منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

مدارس الحياة المتعددة (9) مدرسة المسؤولية

مدارس الحياة المتعددة (9) مدرسة المسؤولية | الدكتور إدريس أوهلال

0

مدارس الحياة المتعددة (9)

مدرسة المسؤولية

بقلم: الدكتور إدريس أوهلال

 

إذا أردت أن تساعد شخصاً على التطور امنحه مهمة وحَمِّله مسؤوليتها وبَيِّن له أنك تثق فيه، وإذا أردت أن تُرَبي شخصاً وتساعده على النضج وإعطاء أفضل ما عنده حَمِّله مسؤولية نفسه وادفعه للاستقلال عنك؛ فالتربية قيمتان، المسؤولية والاستقلالية، والباقي مجرد تفاصيل ولواحق ننشغل بها للأسف عن البداية الصحيحة.. نعم تحميل المسؤولية هي البداية الصحيحة لأن الإرادة، إرادة تحمّل المسؤولية، قبل العلم هي إمام العمل.

المسؤولية أسلوب فعّال في التربية، فهي أول القيم وأهمها، قيمة تجعل الشخص يشعر بعَظَمَة روحه وصلابة جسمه وبقيمته في المجتمع وبأن لوجوده معنى ودور وبأنه الوحيد المسؤول عن واقعه وظروفه وبأنه يمتلك مستقبله ومصيره بيده.. وبدون مسؤولية سيشعر برخاوة جسمه وليونة إرادته وفسولة روحه.

المسؤولية مدرسة تُخرجنا من “أخلاق النوايا” التي لا يعلمها إلا الله والتي يمكن أن يختبئ وراءها الفرد اللامسؤول ليتهرب من مسؤوليته، إلى “أخلاق النتائج” ومبدأ “العقد شريعة المتعاقدين” و “المسلمون عند شروطهم”.. أخلاق المسؤولية تتأسس على الوعي والحرية ومسؤولية الفرد عن نتائج أفعاله.

والمسؤولية هي أيضاً الثمن الواجب دفعه للحصول على حريتنا وتحقيق نجاحنا؛ فالمسؤولية والحرية والنجاح مظاهر لحقيقة واحدة.
إن المسؤولية قيمة أخلاقية ذات بعدين مترابطين ومتكاملين: الحق والواجب. الطيبون لا يعرفون منها إلا التفاني في أداء الواجب، والماكرون لا يعرفون منها إلا التفاني في استخلاص الحق، والحازمون وحدهم عندهم هذا التوازن الدقيق بين الحقوق والواجبات ويتمثلون بشكل صحيح قيمة المسؤولية.

المسؤولية أنواع:

– المسؤولية القانونية التي تُلزمنا بالتحكم في سلوكنا بمبدأ موضوعي نابع من خارج الذات.

– المسؤولية الاجتماعية التي تُلزمنا بالتحكم في سلوكنا بمبدأ عرفي نابع من محيط الذات.

– المسؤولية الأخلاقية التي تُلزمنا بالتحكم في سلوكنا بمبدأ ذاتي نابع من داخل الذات.

– المسؤولية الروحية التي تُلزمنا بالتحكم في سلوكنا بمبدأ شرعي نابع من خالق الذات.

إنها المسؤولية بأبعادها المتعددة وحضورها المُفرط في زمن أصبح فيه الكل مسؤولاً: الأفراد والمنظمات والشركات والمجتمعات والدول.. فالمسؤولية الاجتماعية مثلا تُدخل الشركات إلى مدرسة المسؤولية عندما تُدرك أن واجباتها ليست اقتصادية ومالية فقط وإنما اجتماعية أيضاً.

للمسؤولية خصائص أهمها:

– غير قابلة للتفويض؛ فنحن نفوّض الصلاحيات ولا نُفوّض بالكامل المسؤولية المترتبة عنها.

– غير قابلة للقسمة؛ إذ يمكن قسمة التضحيات، لكن لا يمكن قسمة المسؤولية، إلا إذا كنت من النوع الذي لا يريد المشاكل فيتقاسم المسؤولية!

– متناسبة مع السلطة، فكلما زادت السلطة زادت المسؤولية.

هذه هي المسؤولية.. مدرسة فعّالة، وهذه قواعد استخدامها كأسلوب في التربية:

– اُنشر ثقافة المسؤولية وروحها؛ فلا شيء أفسد للأفراد من ثقافة اللامسؤولية.

– اُنشر ثقافة المسؤولية بالقدوة لا بالخطب والمواعظ؛ فلا شيء أضر بالمنظمات والمجتمعات من كثرة الكلام وغياب القدوة.

– الاستقلالية ليست مكافأة تمنحها لأبنائك أو موظفيك وإنما هي مسؤولية ووسيلة للتربية على المسؤولية.

– القيادة لا تمنح أي امتيازات أو سلطة، وإنما تمنح المزيد من المسؤوليات.

– القائد أول من يصل وآخر من يخرج، وأول من يستيقظ وآخر من ينام.

– يترتب عن المسؤولية التزامان: إرادة المعرفة للقيام بالدور كما يجب، وشجاعة الكلام لتوجيه النقد عند الحاجة بدون خوف أو مجاملات.

– وازن بين الحرية والمسؤولية، واجعل العلاقة بينهما متناسبة.

– وازن بين حقوقك وواجباتك.. اِعرف مصالحك بشكل واضح واسع في تحقيقها، واعرف واجباتك بشكل جيّد وتفانى في أدائها.

– لا مسؤولية بدون إيمان وعهد وصدق، والتربية على المسؤولية وبها هي تربية على الإيمان بفكرة والوفاء بعهد والصدق في الذمة والهمة.

أما بعد، فالمسؤولية أسلوب حياة ما دامت الحياة تجربة ممتعة ومفيدة نخوضها بشغف ومثابرة وإحساس عالٍ جداً بالمسؤولية، وتحميل المسؤولية أسلوب تربية ما دامت المسؤولية إذا دخلت من الباب الأمامي طردت رخاوة الجسم وليونة الإرادة وفسولة الروح وفوضى الانضباط من الباب الخلفي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.