منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

مدارس الحياة المتعددة (32) مدرسة الموسيقى

مدارس الحياة المتعددة (32) مدرسة الموسيقى/ الدكتور إدريس أوهلال

0

مدارس الحياة المتعددة (32) مدرسة الموسيقى

بقلم: الدكتور إدريس أوهلال

توجد في كل شيء؛ في خرير المياه، وزقزقة الطيور، وحفيف الأشجار.. في الشعر وتصويره، والنثر وانتقالاته، والخطابة وتوقفاتها.. في الخطاب والوعي والحكمة والفعل والمشاعر والحب والدموع والضحك والنوم، في كل شيء متى وَجَدَت من يُنصت إليها.. وأين من يُنصت إليها!
تُحرِّك ذيل القط في ذروة فرحته، وصوت العصفور في قِمَّة بهجته، وإيقاع الجسد في أوج نشوته، وأشواق الروح في علو تعلّقها.

هي الروح للوجدان فلا تخطئها أبداً عند سماعها، والأجنحة للفكر إذ تُحَوِّل نثره شعرا، والإيقاع للجسد إذ تضعه في توافق وانسجام مع الوجود.. تُصَوِّر أحداث الحياة بنغماتها ومقاماتها كأنك تراها، فتُغرقنا في بحر إيقاعاتها كأنها حياة يجب أن نعيشها.

رياضيات صوتية ولغة كونية تتواصل بها الأرواح، أساسها مساحات شاسعة جداً من الصمت مع بضعة نوتات.. إنها فن الصمت، تُخرج الإيقاعات الجميلة من صمتها كما يَخرج الحي من الميت!

للموسيقى سبعة حروف فقط، ومع ذلك فهي أقدر على التعبير من الكتابة بنوتاتها الثمانية والعشرين.. الكتابة هي أقرب الفنون إلى الموسيقى، لكنها أقل نضجاً منها.. إنها سحر، بل أقوى أشكال السحر.. فالموسيقى تبدأ حيث تنتهي قدرة الكلمات.. والحق ما تسمع لا ما تقرأ، ولولا اختراع اللغة لكان التواصل بين البشر روحيا بالموسيقى!

ولأنها سحر وأقوى أشكال السحر كان الجدل حولها عند من ذاق الهوى ومن لم يذق، ومن شرب المدام ومن لم يشرب.. عند الكل على حد سواء.. كان الله في عون من ذاق ومن لم يذق على حد قول المثل المغربي!

ولهذا الجدل ما يبرره، إذ للموسيقى وجهان في الاعتبار: روحانية بديلة عن الدين، أو روحانية مكملة للدين.

كل الأديان تستخدم الموسيقى بشكل من الأشكال في شعائرها، وحتى من لا دين له يستخدمها أيضاً لكن ك “دين” وبشعائر وطقوس.. الموسيقى عند البعض دين أي بديل “روحاني” عن الدين!

لذلك علينا عندما ندخل مدرستها أن نتساءل بأية استعدادات سنعيش تجربة الموسيقى: كروحانية بديلة أم تكميلية لروحانية الدين؟ طب بديل أم طب تكميلي للروح؟

الموسيقى سلاح ذو حدّين؛ يمكن أن تستخدم بشكل سلبي فتضر، أو إيجابي فتفيد.

من سلبياتها:

– التشتت؛ العدّاؤون لا يسمعون للموسيقى قبل المنافسة لأنها تشتت تركيزهم.

– إثارة الغرائز؛ فالموسيقى تعزز الخيال وتحرك الغرائز.. يكفي أن نستحضر أن أصل الموسيقى إثارة الجنس الآخر!

– مُخدّر؛ تستخدم الموسيقى كأفيون مخدر للشعوب.

– بعض أنواع الموسيقى لا تنعش الروح وإنما هي مجرد ضجيج.

– أحيانا تتحول حياتنا بالكامل إلى موسيقى وننسى أن نعيش حياتنا بشكل متوازن.

ومن إيجابياتها:

– مدرسة الموسيقى تُربّي الذوق الرفيع وتُنمّي الحكم الجمالي.

– الموسيقى مدرسة لتعلّم الذكاء الموقفي والإدارة الفعّالة للموارد وفن الصمت.. تُعَلِّمك أن تبقى هادئاً وصبوراً لفترة صمت وتراقب بحذر وعندما يحين الوقت المناسب تنقض بسرعة على الزر المناسب أو تَرْكَب بذكاء الحبل المناسب!

– لا يمكن لشخص يحب الموسيقى ويستمتع بها أن يكون بئيساً في حياته، فهي تذيب جليد الأحزان.. وفي أوج عطاء الحضارة الاسلامية كانوا يستخدمون الموسيقى في المستشفيات لمسح دمعة الحزين وعلاج ألم المريض!

– الحياة بدون موسيقى مملة ومتعبة، فالفن ملاذنا الأخير لكي لا تقتلنا الحقيقية!
أما كيف نستخدمها بإيجابية فهذه القواعد:

– للأسف أغلب الناس تسمع للموسيقى بأذنيها.. لا نحتاج إلى أذنين لكي ننصت للموسيقى، وإنما نحتاج إلى وجدان رقيق وذوق رفيع!

– استمع للموسيقى بشغف وحب وصدق.

– لا يكفي أن تسمع الموسيقى يجب أن تراها أيضاً.

– واظب على حمام موسيقى مرتين في الأسبوع كما تواظب على حمامك المائي؛ فمفعول الموسيقى للروح من جنس مفعول ماء الحمام للجسد: تطهير!

– الكمان هو الأداة الموسيقية الأكثر اكتمالاً، ولا يعزف الكمان إلا الكامل!

– أجمل أداة موسيقية وأقدمها وأصدقها وأكثرها أصالة وأصل باقي الأدوات هي الصوت البشري.

– يجب أن تكون التربية الموسيقية جزءاً أساسياً من تربية الطفل.

– تستحق الموسيقى أن تكون هي اللغة الثانية الإجبارية في المدارس.

– إذا أردت أن تراقب شعباً فراقب الموسيقى التي يستمع إليها، وإذا أردت أن تعرف شعبا فاستمع إلى موسيقاه.

– إذا أردت أن تسمو بذوق شعب فقدم له موسيقى راقية، وإذا أردت أن تُفسد ذوق شعب فقدم له موسيقى رديئة!

الخلاصة صاغها الإمام الغزالي حين قال: “من لم يحرّكه الربيعُ وأزهاره، والعودُ وأوتاره، فهو فاسدُ المزاج ليس له علاج”.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.