منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

مدارس الحياة المتعددة (28) مدرسة العَطَاء

مدارس الحياة المتعددة (28) مدرسة العَطَاء/ الدكتور إدريس أوهلال

0

مدارس الحياة المتعددة (28) مدرسة العَطَاء

بقلم: الدكتور إدريس أوهلال

عندما يمر المجتمع بأزمة اقتصادية أو اجتماعية فإن التعافي منها لا تتحكم فيه مدة الأزمة وشدّتها وقدرة الدولة على احتوائها وتقليص تأثيراتها وإنما يتحكم فيه أيضاً تضامن المجتمع وعطاؤه، لكن ليس من السهل بناء تضامن اجتماعي عندما تكون درجة الأزمة عالية جداً والغالبية العظمى متضررة منها بشكل كبير! فهل نكون أنانيين وننجو بأنفسنا، أم نكون متضامنين ونتعاون على خلاص جماعي؟

من حسن حظ المجتمعات البشرية أن فصيلاً منهم من أهل البذل.. شيمتهم العطاء وصفتهم الكرم وشغلهم مساعدة الآخرين، لكن العطاء بلا حدود قد يُؤْذي صاحبه!

الناس في العطاء أصناف، وأصل ذلك في الطبيعة الإنسانية؛ فقد مُنح الإنسان صفتين متناقضتين: الأنانية والغيرية، وككل الصفات الإنسانية يوجد في العطاء تطرف واعتدال.. الأنانية المتوحشة تقود صاحبها إلى المنع المطلق، والغيرية المُجَنَّحة تقود صاحبها إلى العطاء بلا حدود، وبينهما حكمة العطاء الذي يُلزم الإنسان أن يشارك الآخرين أفضل ما عنده وفيه بحكمة واعتدال وتوازن.

العطاء قيمة من أسمى القيم، وصِفَة من أجمل الصفات، تُعَزِّز مشاعر المحبة، وتدفع مشاعر البغض والكراهيّة، وتستر العيوب.. العطاء تبادل للحياة، بل إن الحياة تبادل للعطاء، فكل ما في الوجود عطاء؛ فالحياة والجمال والخير والعمل والحب والصداقة والتواصل والكتابة والكلمة الطيّبة والابتسامة والمشاعر… كل ذلك وغيره عطاء، والأعمار لا تقاس بالسنين وإنما بحجم النجاحات وسخاء العطاءات.. لكن توجد أيضاً أنانيات ومصالح شخصية ضخمة في قلوب البشر تتكسّر على صخرتها أمواج استعدادات العطاء ومبادراته.

وهكذا تمضي سنة الله في خلقه: طيبون عطاؤهم بلا حدود، وماكرون لا عطاء لهم أو يستخدمون العطاء لإخفاء سعيهم إلى المزيد من السلطة وكبديل عن العدل، وحازمون عطاؤهم منضبط بدافع الرحمة لا بدافع التعاطف وكمُكَمِّل للعدل لا كبديل عنه.

عندما يصل الطيّبون إلى الحرية المالية ينخرطون بنواياهم الحسنة في إرجاع المال إلى المجتمع عن طريق الأعمال الخيرية ولا يدركون حاجة الثروة إلى السلطة لحمايتها ومضاعفتها أو لا يملكون هذه الحاجة العقلانية والمادية لأنهم منشغلون بحاجة أخرى من طبيعة أخلاقية هي حاجة فئات واسعة من المجتمع إلى المساعدة ويعتقدون في قدرة البذل والعطاء على حماية الثروة ومضاعفتها. أما الماكرون فيستخدمون إرجاع المال إلى المجتمع كغطاء للتهرب الضريبي، أو كوسيلة لتحسين صورتهم وماضيهم، أو كتكتيك لإخفاء عملية تحويل المال إلى سلطة. الماكرون يدركون جيداً حاجة المال إلى سلطة تحميه ولديهم رغبة في السلطة وحاجة إلى التحكم في حقل الثروة وذلك بوضع حواجز عند الدخول إليه وفرض قواعد اللعب ومراقبة استراتيجيات الفاعلين.

هذه سنة الله في عَطَاء خلقه.. طيّبون وماكرون وحازمون.. وقد تنفع تجربة العطاء ومدرسته في تحسين استعدادات البعض للأفضل، فيتعلم الرحمة لا التعاطف وتقاسم النعم لا تقسيم الأدوار.. ويتعلّم كل القيم والقواعد الأخلاقية الأخرى للعطاء، ومنها:

1. اِجعل عطاءك خفيّاً، فمصدر النور يبقى دائما في الظل.

2. طريقة العطاء أهم من العطاء نفسه؛ اِعط بصمت، واترك عطاءك يتحدث بصوت مرتفع إن كُتِب له ذلك.

3. اُنظر إلى العاطي لا إلى العطاء، فالأخذ دون امتنان لا طعم له.

4. تذكّر ما أخذت وانس ما أعطيت، فالأصل في الأخذ من جهة المُتلقي الامتنان، والأصل في العطاء من جهة العاطي النسيان.

5. العطاء يُوَلِّد الشعور بالسعادة ويساعد على النجاح، لكن مساعدة الجميع في كل شيء قد يُؤذي صاحبه أو يُؤدي إلى الفشل.. ساعد الآخرين لكن بصورة صحيحة، وتجنب تقديم المساعدة بدافع الشفقة والتعاطف لكل من يطلبها.

6. سَيَتَنَكَّر بعض الناس لعطائك، وسيستخدم بعض الناس عطاءَك ضدّك، لا تقلق.. واستمر في عطائك.. اِزرع عطاءك ولو في غير موضعه.. فلا يضيع العطاء أينما زُرع!

7. العطاء من جهة الدافع ثلاثة أنواع؛ عطاء محبة وعطاء واجب وعطاء مجاملة، ولا يوجد دون المجاملات إلا استنزاف حياتك في معارك لا طائل منها!

8. العطاء الحقيقي هو العطاء بدافع المحبة، وهو العطر الذي يخرج من شجرته إن كان مع عطائك عطر، والعطاء دون محبة يُثمر دعماً مادياً ومعنوياً لكن لا يُثمر معه مودّة ورحمة.

9. العطاء من جهة الرهان نوعان؛ عطاء سامي مجاني لا ينتظر مقابلاً، وعطاء بصفة دين اجتماعي غير مصرّح به ينتظر شكراً أو مكافأة أو رد الجميل لكن دون إظهار ذلك، وهو مقبول ومشروع عُرفاً وعقلاً وشرعاً.

10. العطاء من جهة الطبيعة ثلاثة أنواع: العطاء الصغير وهو العطاء الفردي الرّعَوي الذي لا يُغني صاحبه عن ذُلّ السؤال، والعطاء الكبير وهو العطاء الفردي التنموي الذي يُغني صاحبه عن ذُلّ السؤال، والعطاء الأكبر وهو العطاء الجماعي الشمولي الذي يقيم العدل كمُكَمِّل للعطاء لا كبديل عنه.

11. العطاء بكل أنواعه يرجع في النهاية لصاحبه بشكل من الأشكال عاجلا أو آجلا كما يرجع النهر للبحر.

12. العطاءات العلمية زكاة، والعطاءات الاجتماعية ديون، والعطاءات الاقتصادية استثمار، والعطاءات السياسية وعود.

13. الرأسمالية المتوحشة تريد من العطاء والإحسان أن يكون بديلا عن العدل.. لا تنخدع باللعبة وتنساق معها، فالعطاء يُكَمِّل العدل وليس بدلا له، والعطاء لا يؤسس لمذهب وإنما لقاعدة سلوكية هي قاعدة التضامن والعطاء المتبادل بين البشر.. العطاء واجب والعدل حق، فلا يُنسيك أداء الواجب عن المطالبة بالحق!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.