منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

مدارس الحياة المتعددة (8) مدرسة الإشارات

مدارس الحياة المتعددة (8) مدرسة الإشارات/ الدكتور إدريس أوهلال

0

مدارس الحياة المتعددة (8)

مدرسة الإشارات

بقلم: الدكتور إدريس أوهلال

لغة الإشارات متأهبة على الدوام لتريك ما لا تستطيع عيناك أن ترياه، فهل أنت مستعد للتعلّم!؟ الريح في الصحراء تحمل أحيانا رائحة تدل على حدث في الجوار، لكن أين المرّي الذي يشمها شمّاً.. يرصدها بسرعة ويحللها بدقة ويتصرف قبل فوات الأوان؟

الإشارات مدرسة بلا مكان، لأنها توجد في كل شيء وفي كل مكان.. في تدفقات البيانات والمعلومات، في البيئة الداخلية والخارجية، في الكلمات والأشياء، في لغة الخطاب ولغة الجسد، في الأحداث والألعاب، في قواعد اللعب.. ورغم ذلك قلّة فقط تنتبه وترصد وتُحَلّل وتتصرف بسرعة.. (وَكَأَيِّن مِّنْ ءَايَةٍۢ فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ).

في بداية ثمانينات القرن العشرين ظهرت إشارة ضعيفة في قطاع الحواسيب (الأنظمة الضخمة حينها) اسمها “الحواسيب الشخصية” التقطها مدير شاب لشركة ناشئة فَرَكَب الموجة وحوّل استراتيجية شركته بناء على تحليله لها (Microsoft)، وفشل القائد المخضرم للشركة المهيمنة على القطاع حينها في تحليلها بشكل صحيح حين اعتبرها مجرد سحابة صيف عابرة وأن الأنظمة الضخمة ستستمر في صناعة مستقبل القطاع (IBM)، الأول هيمنت شركته على قطاع برمجيات الحواسيب الشخصية، والثاني فشلت شركته الضخمة في دخول قطاع الحواسيب الشخصية عندما حاولت استدراك خطأها وتأخرها. في مجال الأعمال يكفيك رصد إشارة ضعيفة قبل منافسيك تدل على مستقبل القطاع وتوجيه استراتيجيتك في اتجاه هذا المستقبل لتكون الأول خلال عشر سنوات على الأقل!

الإشارات معرفة حيّة، إنها لغة الحياة والمعيش اليومي.. أما المعارف المُجَرَّدة والمُجَنَّحة التي نتعلّمها في “مدرسة الدولة” فمعارف جامدة.
دعونا أولا نستعرض أنواع المعارف لنرى خصوصية هذه المعرفة الحيّة التي نتحدث عنها.

المعارف ثلاث: معارف مُجَرَّدة قائمة على بناء المفاهيم، ومعارف مُجَنَّحة قائمة على تذوق الاستعارات، ومعارف حَيَّة قائمة على رصد الإشارات، ولكل نوع من هذه المعارف منطقها الخاص: منطق الأفكار ومنطق المشاعر ومنطق المصالح، والحياة لا تستقيم بشموليتها وتوازنها إلا بهذه الأبعاد الثلاثة مجتمعة.

إن العلاقات الانسانية لها ثلاثة أبعاد: بعد فكري وبعد عاطفي وبعد عملي؛ فالأفكار والمشاعر والمصالح كلها أنواع من العوامل التي تُنْشِئ العلاقات بين البشر وتتحكم فيها، وبالتالي فإن مدارس فكرية للتعلّم من قبيل مدرسة الكتابة والقراءة أو مدارس عاطفية من قبيل مدرسة الحب لا تصنع لوحدها الشخصية الكاملة والمتوازنة، لابد أيضاً من مدارس عملية تربطنا بالحياة ومعيشها مباشرة دون واسطة الفكر والعاطفة، ومن هذه المدارس العملية، من أهمها، مدرسة الإشارات.

لماذا مدرسة الإشارات؟ لأنها تسمح لنا بتوقع احتياجات ومشاكل الغد بشكل أفضل.. احتياجات ومشاكل عملائنا وشركائنا. الإشارات تدل على الفرص وتساعد على توقع المخاطر؛ فالمستقبل يسكن في الإشارات، والتحولات الكبرى في المستقبل تظهر من خلال إشارات صغيرة وضعيفة في الحاضر، وإذا كنت تُنصت إلى الإشارات وتلاحظها وترصدها وتحللها جيداً فلن يتمكن أي شخص أو حدث أو تغيير من مفاجأتك ما دمت تتوقعه برصد الإشارات الدالة عليه وتحليلها.. عندما تُصغي إلى ما تقوله الإشارات لا يستطيع أي شخص أو حدث أو منظمة أو منافس أن يُوَجِّه ضربته إليك من حيث لا تدري.

لكن ليس من السهل العثور على الإشارات خاصة الضعيفة، فهي متوارية ضمن كتل ضخمة من البيانات والمعلومات والأحداث والألعاب.. من الصعب رؤية إشارة ضعيفة بوضوح وحين ظهورها. وتُعزّز هذه الصعوبة وتُنَمّيها مدرسة الدولة التي تُعَلِّم قضايا مجردة ومجزأة وأحادية البعد وبسيطة، ولا تُعَلِّم الانتباه واليقظة والرصد للإشارات الدالة على القضايا الحيّة والشمولية والمُرَكَّبة والمرتبطة بسياق والمتعددة الأبعاد.. في مدرسة الدولة (حكومية وخصوصية) نتعلم الاستفهام عن المفاهيم لفهمها، ونتعلم تحليل الصور الجمالية لتذوقها، وكل ذلك لغايات تعليمية وجمالية فقط، أما في مدارس الحياة المتعددة فنتعلم رصد الإشارات وتحليلها واستخدامها لغايات الحياة والمعيش العملية.

آن الأوان لنجعل مدرسة الإشارات ضمن مجموعة مدارس الحياة المتعددة التي نتعلم فيها ومنها.. من المهم معرفة الإشارات واستخداماتها المختلفة والأساليب والطرق والأدوات التي تسمح لنا برصدها وتحليلها واستخدامها في توجيه القرارات والاستراتيجيات.. من المهم معرفة ما الإشارات؟ وما تحديات دراسة الإشارات؟ ولماذا يجب أن ندرس نشاط الإشارات؟ وكيف يمكننا دراستها؟ وما هي الأساليب والطرق والأدوات والممارسات؟ وما أنواع الإشارات الأكثر أهمية؟ وأين نجدها؟ وكيف نتعرف عليها ونكتشفها؟ وكيف نحللها ونفسرها؟ وما هي تطبيقاتها؟ وكيف نستخدمها؟

إن لغة الإشارات جاهزة دائماً لتريك ما لا تستطيع عيناك أن ترياه وأذناك أن تسمعانه وحواسك أن تلمسه؛ فلغة الجسد لا تكذب مهما حاول صاحبها الإخفاء، ولغة الخطاب تتضمن دائماً إشارات إلى خصائص صاحبها ونواياه، والتحولات الكبيرة والجذرية التي تحدث في المستقبل تدل عليها دائما إشارات ضعيفة في الحاضر، والصدمة ما هي إلا الضربة التي لم تتوقعها لأنك فشلت في رصد إشاراتها الضعيفة!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.