منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

مدارس الحياة المتعددة (31) مدرسة السوق

مدارس الحياة المتعددة (31) مدرسة السوق/ الدكتور إدريس أوهلال

0

مدارس الحياة المتعددة (31) مدرسة السوق

بقلم: الدكتور إدريس أوهلال

تسعة أعشار رزق المال والمعرفة والمهارة والتجربة والخبرة والعلاقات في السوق، لأن السوق مدرسة فعّالة تساعد على تنمية غريزة التكسّب في أرض الله الواسعة، أما الوظيفة فتقتل هذه الغريزة وتنتهي بنا بعد بضع سنوات من العمل إلى التسطيح في المعرفة والمهارة والتجربة والعلاقات.

والمدرسة تقتل أيضاً غريزة التكسب والمعارف الحية وتنمي المعارف الجامدة.. تُعَلِّم قضايا مجردة ومجزأة وأحادية البعد وبسيطة، ولا تُعَلِّم الانتباه واليقظة والرصد للإشارات الدالة على القضايا الحيّة والشمولية والمُرَكَّبة والمرتبطة بسياق والمتعددة الأبعاد.. إنها تقتل أقوى سلاح نمتلكه (الغريزة) بتنمية عدو الفعّالية الأول (العقل)! الغريزة أقوى من العقل، والحياة بمدارسها المتعددة لا المدرسة النظامية الغبية هي من يستطيع إحياء الغريزة.

في السوق تنمو الغرائز، لذلك فهو سلاح ذو حدّين: مدرسة للشر كما للخير.. لتخريج أسوأ الماكرين كما لتخريج أفضل الحازمين! لذلك علينا أن نتساءل عندما نقرر دخول السوق: بأية استعدادات سنلعب ألعاب السوق؟ باستعدادات المكر، أم باستعدادات الحزم، أم باستعدادات العبودية؟
في السوق تنمو استعدادات السعي الحثيث للهيمنة الكلية والشاملة ، ويترتب عن أنانية هذه الاستعدادات وقسوتها واحتقارها للإنسانية فاتورة اجتماعية باهظة (ارتفاع معدلات الفقر والعنف والجريمة والطلاق والانتحار…) ، والبديل الفعَّال والإنساني عن هذه الاستعدادات اللاإنسانية هي استعدادات الحزم، لكن السؤال هو: كيف ندخل السوق ونحتل المسافة الفاصلة بين استعدادات المكر واستعدادات العبودية؟ كيف نُنَمّي استعدادات الحزم؟

فيما يلي قواعد الدخول إلى مدرسة السوق وأهم دروسها بهدف تنمية استعدادات الحزم:

1. توجد حاجة ملحة لتربية عملية تُلَقِّن العاجزين الاستعدادات الذاتية الدنيا مُجَسَّدة في قيم الاعتماد الداخلي: المبادرة ووضوح الرؤية والانضباط، والاستعدادات الذاتية العليا مُجَسَّدة في قيم الإنجاز الخارجي: الشغف والمثابرة والمسؤولية. الحاجة ملحة لتعليم رواد العجز والكسل رجولة “دُلَّني على السوق”، بالمعنى الواسع للسوق.

2. السوق مدرسة لتنمية الحس العملي البرجماتي وكل ما يتعلق بالجدوى والفعالية والكفاءة والإنتاجية والتوجه نحو النتائج واحتياجات العميل وانتظاراته.

3. في السوق نعرف حقيقة أنفسنا وحقيقة الناس أكثر مما نعرفهم في المسجد! فالسوق ليس مدرسة عملية فقط بل هو مدرسة أخلاقية أيضاً.

4. السوق لا يعترف بعلاقات المحبة والمودة والقرابة، لذلك اِفصل بين عملك الربحي وعملك التطوعي؛ لا تمارس الأعمال التطوعية في شركتك وإلا ستفلس، لكن لا تمارس الأعمال الربحية في الجمعية الخيرية التي تنشط فيها وإلا ستفقد مصداقيتك. الفصل بين العمل الربحي والعمل التطوعي ضرورة عملية وأخلاقية، لكن دون الفصل بين مبدأ الربحية ومبدأ التطوع لأنه نوع من العلمانية الخفية. إجعل مشروعك الربحي يخدم رسالتك، واجعل مشروعك التطوعي يدر أرباحا ليمول نفسه.

5. في السوق لا توجد وسيلة فعالة للبيع أقوى من تركيز انتباه المستهلك على ما سيحصل عليه في النهاية.. لفكرة “النتائج” مفعول السحر على وعي الإنسان وإرادته، ويصبح هذا المفعول مضاعفاً عندما ينشأ الانسان في عالم ثقافته الأساسية هي الأرقام ومنطقه الأساسي هو منطق السوق.

6. السوق مدرسة لتعلّم معنى تعاقب النجاح والفشل في الحياة وتطوير مهارة التكيّف معه.. الحياة نهار وليل، صعود وهبوط، نجاح وفشل… ورجال السوق لا تزعجهم المعاملات الخاسرة ولا تخفيفهم الأزمات.

7. في السوق نتعلم مبدأ التقسيم المتوازن للرأسمال: ثلث في البضاعة، وثلث لتنشيط المبيعات وشراء ولاء العملاء بتقديم تسهيلات في الأداء، وثلث للسيولة والفرص.

8. في السوق نتعلّم استهلاك القليل واستثمار الكثير.. من بين كل أفعال الاقتصاد يعتبر الادخار والاستثمار هما أسمى الأفعال.. اِدخر وسائلك لغاياتك العليا ولا تستنزفها في أهدافك العابرة.

9. في السوق نتعلّم أن تدوير المال والبضاعة بهامش ربح قليل أفضل من ركودهما.. الماء الراكد بيئة مناسبة لنمو الطفيليات!

10. في السوق تتعلّم خطورة تقادم بضاعتك، وخطورة ظهور منافس ببضاعة تستهوي عملاءك.. جدّد عرضك وخدماتك وخطابك إذا أردت أن تحافظ على موقعك التنافسي في السوق!

11. في السوق نتعلّم توزيع المخاطر وحسن إدارتها وألا نضع بيضنا كله في سلّة واحدة!

هذه هي مدرسة السوق.. تقودك إلى الجدوى والفعّالية والكفاءة والثروة.. والنجاح في السوق قد لا يقودك إلى السعادة، لكن يُحَسّن من استعداداتك لبلوغها!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.