الدكتور إدريس أوهلال

التديّن، من حيث المبدأ، هو جنوح الطباع السليمة نحو إرواء عطش فطرتها للجانب الروحي من خلال الفهم السليم والممارسة المتوازنة للدين والحياة والعلاقة بينهما، وهو بهذا المعنى مدرسة لتعلّم القيم الروحية وإشباع الحاجات الروحية للإنسان وتعلّم الربط الصحيح بين هذه القيم الروحية والقيم الأخلاقية والعقلانية والمادية.

هو مدرسة جيّدة إذا كان التدين سليماً وصِحِّياً، لكنه تجربة خطيرة إذا كان التديّن مرضياً!

دعونا أولا نتساءل: ما التديّن المرضي؟ وهل يوجد تديّن مَرَضي؟ وقبل ذلك: ما الفرق بين الدين والتديّن؟ وبأي معنى يكون التديّن مدرسة للتعلّم؟

هناك فرق بين الدين والتديّن؛ الدين هو شريعة الله ومنهاجه في خلقه لإرواء عطش الفطرة الإنسانية لحاجاتها الروحية (في الآية: لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا)، بتعبير آخر هو مجموع القيم العقلانية والنموذجية والمثالية التي تضبط وتوجه علاقة الإنسان بالله، أما التديّن فهو فهم الإنسان للدين وإرادته في تطبيقه بتأثير خصوصية مجال التطبيق (الحقل والعقل والإرادة)..

في كل تديّن توجد خصوصيات اجتماعية وفهم وإرادة.

أغلب الناس عندها خلط بين الدين والتديّن؛ الدين إلهي والتدين بشري.. التديّن هو التطبيق العملي لما جاء به الدين، وبهذا المعنى تكون مدرسة التديّن هي تجربتنا الشخصية والاجتماعية في الالتزام بتعاليم الدين التي نتعلّم فيها ومنها القيم الروحية التي تضبط وتوجه علاقتنا بالله وانعكاس هذه القيم الروحية على باقي علاقاتنا مع البشر والأشياء أي على قيمنا الأخلاقية والعقلانية والمادية.

لكن ما كل تديّن يقطع الأرض ويُبقي الظَّهر ويُثمر سلوكاً هادئاً وعميقاً ومتوازناً، ويجمع بنجاح بين القيم الروحية والأخلاقية والعقلانية والمادية.. ما كل تديّن صحّي.. بعض أشكال التديّن للأسف مَرَضية.

من الخلط السائد أيضاً الخطأ في فهم العلاقة بين التديّن والصحة النفسية؛ عند البعض التديّن مؤشر على الصحة النفسية بالمطلق ودون تقييد، وعند البعض الآخر التديّن مؤشر على مرض نفسي بالمطلق أيضاً ودون تقييد.. أغلب الناس ترتاح في الأحكام المطلقة المتطرفة ولا صبر لديها ولا وقت للتمييز والتصنيف والتقسيم والتحليل والمقارنة والإنصاف..

لا تحسبوا كل من تديّن يتمتع بالصحة النفسية لزوماً (هذه من التعميمات الخاطئة عند الكثير من المتديّنين)، أو يعاني من مرض نفسي وجوباً (هذا التعميم الخاطئ الذي وقعت فيه مدرسة التحليل النفسي). لفهم العلاقة بين التديّن والصحة النفسية لابد من التمييز بين نوعين من التديّن: الصحّي والمرضي. التديّن الصحي هو جنوح الطباع السليمة نحو إرواء عطش فطرتها للتديّن من خلال الفهم السليم والممارسة المتوازنة للدين والحياة والعلاقة بينهما. أما التديّن المرضي فهو جنوح الطباع الضيّقة نحو إرواء عطش فطرتها للتديّن من خلال التقاطات دينية من هنا وهناك وبشكل منقطع عن الحياة. بتعبير آخر، التديّن الصحي هو تديّن واثق من نفسه وهادئ ومنفتح، أما التديّن المرضي فهو تديّن غير واثق من نفسه وحذر ومتعصب. بتعبير ثالث، التديّن الصحي يتأسس على إنسانيتنا ولا يقطعنا عنها، أما التديّن المَرَضي فيفتقد إلى القاعدة الإنسانية الأخلاقية والعقلانية والمادية المشتركة بين كل البشر. وفي كل الأديان يوجد تديّن صحّي وتديّن مرضي.. جغرافية التديّن هي جغرافية بشرية مرتبطة بالأنماط البشرية وليست جغرافية سياسية مرتبطة بالأحكام الأيديولوجية!

هذه هي حقيقة العلاقة بين التديّن والصحة النفسية، فبأي معنى يكون هذا التديّن الصحي مدرسة للتعلّم؟

التديّن الصّحي هو مدرسة لتعلم القيم السامية لهذا الوجود:

– القيم الروحية مثل الصمت والتفكّر.

– والقيم العاطفية مثل الصحبة والمحبة.

– والقيم الأخلاقية مثل العَطاء والواجب.

– والقيم العقلانية مثل العلم والسببية.

– والقيم العملية مثل الإتقان والقوة.

– والقيم السلوكية مثل الضبط والانضباط.

– وقيمة التوازن بين كل ما سبق.

التديّن الصّحي هو مدرسة يدخلها من حظي بتوجيه ديني أسري سليم ومتوازن، أو بصحبة مُعَلّمين كبار، أو بفرصة فهم شخصي عميق ومتوازن للدين، ولم يتأثر بحملات صناعة الوعي المُسْتَلَب المُوَجَّهة ضد الدين والمُوَجِّهة نحو أشكال مُشَوَّهة للتديّن تخدم مصالح فئوية معيّنة.
التديّن الصحي مدرسة ليست ككل المدارس، ففي هذه المدرسة يهتمون بالتربية أكثر من التعليم، وبالقيم أكثر من المعارف والمهارات، ويُعَلِّمُون بالحال قبل المقال، وبالقدوة قبل الخطاب، ولا يُسَوِّقون الوهم.. يُعَلِّمُون من أول يوم أن الرحلة طويلة وشاقة، وأنها تحتاج إلى من يوغل في الدين برفق، متسلحاً باستعدادات طيّبة وروح سليمة وقلب يقظ وعقل ناقد وفكر متوازن وصحبة قوية وأمينة مُوَجِّهة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.