منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

مدارس الحياة المتعددة (29) مدرسة الواقعية

مدارس الحياة المتعددة (29) مدرسة الواقعية/الدكتور إدريس أوهلال

1

مدارس الحياة المتعددة (29) مدرسة الواقعية

بقلم :الدكتور إدريس أوهلال

قد تبدو الواقعية ساذجة وتافهة، فكل شيء واقعي، وبالتالي لا معنى للحديث عن الواقعية، لكن يكفي أن نميّز بين مفهومين مختلفين ومتعارضين للواقعية، أحدهما الواقعية التبريرية وهو تافه فعلا والثاني الواقعية التحريرية وهو ضروري وحيوي، لنُدرك أهميتها.

لكي تكون فعّالا وناجحا يجب أن تكون واقعياً، لكن لكي تكون واقعياً المسألة معقدة، لأنك تحتاج أن تكون واقعياً بالمعنى التحريري لا بالمعنى التبريري.

الواقعية التحريرية لا تُعلّمنا فقط كيف نرى الواقع على حقيقته، وإنما تُعلّمنا أيضاً كيف نتحرر من ضغوطاته ونكون فاعلين فيه. الواقعية التحريرية هي إخضاع الواقع للإرادة، أما الواقعية التبريرية هي إخضاع الإرادة للواقع. الواقعية التبريرية هي أن تذوب في واقعك تحت ضغوطاته ثم تبرر ذوبانك بالواقعية، أما “الواقعية التحريرية” فهي فهم شمولي ومكتمل للواقع وإرادة للتحرر من قبضته.. الواقعية التحريرية أكثر اكتمالا وإبهاراً وإقناعا من الواقع نفسه.

وللواقعية التحريرية أعداء أهمهم ثلاثة:

– الأيديولوجية المُبشرة بمستقبل غير واقعي التي تجعلك تشتغل على مستقبل مرغوب بعيد عن المستقبلات المحتملة والممكنة!

– الوهم المُتولّد عن الرغبة الذي يجعلك ترفض الاعتراف بعدم تحقق رغباتك على المستوى الواقعي فتبني عالماً من الأوهام بديلاً عنه “تُحقّق” فيه رغباتك على المستوى النفسي!

– التصالح البليد مع الواقع الذي تستسلم فيه الإرادة للواقع وتبرر ذوبانها بالواقعية!
ولمدرسة الواقعية التحريرية مبادئ وقواعد؛

1. القيم الإنسانية والاجتماعية كالعدالة والسعادة مُثُل مطلقة لم توضع لكي نصل إليها وإنما لكي نهتدي بها، فهي كالنجوم بها نهتدي ولا يمكن الوصول إليها، ولو اقتربنا منها لاحترقنا! والواقعي هو من يهتدي بهذه القيم المطلقة بواقعية، ولا يتعلق بها بمثالية.

2. الواقعية تُعلّمك التدرج، بحيث تأخذ الأمور شيئًا فشيئًا وعلى مراحل وخطوات، لا دفعة واحدة.

3. الواقعية تعلمك المثابرة؛ فالنجاح له قانون واحد بسيط هو البداية الصغيرة وبذل الجهد الحقيقي والمثابرة عليه والتركيز على الهدف وعدم الالتفات عنه حتى بلوغ النهاية المشرقة.

4. الواقعية تعلمك الذكاء الموقفي وعدم التمذهب لنمط معين.. تصرّف دائما حسب ما يقتضيه الموقف لا حسب نمطك الغالب.

5. من الواقعية أن تعمل بالأصل على تحسين الموجود بدل استبداله متى كان ذلك ممكنا، لكن لا تتردد في تغييره بشكل جذري عندما يتأكد لديك استحالة تحسينه!

6. من الواقعية تحقيق التوازن الواقعي والتعايش المشترك؛ اِعترف بحق الآخرين في أن تكون لهم مساحتهم الخاصة وأفكارهم ومصالحهم، وقدّم التنازلات الضرورية لتحقيق ذلك، لكن احتفظ بيقظتك فالصراع جزء من لعبة الحياة!

7. الواقعي يتسم دائما بحس النقد ومنهج الشك، ولذلك يجد دائمًا في نفسه القوة والقدرة على عدم قبول المثاليات، وإذا تم تقديم هذه الأخيرة كحقيقة لا جدال فيها فسوف يحتفظ بشكه ويقظته إلى أن يتأكد من حقيقة الأمر.

8. الواقعي لا يسخر من الآخرين ولا يتعاطف معهم، وإنما يتسلح بقوة الإنصات والملاحظة ويحاول أولا أن يفهم بشكل موضوعي ومحايد، ثم يتخذ الموقف المناسب تبعا لفهمه.

9. عندما تكون اللعبة أكبر منك عليك أن تنخرط في معركة الوعي، وعندما يكون الغموض والعجز هما سمات المرحلة تصبح حاجتنا الأولى الملحة هي القوة التحليلية النقدية، أما القوة الاقتراحية والقوة التدبيرية فمطالب لمرحلة وضوح الرؤية والقدرة على الفعل.

10. الواقع بطبيعته معقد ويتضمن دائماً عناصر مجهولة وغير يقينية ومُدَمِّرَة تتسبب في أزمات ويتضمن معها فرصاً خفية لتجاوز هذه الأزمات.
الخلاصة، الواقعية ذكاء وحكمة، ذكاء عصفور في اليد ولا عشرة على الشجرة، وحكمة الحق ما ترى لا ما تسمع. الواقعية تُحرّرنا من قبضة الواقع وإكراهاته، ومن الايديولوجيات والأوهام ومن التصالح البليد مع الواقع.. عندما تهب رياح التغيير البعض يتفاءل والبعض الآخر يتشاءم، أما الواقعي فيبني مزارع للرياح لإنتاج الطاقة.. التفاؤل والتشاؤم مفاهيم لا مكان لها في معجم الواقعية!

تعليق 1
  1. الحسين يقول

    مقالات مفيدة ومتميزة ،زادك الله حكمة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.